التّرجمة والرّهانات الثّقافيّة العربيّة المعاصرة – حوار مع الدكتور علي وطفة حاوره الأستاذ محمد الإدريسي**




يناير 30, 2018  

التّرجمة والرّهانات الثّقافيّة العربيّة المعاصرة – حوار مع الدكتور علي وطفة حاوره الأستاذ محمد الإدريسي**

286 مشاهدات اترك تعليق

التّرجمة والرّهانات الثّقافيّة العربيّة المعاصرة *[1]

حوار مع الدكتور علي وطفة

حاوره الأستاذ محمد الإدريسي**[2]


حوار منشور في مجلة العربية والترجمة مركز دراسات الوحدة العربية ، العدد 26، حزيران ، 2016  


يعدّ عالم الاجتماع والمترجم السّوريّ الأستاذ الدّكتور علي أسعد وطفة واحدا من علماء الاجتماع العرب الذين بذلوا جهودا رائدة في مجال البحث العلميّ في العالم العربي، ولا سيما في قضايا التربية والمجتمع، عبر مسار بحثيّ يناهز ثلاثة عقود ونيف من الزّمن. وتتوزّع إنجازاته العلميّة بين عشرات الكتب والمقالات التربويّة والسوسيولوجيّة التي تعدّ مرجعاً لا غنى عنه لكل باحث ومهتم بشؤون التربية العربية من منظور العلوم الاجتماعية، كما أنّه قدّم ترجمات لأمهات المقالات والكتب المؤسِّسة للفكر التربويّ والسياسيّ العالميّ من اللغتين الفرنسية والإنجليزية إلى العربية.

عمل الدكتور وطفة أستاذاً لعلم الاجتماع التربوي في كلية التّربية في جامعة دمشق في الفترة 1988-1997، وشغل عدداً من المناصب الإداريّة والعلميّة في جامعة دمشق، ومن ثم أُعير للعمل في جامعة الكويت منذ عام 1997 حتى الآن. وهو عضو في اتّحاد الكتّاب العرب، وفي رابطة الكتاب السّوريين، وفي اتّحاد كتّاب سورية الأحرار، وفي الشّبكة العالميّة للتّربية على حقوق الإنسان. وأخيرا عضو الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب.

وقد حصل الدكتور وطفة على عدة جوائز علميّة منها: جائزة حميد بن راشد للعلوم الاجتماعية 2014، وجائزة الملصق العلميّ للعلوم الإنسانية في جامعة الكويت 2010، وجائزة الباحث المتميّز لجامعة الكويت في مجال الآداب والعلوم الإنسانية في عام 2009.

يرأس حاليا تحرير مجلة “نقد وتنوير”، ويدير “مركز نقد وتنوير للدراسات الإنسانية والسياسية” وفق استراتيجيات علمية وأكاديمية طموحة تهدف إلى تنمية البحث والتّرجمة في حقل العلوم الاجتماعية والتربوية بالعالم العربيّ.

من بين أهم مؤلّفاته نذكر: “الجمود والتجديد في العقلية العربية: مكاشفات نقدية (2007)”، و”بنية السلطة وإشكالية التسلط التربوي في الوطن العربي (1999)”، و”التربية إزاء تحديات التعصّب والعنف في الوطن العربي (2002)”، و”التربية العربية والحداثة: رهانات الحداثة التربوية في عالم متغير، (2013.)”، و”رأسمالية المدرسة في عالم متغيّر: الوظيفة الاستلابية للعنف الرمزي والمناهج الخفية (2011)”،، و”أصول التربية: إضاءات نقدية معاصرة(2011)” و”سوسيولوجيا التربية: إضاءات معاصرة في علم الاجتماع التربوي (2013)”…

ومن ترجماته: “التربية والمجتمع” (إميل دوركهايم 1991)، و”الهوية” (أليكس ميكشيللي 1993)، و”اللاشعور” (جان كلود فيلو 1995)، و”فلسفة الحب” (بيير بورني 1996)،  و”الطفل والتلفزيون” (ميريه شالفون 1996). و”سوسيولوجيا الاتصال الجمـاهيري” (جوديت لازار1995).

يسعد مجلة “العربية والترجمة” أن تقدم للقارئ العربي الدكتور علي أسعد وطفة، في إطار حوار خاص وحصري حول موضوع “دور الترجمة في تنمية البحث التربوي العربي”.

بداية د. علي، حدثنا عن السّياق العام لاهتمامكم بالتّرجمة في حقل العلوم التربوية والاجتماعية؟

أستاذ محمد، بداية يسرّني أن التقي بكم ويشرفني أن أكون معكم في حواركم المثمر عن التّرجمة وهمومها وشجونها في العالم العربي، ويطيب لي، في هذا المناسبة ومن خلالكم، أن أرفع خالص الشكر والتقدير إلى القائمين على مجلة (العربية والترجمة) من مفكّرين وباحثين ولاسيما السيّدات والسادة في هيئة التحرير والهيئة الاستشارية، وأشكرهم على تشريفي بهذا الحوار حول هموم التربية العربية وشجونها، كما أنني أتمنى لهم مزيدا من النجاح والتّوفيق والتألّق في عالم الفكر والتّرجمة والتنوير. وأحييّ بالمناسبة ذاتها الجهودَ الكبيرة الرائدة لهذه المجلّة في مجال العطاء العلميّ، وفي كل ما تقدمه في مجال التّنوير والاستنارة في العالم العربي.

مما لا شك فيه أستاذ محمد أنّ الترجمة تشكل العصب الأساسي لكل مجتمع يريد المشاركة في بناء الحضارة الإنسانية ولكلّ مجتمع يريد أن ينطلق في عالم المعرفة والفكر. فالمعرفة تخاصب إنسانيّ بين الحضارات وتفاعل مثمر بين الثّقافات، وفي ظلّ هذا التخاصب والتفاعل تتفجّر الطّاقات الإبداعيّة للمجتمع والإنسان، وتنطلق شعلة التحضّر والتمدّن، ومن المؤكد أنّ الترجمة تشكل عصب التفاعل الحضاري والتثاقف الإنسانيّ، فمن خلال الترجمة تولد الطاقة الإبداعية للفرد والمجتمع، وتنهض الأمم والشّعوب ضمن مسارات التّقدّم الإنسانيّ. ومهما بلغت درجة التطوّر الحضاريّ لمجتمع ما فإنّه لا غنى له عن الترجمة بوصفها دافعا حيويا من أجل الانطلاق الحضاري وتحقيق التقدم العلمي في مختلف صيغه الإنسانية والتقنية.

ولو تأملنا في تجارب الأمم الحضارية لوجدنا بأن الترجمة كانت وما زالت تشكل البوتقة الحقيقية لكل نهضة حضارية. فالعرب من أجل بناء حضارتهم قاموا بنقل التراث الإنساني إلى اللغة العربية ولاسيما الحضارة الإغريقية، حيث نشطت التّرجمة في ظل الازدهار الحضاري وتراجعت في مراحل الانكسار والتّراجع الحضاري، ومن المعروف أن الخليفة المأمون كان يدفع بخزائن الدولة إلى المترجمين لنقل الحضارة الإغريقية وغيرها، ويروى أنه كان يدفع للمترجمين ثقل مخطوطاتهم من الذهب الخالص، ولا يخفى على أحد أن المخطوطات القديمة كانت تكتب على جلود الحيوانات، وهذه إشارة إلى ثقل وزنها البالغ.

إنّ التّلازم بين لحظات الرقيّ والتقدّم من جهة، وبين ازدهار حركة التّرجمة ترتقي إلى درجة القانون المطّرد، ويكفي أن ننظر في تاريخ مختلف الحضارات الإنسانية، وللنظر إلى الغربيين مثلا.. فقد نقلوا الحضارة الإغريقية بالكامل، وترجموا مخطوطات ابن رشد إلى اللغات القومية، كما أنهم قاموا بترجمة أهم المؤلفات العلمية للحضارة العربية. وهذا ما نلاحظه في التجربة الحضارية للاتحاد السوفييتي السّابق حيث تمّ نقل الحضارة الإنسانية بالكامل إلى اللغة الروسية، وهكذا كانت التجربة الحضارية في اليابان وماليزيا وكوريا، وفي مختلف البلدان التي نهضت في ميدان الفعل الحضاري والاكتشافات العلمية.

 وبناءً على ما تقدم يسلم لنا القول: إنّ الترجمة تشكل أسّ الحضارة الإنسانية ومنطلقها، وعلى أي أمة، متىأرادت فعلا أن تنهض وتتقدّم، أن تبدأ بعملية ترجمة واسعة للتراث العلمي الإنساني كبداية حقيقية للانطلاق الحضاري في مجال المعرفة الإنسانية. وهذا يعني بالضرورة أن تقدّم العرب مرهون بعملية واسعة للترجمة العلمية الشاملة من الحضارات المتقدمة، ذلك أنّ أي تقدم علمي وحضاري لا يمكن أن يكون إلا من خلال الترجمة ومعها وبها. ومن هنا فنحن مطالبون اليوم من أجل تنمية مجتمعاتنا والنهوض بها أن ننطلق في رحاب الحضارات الإنسانية، نترجمها وننقلها إلى العربية من أجل تحقيق هذا التخاصب الإنساني في مجال الإبداع والعطاء الإنساني.

نلاحظ ضمن ترجماتكم تمازجا مفهوميّا وايتيمولوجيّا بين السوسيولوجيا وعلوم التربية، هل يتعلق الأمر بتكامل بين الاختصاصات؟

لا أخفيك القول بأن سوسيولوجيا التربية توجد في أصل ولادة علم الاجتماع، وليس أدلّ على ذلك من أن إميل دوركهايم نفسه كان يشغل كرسيّ علم الاجتماع التّربوي في جامعة السوربون في عام1902. وهذا يعني أن سوسيولوجيا التربية علم قائم بذاته ينطلق في جوهره من تناول العلاقة بين التربية والظواهر الاجتماعية، وهو يعني كذلك أن سوسيولوجيا التربية ليست علما بينيا (بين العلوم) بل هو علم أصيل مستقلّ في جوهره، تأسّس على دراسة العلاقات الإبستيمولوجية بين الظواهر التربوية والظواهر الاجتماعية. وهو يختلف في هذه الحالة عن العلوم البينية التي تجمع بين علمين قائمين ناضجين كما هو الحال في علم النفس التربوي الذي هو حصاد علمي للتفاعل بين علمين. والأمثلة كثيرة على ذلك مثل علم الاجتماع السياسي، وعلم الاجتماع الجنائي… وبعبارة أخرى إنّ سوسيولوجيا التربية أو علم الاجتماع التربوي ليس علما بينيا بل هو علم أصيل قام في جوهره على دراسة الظاهر التربوية – الاجتماعية. والدّليل أيضا على ذلك ولادة هذا العالم في مخاض ولادة علم الاجتماع العام نفسه على أيدي كبار المؤسسين لعلم الاجتماع.

وبالعودة إلى السؤال نقول أن الأمر ليس تمازجا أو تفاعلا بين علمين (التربية وعلم الاجتماع) بل هو في جوهر الأمر علم قائم على دراسة ظواهر اجتماعية متفاعلة. مع أنّني لا أنكر أهمية العلوم البينية ودورها في تقدم المعرفة الإنسانية. ولكن يجدر بنا التنويه والتأكيد أيضا على أصالة سوسيولوجيا التربية بوصفها علما أصيلا منفردا لا يتأتى عن ثنائية علمية كما هو الحال بين علمين مختلفين من حيث الجوهر. ومن هنا يتأتّى اهتمامنا السّوسيولوجيّ بدراسة التفاعل الاجتماعي التربوي بين الظواهر الاجتماعية والتربوية. فالأمر ليس مزجا بقدر ما هو تعبير عن مقتضيات العلم نفسه بوصفه علما يتحرّك في دائرة العلاقات بين الظواهر، وليس العلاقة بين علمين مختلفين.

قمت بترجمة متميزة وجد دقيقة لأحد الكتب المؤسسة في حقل علم الاجتماع التربوي؛ كتاب التربية والمجتمع (إميل دوركهايم 1991)،كيف تقيّمون هذه التجربة؟

كما تفضلتم، يشكّل كتاب “التربية والمجتمع” (education et societe) لدوركهايم الكتاب المؤسّس لعلم الاجتماع التربويّ. ويشعر القارئ عندما يقارب عمل دوركهايم (التربية والمجتمع) بأنه يخاطب إحدى أهم العبقريات الفائقة في مجال السيوسيولوجيا عامّة وفي مجال السوسيولوجية التربوية على وجه الخصوص، ويجد نفسه أمام لوحة علمية للفكر التربوي تبرز فيها الأصالة المنهجية التي عرف بها دوركهايم.

وقد دهشت في حقيقة الأمر عندما علمت أن هذا الكتاب الرائع والمهم جدا لم يترجم إلى اللغة العربية، علما بأن الطبعة الأولى للكتاب قد صدرت بالفرنسية في عام1922. ونظراً لأهمية هذا الكتاب المؤسس لعلم الاجتماع التربوي قرّرت أن أترجمه إلى العربية ليكون واحدا من المرجعيات المهمة في سوسيولوجيا التربية في العالم العربي، وهو الكتاب الذي لا يمكن لأي متخصّص في سوسيولوجيا التربية أن يغفل عن قراءته لأهمّيّته وخطورته في هذا الميدان. وقد نال هذا الكتاب استحسان القراء العرب من كافة الميادين وتثمينه، إذ سرعان ما نفدت الطبعات الستّ المتعاقبة التي صدر بها باللغة العربية، ونظرا للطلب المتزايد على الكتاب قمنا بوضعه مجانا على موقعنا الإليكتروني ليكون متاحا للمتخصّصين في مجال علم الاجتماع التربويّ في مختلف البلدان العربية.

 فالكتاب يستجمع أهم الأفكار والطروحات السوسيولوجية لدوركهايم في مجال التربية والتعليم، وهو كتاب جامع لنظريته في سوسيولوجيا التربية، ولا أعتقد أنه يمكن لمتخصص في سوسيولوجيا التربية أن يكون متخصصا فعلا ما لم يطلع على ما جاء في هذا الكتاب من أفكار مؤسسة لعلم الاجتماع التربوي. وكم كنت أتمنى لو أن أحد المترجمين العرب قام بترجمة بعض الأعمال النادرة لدوركهايم والتي تتضمن جانبا من سوسيولوجيا التربوية، ولاسيما كتابيه”التربية الأخلاقية”Education Morale و”التطور التربوي في فرنسا” (L’évolution pédagogique en France)، وكنت أتمنّى لو أنّي أمتلك الوقت للقيام بهذه المهمّة، وأتمنى على زملائنا الكتاب الشّباب أن يقوموا بترجمة هذين العملين إلى العربية، وإتاحة الفرصة للقراء العرب والباحثين الاطلاع على المضامين الرائعة لهذين العملين الكبيرين.

ما تقييمكم لواقع الترجمة في حقل العلوم التربوية بالعالم العربي؟

تعدّ حركة التّرجمة في مجتمع ما مؤشرا مركزيا من مؤشرات التّخلف أو التقدم في هذا المجتمع، ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن ضعف وتيرة التّرجمة في الثقافة العربية من وإلى اللّغات الأجنبية يعكس الواقع المأساوي وانكساراته المستمرّة في مختلف المستويات والاتجاهات الثقافية والعلمية، فحركة التّرجمة ضعيفه جداً، وهذا الواقع يعبّر عن السّياق التّاريخيّ لواقع التّخلف الشّامل الذي نعيشه في البلدان العربية، فالعرب الذين يتجاوز عددهم 270 مليون نسمة – لا يترجمون سنوياً سوى 475 كتاباً، في حين أن إسبانيا تترجم 10 آلاف عنوان سنوياً وعدد سكانها 38 مليونا، وكذلك إسرائيل التي تترجم حوالي 15000 كتابا سنويا…وتبيّن بعض الإحصائيات الأخرى أنّ متوسط عدد الكتب المترجمة في العالم العربي هو 4.4 كتاباً لكل مليون مواطن سنوياً، في حين يحظى كل مليون مواطن في المجر بنحو 519 كتاباً سنوياً.

ومن أجل التدليل على ضعف الترجمة في العالم العربي وأهميتها في العالم المتقدم تكفي الإشارة إلى أنه عندما تتمّ ترجمة كتاب واحد إلى اللغة العربية تكون اليابان قد أنهت ترجمة 9000 كتاب. وتبين هذه الإحصائيات أنّ العرب لا يترجمون أكثر من 330 كتاباً في السنة، وهذا يعني أن البلدان العربية كلها تترجم %4.3 في المائة ممّا تترجمه ألمانيا في السنة الواحدة. وبحسب تقرير التنمية البشرية لعام 2003، فإن الحصيلة الكلية لما ترجم إلى اللغة العربية منذ عصر الخليفة المأمون إلى القرن الحادي والعشرين، هو عشرة آلاف 10.000 كتاب؛ وهو مجموع يساوي حصيلة ما تترجمه أسبانيا في سنة واحدة، وما تترجمه الولايات المتحدة خلال شهر واحد فقط.

ويمكن لنا بنظرة سريعة على عدد الكتب المترجمة في مختلف المجالات العلمية أن نرى هذه الصورة المأساوية لواقع الترجمة في العالم العربي. وإذا كانت وتائر الترجمة ضعيفة في مختلف العلوم فإنها غائبة إلى حد كبير في مجال العلوم التربوية، فهناك عدد نادر جدا من الكتب التي تترجم سنويا في مجال العلوم التربوية. وإذا كانت هناك من ترجمة فإنها تنصبّ على نوع من الكتب التربوية التي لا تأخذ طابعا علميا، بل هي نوع من الترجمات التي نسميها ترجمات “شعبوية”، وهي ترجمات تجاريّة غالبا موجهة للقراء غير المتخصّصين، وتتناول قضايا المهارات التربوية والكيفيات من مثل: كيف تعلم ابنك اللغة؟ أو كيف تمتلك شخصية قوية؟ أو كيف تتعلم الخطابة؟ أو كيف تربي طفلك؟.. . الخ.

ومع الأسف فإن الكتب العلمية التي تتعلق بالعلوم التربوية مثل: اقتصاديات التربية وفلسفة التربية، والأنتربولوجيا التربوية، وعلم الاجتماع التربوي نادرة جدا إن لم تكن غائبة تماما. وتكفي نظرة خاطفة حول مدى تطور هذه العلوم وتنوعها وثرائها في اللغات الأجنبية، لتجد هذه المسافة الضوئية الكبيرة الفاصلة بين ما نجترّه وما حققه الغرب من تقدم هائل في هذا الميدان. ففي الوقت الذي نغرق فيه في نظريات ورؤى وأفكار تربوية يعود تاريخها إلى بدايات القرن التاسع عشر تفيض الساحة التربوية العالمية بالنظريات والأفكار والتطورات الجديدة في ميادين العلوم التربوية. فنحن نعيش على أطلال الفكر التربوي في زمن قد جرى تجاوزه تماما في مستويات الفكر التربوي، وهذا يعود إلى ضعف الإبداع في منظومتنا التربوية وعدم القدرة على ترجمة التراث الفكري المتجدد أو الحركة الفكرية التربوية في العالم المعاصر. وهذا الواقع المرير نتيجة طبيعية لغياب التخاصب الفكري التربوي عبر الترجمة، ولعدم قدرتنا على تجاوز الماضي الذي ما زلنا نجتره، قانعين بالعيش على فتات الحضارة التربوية الغربية التي تجاوزت ماضيها ماضية في رحلة الإبداع والتجدّد.

نلاحظ اهتماما متزايدا لمجموعة من المراكز البحثية (المنظمة العربية للترجمة، المركز القومي للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربية…) بالترجمة في حقل الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، هل يمكن أن نتفاءل خيرا لمستقبل الترجمة نحو العربية؟

اعتقد، من حيث المبدأ، أن الحكومات العربية غائبة إلى حدّ كبير عن الواجب التاريخي، ووزارات الثقافة مقصّرة جدّا في هذا الميدان، ومن هنا تأتي الضرورة الملحّة لولادة بعض المؤسسات العلمية الرائدة في مجال النشر والترجمة، لتغطّي بعضا من هذا الفراغ المريع في التّرجمة إلى اللغة العربية.

ومما لا شكّ فيه أن النشاط العلمي لهذه المراكز العلمية المتخصصة بالترجمة يشكل خطوة رائدة على طريق النهضة الفكرية في العالم العربي، وهي مؤسسات علمية ريادية بكل المقاييس والمعايير، وأخص بالذكر منها المنظمة العربية للترجمة، التي تقوم بدور مميز جدا في مجال ترجمة التراث الفكري العالمي في مختلف الاتجاهات. فالنشاط الكبير الذي قدمته المنظمة العربية يشهد على نقلة نوعية في مجال ترجمة الفكر العالمي في مختلف مستوياته وتجلياته. كما تشكل منطلقا للنهوض الحضاري بالفكر والثقافة والمعرفة العلمية، ونحن نتابع باهتمام كبير الفعاليات الضخمة لهذه المؤسسات العلمية التي بدأت تأخذ مسارها العلمي والثّقافي في ترجمة مختلف الأعمال العلمية إلى العربية. واعتقد أننا بحاجة إلى عدد كبير من مثل هذه المؤسسات الرائدة في هذا المجال كي تصبح الترجمة واقعا حيا وأصيلا في تطوير العقل العربي، من أجل إغناء الثقافة العربية، وتمكين المفكرين والمثقفين والقراء على تمثل المعرفة الإنسانية من مختلف مصادرها وينابيعها.

ومع أهمية هذه المؤسسات ودورها الكبير في هذا الميدان، فإن الترجمة من وإلى العربية تتطلّب مئات المؤسسات العلمية في مختلف أصقاع العالم العربي. فنحن نحتاج لترجمة الفكر العالمي المعاصر وما فاتنا منه بالكامل من أجل تمثله والانطلاق منه نحو آفاق حضارية جديدة. كما أننا نحتاج إلى قيام الحكومات العربية بدورها المطلوب في هذا الميدان إذ يتوّجب على وزارات الثقافة أن تلقيَ بثقلها في هذا المجال لإغناء الفكر العربي والثقافة العربية بما يقتضيه حال النهضة من ترجمة مستمرة وفعالة للتراث العالمي في مختلف تجليات العلم والمعرفة العلمية.

تم نشر عشرات الآلاف من المقالات المحكمة في حقل العلوم الاجتماعية العالمية (خاصة باللغة الانجليزية والفرنسية)، لكن لا يعرّب منها سوى النزر اليسير. أليس من الأنجع أن تهتم المجلاّت العربية ودور النشر بمواكبة هذه الطفرات العالمية نوعيا على الأقل؟

يقال إنه عندما تكتب بلغة أجنبية فإن فردا واحدا ينتقل إلى حضارة أخرى ويصبح جزءا منها، أما عندما تترجم إلى اللغة العربية فإنّك تنقل جزءا من حضارة بكاملها إلى حقل الثقافة الحضارة العربية وشتان بين الأمرين: بين أن تنتقل أنت وحدك إلى حضارة أخرى وبين أن تأتي بحضارة ما إلى موقع التخاصب مع حضارتنا. شتان ما بين أن تضع المعرفة في متناول الملايين من المثقفين العرب وأن تغرّد في حضارة أخرى، دون أن نقلل من أهمية الكتابة باللغات الأجنبية.

 ومن المؤلم حقا أن المعنيين بالثقافة والقائمين عليها ما زالوا ينظرون إلى الترجمة بوصفها فعلا ثانويا لا يُعتدُّ به، وما زالت النظرة إلى المترجمين تفتقر إلى التقدير الكبير لما يقومون به من فعل حضاري. ونحن فيما يتعلق بالترجمة نسير عكس التيار، فالترجمة برأيي في حالتنا المتردية أهم بكثير من التأليف، لأن الترجمة تنقل إلينا أفضل ما أُنتج في حضارة الآخر بينما التأليف في حضارتنا وفق معايير التخلف التي نعيشها قد يكون في أدنى وأسوأ حالاته بالمطلق. وهذا الأمر لا يعني أن كتّابنا أقل مستوى من الكتاب في أطراف العالم بل يعني أنّ الظروف السيئة للإنتاج العلمي الأصيل تحاصر الكتاب والمترجمين العرب على حدّ سواء.

فأفضل الكتاب، وأكثرهم إبداعا في عالمنا العربي، لا يستطيع في أفضل الأحوال أن يحصل على حياة كريمة جراء عمله في هذا المجال العلمي، كما أنه لا يستطيع أن يدافع عن حقوقه المستلبة من قبل دور النشر، ولا يحظى إلا بالنزر اليسير من الحصاد المادي لإنتاجه العلمي، وظروف الإبداع والعمل غائبة عنه ولا يوجد أي تشجيع أو مردود معنوي، وذلك في الوقت الذي تكون فيه الحال مختلفة في البلدان المتقدمة، إذ يمكن لإنتاج عدة أعمال علمية أن تشكل مصدر دخل جيد للمترجم أو المؤلف مدى حياته.

تتّسم الترجمة في حقل العلوم الاجتماعية والتربوية بخصوصيات ايتيمولوجية ودلالية خاصة، لكن مع الأسف نلاحظ غياب شبه كلي لتكوينات جامعية وأكاديمية فيما يتعلق بالشروط الابستيمولوجية لهذا النوع من الترجمة، ما السبيل في نظركم للخروج من هذه الوضعية؟

مما لا شك فيه أنه ثمة خصوصيات اشتقاقية لسانية أو كما سميتها (إتيمولوجية) وهي تشكل نمطا خاصا من الدلالات المنفردة التي يتميز بها الإنتاج في حقل الترجمة وفق خصوصيّة الوضعيات الثقافية في المجتمع. ومن أجل التّوضيح نشأت في المغرب تقاليد إبيستيموجية لسانية خاصة في مجالي الترجمة والإنتاج العلمي، وتجسّدت هذه الخصوصية في إنتاج عدد كبير من المفاهيم والمصطلحات المستجدة التي تتميز بخصوصيتها وذلك بتأثير الترجمة عن الفرنسية والتواصل الثقافي مع دول أوروبا في الشمال المتوسطي.

وهذه الخصوصية أدّت إلى إشكالية ثقافية تتعلق بالتواصل مع الشرق العربي حيث بقي محافظا على السمات العامة للغة العربية التقليدية. وقد وصل الأمر إلى درجة أنه يتوجب علينا أن نشرح لطلابنا عددا كبيرا من المصطلحات الجديدة أو من الكلمات المعربة التي تتنافر مع الذائقة اللغوية للمثقفين في الشرق. ومنه على سبيل المثال وليس الحصر تعريب كلمة (Pedagogie) إلى بيداغوجيا وكلمة (Sociologie) إلى سوسيولوجيا وهناك عدد كبير من المصطلحات ومنهجيات الاشتقاق التي لا نجد لها أصولا في اللغة العربية.

وفي هذا الاتجاه نفسه نشأت في الشرق العربي كلمات كثيرة كنتاج للتأثر باللغة الإنكليزية، ودرجت على الألسن كلمات وألفاظ واشتقاقات مختلفة وهي في جوهرها ناتجة عن التفاعل السلبي مع الثقافات الأجنبية.

ومثل هذه الوضعية تمثل تهديدا كبير للوعي ووحدة اللغة والثقافة العربيتين ة، وقد تؤدي إلى قطيعة بمستويين: قطيعة فكرية بين المشرق العربي والمغرب العربي، وقطيعة بين المفكرين والمترجمين وبين المتابعين لهم من المثقفين والمفكرين الذين لا يستطيعون مواكبة هذه الطفرة الكبيرة من الاشتقاقات الجديدة والولادات المستمرة لألفاظ وكلمات ومفاهيم ومصطلحات هجينة إلى حد ما ولم تخضع لنظام لساني واضح تحدده المرجعيات العلمية واللسانية، وتواظب على نشره وفق آليات إبيستيمولوجية علمية واضحة.

والخطر في ذلك أن المجال مفتوح لكل من يريد أن يُقحم ألفاظا ومصطلحات جديدة في بنية الاستخدام العام للغة العربية وهذا الأمر ناجم عن غياب الضوابط الإبيستيمولجية للتعريب والإبداع اللساني والفكري في اللغة العربية.

وهذا الأمر يتطلب اليوم توليد وتأسيس مؤسسات فكرية كبرى ومجمعات علمية وليست لسانية فحسب لضبط القواعد والشروط الإبيستيمولوجية لعملية التثاقف والتعريب وتنظيم الروح الإبداعية ضمن شروط لسانية وفكرية جديدة. ومع الأسف ما زالت مثل هذه المؤسسات الضاغطة غائبة فعليا وقد ترتب على هذا الغياب وجود فوضى مفهوميّة واصطلاحيّة قد تهدّد في حال استمرارها العملية البنائية في الوعي والفكر والترجمة في العالم العربي.

كيف تقيمون حصيلة إنتاجات المنظمة العربية في حقل العلوم الاجتماعية وعلوم التربية خلال السّنوات الأخيرة؟

نعم. وممّا لا شك فيه أن المنظمة العربية جاءت لتلبّي الحاجات الفكرية المتنامية في الأوساط الفكرية العربية إلى التثاقف مع الحضارات الأخرى، وإلى التخاصب مع الفكر العالمي. إنّها خطوة رائدة بكلّ المقاييس والمعايير. وأنا شخصيّا عندما أزور المعارض العلمية أشعر بالتوهّج الحضاري عندما أقف أمام الإنتاج الرائع والضخم للمنظمة العربية، وأشعر في قرارة نفسي أنّني أمام مؤسسة نهضوية تنويرية يعوّل عليها في عملية تنمية العقل العربي وإخراجه من دوائر الجمود والكسل والدوران في الحلقات المفرغة لنمط من الثقافة التقليدية الرّاكدة إلى حدّ ما. إنّ هذه المؤسسة، باختصار، تشكّل  لبنة مهمّة في صرح النهضة الحضارية المنشودة. ونتمنّى أن تنشأ مؤسّسات أخرى كثيرة في هذا الميدان لأنّ الحاجة كبيرة إلى التخاصب الفكري الحضاري في هذه المرحلة الصّعبة من تاريخ أمتنا.

وإنّني أتوجّه بالشّكر إلى العاملين في هذه المؤسسة، وأعتقد أن جميع القراء العرب يشعرون بالابتهاج والشكر لكلّ من قام بدعم وتعزيز هذه المؤسسة العربية الفكرية الرائدة في ميدان الفكر والعمل والإنتاج العلمي في مجال التعريب إلى اللغة العربية.

قطعت مجلة “العربية والترجمة” شوطا كبيرا في سبيل تعزيز وعي الجماعات العربية بأهمية الترجمة في تحقيق المثاقفة بين المجتمعات وبأهمّيتها في تنمية العلوم الاجتماعية العربية، كيف تنظرون إلى مستقبل هذه المجلة الرائدة؟

قد لا أبالغ إذا قلت أنّ مجلة (العربية والترجمة) تشكل منارة علمية وفكرية وهي في نظري مركز إشعاع وتنوير في العالم العربي، وهي المجلة الرائدة أيضا في توجهاتها وتدفق عطائها، وإنّني آمل لهذه المجلة أن تحقّق مزيدا من التقدّم والعطاء في مجال العمل والإبداع والترجمة، وممّا لا شكّ فيه أن هذه المجلّة، كما قلت، قد قطعت شوطا مميّزا في عالم الترجمة، وفرضت نفسها طاقة إبداعية خلاقة في مجال العمل العلمي والإبداع. ونحن اليوم بحاجة ماسة إلى عدد كبير من مثل هذه المجلة الرّائدة كي ننطلق في الاتّجاه الصّحيح نحو العمل الفكري التنويري في العالم العربي.

 

ضمن عملكم على رأس إدارة مركز نقد وتنوير ومجلة نقد وتنوير، ما هي استراتيجياتكم المستقبلية للنهوض بالبحث التربوي والاجتماعي عامة، والترجمة في حقل العلوم الاجتماعية والتربوية خاصة؟

نهضت فكرةُ المركز والمجلّة كليهما على جملة من الأهداف خلاصتها نشرُ الفكر العقلانيّ التّنويريّ القائم على معاني الانفتاح وقبول الاختلاف، وتشجيع الإبداع وتمجيد الذّكاء البشري، رفضا للسّلوك الدّغمائيّ التّسليميّ الاتّباعيّ الذي يُفقِد الإنسانَ ما به يكون إنسانا جديرا بحمل أمانته في هذا العالم، أعني روح الخلق والإبداع. إنّ هذه الأهداف، في تقديري، ستظلّ قائمة مهما تأخّرنا في إنجازها فلا تقدّمَ ولا نهوضَ لمجتمعاتنا إلاّ بها. بل لعلّ تأخّرنا ذاك هو المسؤول عن تردّي أوضاعنا في جميع مجالات الحياة على نحو لم يسبق له مثيل، فضلا عن الدّروس المستفادة من تدبّر تاريخ الشّعوب الغربيّة المتقدّمة الذي أثبت، بما لا مجال للشكّ فيه، أنّ الفكر العقلانيّ التنويريّ هو السّبيل الوحيدة لشقّ الطّريق نحو مستقبل أفضل، وذلك بعد أن مرّت تلك الشعوب، مثلَنا، بأزمنة ساد فيها التّعصّب الطّائفي والعرقيّ، وهيمنت فيها روح التّقليد والاستبداد السياسيّ…

وفي هذا السّياق، تقع على النّخبة المثقّفة مهمّة ثقيلة تتمثّل في بثّ الوعي بضرورة العقلنة والتّنوير، تماما كما فعل المثقّفون الأوروبّيون بداية من ق16م، وكما فعل أسلافنا في أوج الحضارة العربيّة الإسلاميّة.

في ضوء ما تقدّم، فإنّ مركز نقد وتنوير والمجلّة التي تصدر عنه قد تبنّيَا استرتيجيّة النّهوض بالفكر العقلاني التنويري في مجالات محدّدة ترى أنّها الأكثر تأثيرا في الوعي العربيّ المعاصر. ولا تختلف أنشطة المركز عن أنشطة المجلّة إلاّ في مستوى الآليات. فالمجلّة تُعنى بنشر المقالات والبحوث والدّراسات والتّرجمات ذات النّفس العقلانيّ المشجّع على الابتكار وارتياد الآفاق الجديدة، والانفتاح على الفكر العالميّ في أرقى تجلّياته سعيا إلى الاستفادة من مكتسباته المنهجيّة والنّظريّة في مجالات التربية والعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، وهي في هذا تشجّع الطّاقات الشّابّة لدى الباحثين الشباب تماما مثلما تسعى إلى الاستفادة من ثراء تجارب كبار المثقّفين العرب.

أمّا المركز فيتحدّد نشاطه في تنظيم النّدوات، وعقد الحلقات الدّراسيّة التي يُدعى إليها أعلام الفكر والتّربية من العالم العربيّ وغيره كلٌّ في تخصّصه، ونطمح إلى أن يتوسّع نشاطه، فيشمل نشرَ الكتب القيّمة ترجمةً وتأليفًا، وإلى أن يتحوّل هذا المركز إلى قطب معرفيّ حقيقيّ، فيه يتخلّق كيان ثقافيّ جديد، ومنه ينتشر النّور ليضيء سماء الفكر العربيّ والعالميّ.


 [1] – حوار منشور في مجلة العربية والترجمة (صادرة عن المنظمة العربية للترجمة ) مركز دراسات الوحدة العربية ، العدد 26، حزيران، 2016

[2] – أستاذ الفلسفة، باحث في علم الاجتماع وعضو فريق البحث الإقليمي للجمعية الدولية لعلم الاجتماع بالعالم العربي (مجلة Global Dialogue)، الجديدة-المغرب