الإنسان المخصّب تكنولوجياً: ماذا بقي من إنسانية الإنسان؟ مقابلة مع المفكر الفرنسي جويل روسني ـــ إعداد وترجمة: أ.د. علي أسعد وطفة




ديسمبر 18, 2015  

الإنسان المخصّب تكنولوجياً: ماذا بقي من إنسانية الإنسان؟ مقابلة مع المفكر الفرنسي جويل روسني ـــ إعداد وترجمة: أ.د. علي أسعد وطفة

352 مشاهدات اترك تعليق

الإنسان المخصّب تكنولوجياً: ماذا بقي من إنسانية الإنسان؟ مقابلة مع المفكر الفرنسي جويل روسني ـــ

إعداد وترجمة:  علي أسعد وطفة

يعد جويل روسني Joël de Rosnay مؤسس النظمية من أكثر علماء المستقبليات شهرة وأهمية في العصر الحديث، وهو عالم موسوعي يضرب جذوره في العلوم الطبيعية ويحلق في مجال العلوم الإنسانية. وقد قدم للفكر الإنساني عدداً كبيراً من الدراسات والأبحاث والنظريات العلمية على مدى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وما زال يطالعنا بالمزيد من العطاء العلمي والإبداع الفكري دون توقف مع بداية هذا القرن. وتأخذ أبحاث روسني العلمية طابعاً إنسانياً حيث يتناول دائماً الآثار الناجمة عن تطور العلم في مجال الحياة الإنسانية. وقد حظيت المسألة التربوية في علاقاتها مع معطيات التكنولوجيا اهتماماً في فكر روسني وأعماله، وهو في سياق أبحاثه ودراساته العلمية غالباً ما يقدم تصورات عبقرية حول الهوية والإبداع والاغتراب الإنساني.‏

وقد آثرنا أن نقدم ترجمة لهذه المقابلة التي أجراها حول صورة الإنسان في المستقبل، وقد جاء العنوان الأصلي هذه المقابلة بالفرنسية: (L’homme en pièces détachéest-il toujours humain) وترجمتها الحرفية: الإنسان بأجزاء مفككة هل هو دائماً إنساني؟ وقد آثرنا أن نضع عنواناً أكثر دلالة باللغة العربية وهو: الإنسان المخصّب تكنولوجياً: ماذا بقي من إنسانية الإنسان؟ وتجدر الإشارة إلى أن هذه المقابلة قد نشرت في مجلة الفيغارو الفرنسية Interview du Figaro Magazine وقد أجراها جان مارك ريكوان Jean-Marc Requin في 21 فبراير من عام 2004.‏

في هذه المقابلة يتناول روسني العلاقة بين الإنسان والتطورات المذهلة في عالم التكنولوجيا في إشارة منه إلى الواقع الاغترابي للإنسان ضمن الدورة الاستلابية للتقدم التكنولوجي البيوني المذهل وفقاً لتعبير جويل روسني.‏

1 ـ كيف ستكون صورة الإنسان في المستقبل؟‏

يمكن القول وفقاً لرؤية تصنيفية بوجود منظورين اثنين لإنسان المستقبل. أحدهما يصور الإنسان المستقبلي على النحو الذي نراه في الخيال العلمي وهي صورة أرفضها، والثاني يرسمه على صورة الإنسان التكنولوجي «Technologue humaniste» وهو تصور يشعرني بالارتياح. وفقاً للمنظور الأول فإن الإنسان يأخذ وضعية الكائن الآلي الروبوت «cyborg» أو ما يمكن أن نطلق عليه الإنسان البيوني «l’homme bionique». فالإنسان الروبوت هو إنسان مجهز عضوياً بالتكنولوجيا والخلايا العصبية الإلكترونية.‏

ومما لا شك فيه أن الإنسان سيحقق تطوراً كبيراً في نسق العلاقة القائمة بين الإنسان الفرد والمجتمع. ويمكنني أن أطلق على صورة الإنسان المستقبلية الإنسان المخصب بالتكنولوجيا والتقانة. ومهما يكن الأمر فإن تحول الإنسان وتطوره لا ينفصل أبداً عن السياق الاجتماعي لوجوده وحياته، حيث تتعرض هذه البيئة في سياق التحول الإنساني إلى تحولات مكافئة بوصفها سياقاً ومصدراً للتحول ذاته.‏

2 ـ ما أهم التطورات المستقبلية بنظركم؟‏

هناك ثلاث أنماط من التطور المتسارع: التطور البيولوجي، والتطور التكنولوجي، ثم التطور الرقمي. لقد تطلب التطور البيولوجي ملايين السنين، وقد حدث هذا في الطبيعة وبصورة مباشرة عبر منهج التكوينات العفوية للطبيعة ذاتها أي في العالم الحقيقي. ثم ظهر الإنسان في دائرة هذا التطور بدماغه الذي أسعفه ببناء عالم متخيل حيث يستطيع الإنسان أن يبني في خياله الوقائع القائمة في الكون كلها، وأن يعيد بناء العلاقات القائمة بينها على نحو ذهني. وهنا بالتالي تبرز أهمية العلاقة بين العالم الواقعي والعالم المتخيل حيث أدت هذه العلاقة في حقيقة الأمر إلى تسارع كبير في عملية التطور التكنولوجي الذي حدث عبر القرون المنصرمة. لقد استطاع الإنسان في دائرة هذا التطور أن يبدع الحاسوب والسيبرنتيك، وبعد ذلك استطاع أن يحقق ثورته الرقمية وأن يدخل العالم الرقمي والافتراضي، حيث يقوم الإنسان بإبداع أشياء كثيرة ويوظفها بطريقة افتراضية إعجازية تؤدي إلى تسارع الثورة الهائلة التي نعيشها اليوم.‏

3 ـ ما تأثير هذا التطور على الإنسان؟‏

سيشهد إنسان المستقبل تطوراً هائلاً في مجال الوظائف العضوية، حيث سيتم تضمين الجسد وظائف جديدة يتوسط الجراحات الترميمية ذات الطابع الفيزيائي، حيث يتفاعل الجسد الإنساني مع أنماط جديدة من الوظائف وفقاً لزراعة الأعضاء والأجهزة في الجسد. فالإنسان على سبيل المثال يتنقل بواسطة قدميه ولكن ومن أجل أن ينتقل إلى مسافات بعيدة ومن أجل نقل حمولات كبيرة اخترع الدولاب. ومن ثم استطاع أن يعزز ذاكرته الشفوية بالكتاب والطباعة والكتابة، ومن ثم انتقل من الدولاب إلى الجناح أي إلى الطائرة في عملية ترحله وانتقاله. وبالتالي اخترع الكاميرا التصويرية كامتداد لعينيه، وها هو الانترنيت الآن يشكل امتداداً جديداً لدماغه.‏

وهكذا نلاحظ أن الجراحة الترميمية قد انتقلت من مستواها البيولوجي إلى مستواها الفيزيائي، والآن تنتقل إلى مستواها الرقمي، حيث تجري محاولات اليوم للربط بين الإنسان مع نسق من التقانات الرقمية، حيث أطلق على هذه العملية كما جاء في كتابي «الرجل السامبيوني l’Homme Symbiotique» السيبيونت Le cybionte (cyb de cybernétique et bio de biologie) وهي جمع بين لفظين هما السيبرنتيك والبيولوجيا. وهذا يعني أن إنسان المستقبل سيكون توليفاً معقداً من الذكاء الرقمي والذكاء البيولوجي أي بين الإنسان والأرقام بصيغتها الإلكترونية. وبعبارة أخرى سيكون الإنسان توليداً رائعاً بين كينونته البيولوجية وأجهزة الحاسوب الرقمية في أدق تشكيلاتها الإلكترونية الذكية. وهذا التوليف العبقري سيدفع الحياة الإنسانية إلى نوع من التطور المذهل للمستقبل على الكرة الأرضية.‏

4 ـ هل ترى حدوداً لهذا التطور؟‏

هناك كما أعتقد ثلاثة مستويات في عملية التطور الإنساني نحو المستقبل: مرحلة الإنسان المعدل أي الذي يتطور في صورة إنسان مطعم بالتكنولوجيا أو بالجراحة التكنولوجية؛ ثم الإنسان المتحول وهو إنسان تم زرعه بجزئيات بيوليكترونية تقوم بنشاط دائري داخلي قادر على اكتشاف الأخطاء الداخلية البيولوجية وغيرها ومن ثم القيام بتصحيحها وتصويب وظائفها، ومثال ذلك إيجاد الحلول المناسبة لمرض باركنسون. ومثل هذه الزراعة العصبية تمكن من زرع شبكات عصبية صناعية أو مضخات أنسولين قادرة على كشف مستوى السكر في الدم والتدخل من خفض نسبة السكر وتعديل وظائف الدم. والإنسان المتحول يمكنه أن يحظى بامتيازات الذكاء الصنعي حيث يمكن ربط دماغه بشبكة من الحواسيب التي تساعده في عملية معالجة المعلومات المعقدة. هذا الإنسان سيكون نتاجاً لتخاصب الإنسان مع الآلة وتفاعله الحيوي مع التكنولوجيا، إنه نوع من التحول الذي يتم عبر عملية الاستنبات التكنولوجي في الإنسان. والإنسان وفقاً لذلك يتحول إلى نورون «neurone» أي إلى خلية عصبية في شبكة هائلة من الحواسيب الدقيقة الهائلة. مثل هذه التحولات ستحدث ومع ذلك فإنه يجب على الإنسانية أن تتخذ مواقفاً أخلاقية وأن تضع الحدود القيمية الضرورية من أجل تقييم النتائج الممكنة في مجال الحياة الأخلاقية للإنسانية ومن ثم العمل على تفاديها.‏

ويمكنني هنا أن أطلق على الإنسان في المرحلة الثالثة والأخيرة من مراحل التطور الإنسان الفائق «surhomme» وأنا أتخذ بعض التحفظات على هذه المرحلة. وهذه المرحلة يمكن أن ترمز إلى تطور مذهل في مختلف الميادين بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، وفي هذا المستوى يمكن الفصل ما بين أشعة ألفا alphas وأشعة بيتا bêtas وأشعة غاما gammas، كما يبين ذلك ألدوس هوكسلي Aldous Huxley في كتابه أفضل العوالم «Meilleur des mondes». وهنا يتوجب علي أن أقول: إنه يجب اعتراض هذه المرحلة في المستوى الأخلاقي لأنها ستولد مآسي إنسانية كبيرة بين الناس.‏

5 ـ هل تطرح هذه التحولات إشكالية تتعلق بالهوية الإنسانية:‏

الإنسان الذي تحول إلى كيان مخصب بالتكنولوجيا هو إنسان مفكك والسؤال هنا هل يبقى إنساناً؟ لقد نجح بعض الباحثين في تحويل معلومات صادرة عن دماغ بشري إلى ذراع صناعي على بعد 1000 كيلو متر عبر الانترنيت. والإشارات الصادرة تظهر على صورة ومضات ضوئية على شاشة تلفزيونية، وقد ارتسمت هذه الإشارات عبر التفكير وعن بعد. ونحن اليوم نعرف مناطق الدماغ التي تعالج الأرقام. ولكن إذا استطعنا أن نحرك ذراعاً عن بعد فهل يبقى الجسد المصدر لهذه الإشارات جسداً؟ أنا أجيب على ذلك بالنفي، وذلك لأننا في هذه الحالة نلامس عمق الطبيعة الإنسانية. وهنا يجب علينا التفكير في ما نحن صائرون إليه وفاعلون بأنفسنا وذلك كي لا ندمر ما بقي من طبيعة الإنسان والإنسانية أو ما بقي من أصالة الإنسان وإنسانيته. وهذا يعني أن الإنسان المخصب المتغير المطعم بالتكنولوجيا لا يمكنه أن يبقي على الصفة الإنسانية في إنسانية الإنسان.‏

6 ـ كيف يمكن ضبط هذه التحولات في هذا الميدان؟‏

هناك عدة مستويات ممكنة في مجال الضبط والسيطرة. يتعلق المستوى الأول بالعلماء الذين ينشرون أعمالهم، والذين يحترمون القواعد والقوانين الأخلاقية، حيث يمكنهم أن يمارسوا دوراً كبيراً في السيطرة على الانحرافات الأخلاقية الممكنة.‏

وفي المستوى الثاني فإن هؤلاء العلماء يحتاجون إلى الدعم الأخلاقي من قبل المجتمع وذلك ومن أجل تجنب التأثير السلبي وضبط العالم الذي سنورثه لأطفالنا، وهذه المحاولة تحتاج إلى دعم السلطات الأخلاقية والدينية والعلمية.‏

وفي المستوى الثالث يأتي دور المواطن بما يمتلك من قدرة على المراقبة والنقد والمشاركة الإيجابية في الحياة العلمية والاجتماعية وقد تمثل ذلك في مواقف الهيئات الشعبية من قضية جنون البقر والاستنساخ البشري والتلوث الصناعي… إلخ.‏

وفي المستوى الرابع والأخير يمكن الإشارة إلى الجهود السياسية التي يمكنها أن تمارس دوراً كبيراً في ضبط التوجهات المستقبلية للإنسان حيث يجب إخضاع التطور التقاني والتكنولوجي إلى التحكيم السياسي الدائم واتخاذ القرارات التي تناسب تطلعات المجتمع. والسياسة في النهاية سيكون لها كلمة الفصل في مختلف الإشكاليات التي تتعلق بالتطور البيوني للإنسان في المستقبل.‏

7 ـ ألا يوجد هناك برأيكم تداخل بين البيولوجيا والأنفورماتيك والإليكترونيات؟‏

في كتابي الماكروسكوب Macroscope الذي نشر في عام 1975 تحدثت عن النظمية، وهي صورة للتكامل بين مختلف الفروع العلمية في رؤية دائمة للتحول الحادث في المنظومات العلمية.‏

وفي كتابي الإنسان السامبيوتي l’Homme Symbiotique تناولت ما يسمى بالعلوم فائقة التعقيد التي تبرهن على تزاوج عدد من المجالات العلمية. وقد كنا سابقاً نقرأ مسارات التطور وفقاً للعلوم التي تعنى بالسببية الخطية. أما اليوم فنحن نعيش حالة توافق دائمة بين الفروع العلمية الناشئة. فهناك اليوم نوع من الحالة السديمية المنظمة أو غير المنظمة التي تؤدي إلى ولادة فروع علمية واختفاء بعض منها.‏

فنحن الآن في عالم علمي دائم التفكك والتشكل من جديد وهو عالم حمّال لرؤية حداثية مستقبلية جديدة للحضارة الإنسانية القادمة وهي رؤية تتجاوز في الحدود الدنيا الاتجاهات العلمية الخطية التي تبحث عن الأسباب عينها بوصفها منتجة للأحداث.‏

8 ـ هل يبدو أن هذه الظاهر في حالة تسارع؟‏

تلعب شبكة الانترنيت دوراً كبيراً في إنتاج ظواهر: الاصطفاء الذاتي Autosélection، والتسارع الذاتي Autoaccélération، والتحفز الذاتي Autocatalyse، وهي ظاهرة تسم المجتمعات المتطورة. وبعض البلدان المتقدمة تشهد اليوم نمواً متسارعاً كبيراً عبر توسطات كبيرة الإعلام النقدي للمعلوماتية «Masse critique informationnelle». وهذه الفعاليات تدفع كما ذكرنا إلى التسارع وتؤدي إلى توليد نوع من التدفق المعلوماتي المؤثر. وبالتالي فإن تقدم العلوم التقنية Technosciences يؤدي إلى تعاظم القوة التقانية وتسارعها الهائل. وتأثير هذا التسارع أشبه ما يكون بكرة الثلج التي تؤدي إلى توليد نتائج اقتصادية وثقافية وسياسية وفلسفية وأخلاقية في مستوى الكرة الأرضية. وهذا يعني ضرورة العمل على كبح جماح التأثير الأخلاقي، ومع ذلك يجب العمل على تحقيق هذا التسارع عند الآخرين حيث يتمكنون من الاستفادة من هذه المزايا للتقدم المتسارع في المعرفة والتكنولوجيا والمعلوماتية، كما يتمكنون من تجنب الأضرار والمشكلات الناجمة عن هذا التسارع وذلك مع احترام التعدد الثقافي والتنوع العرقي والإثني في المملكة الأرضية.‏

9 ـ أين هو المكان الذي تأخذه فرنسا في دورة هذا التسارع الحضاري للتطور؟‏

في ميدان البحث العلمي فإن أبحاث التحفيز الذاتي تجد حضورها المميز في الولايات المتحدة الأمريكية وذلك تحت تأثير الاندفاعات المعلوماتية في مختلف المخابر ومراكز البحوث الأمريكية. ونحن نشهد الآن صعوداً كبيراً لهذه التحولات في شرق آسيا ولا سيما في الصين. ويحقق البحث العلمي أيضاً حضوره المميز في فرنسا ولكنه ما زال يتحرك في دائرة العزلة. وعلى خلاف ذلك فإن البحث العلمي في أوروبا يؤدي دوراً مركزياً وذلك من أجل أن يحقق التوازن ما بين قطبي التطور في آسيا وفي أمريكا في اتجاه إحياء وتحفيز العمل العلمي في المخابز والمراكز العلمية وتكثيف عمليات المنافسة العلمية إزاء التقدم الهائل في القطبين.‏

المصدر الأصلي للمقابلة بالفرنسية:‏

Joël De Rosnay

Conseiller du Président- L’homme en pièces détachées est-il toujours humain? Interview du Figaro Magazzine par jean-Marc requin Cyber Sapiens 21 février 2004