المدرس والتفكير النقدي- وعد العسكري




ديسمبر 18, 2015  

المدرس والتفكير النقدي- وعد العسكري

306 مشاهدات اترك تعليق

لمدرس والتفكير النقدي[1]

وعد العسكري

المــقــدمــة:

تعرف المنظومة التربوية على أنها نسق علمي اجتماعي مفتوح، مؤسس على نظريات فلسفية علمية تربوية نفسية اجتماعية، لابد أن تعتوره اختلالات بنيوية، و إكراهات وضغوطات موضوعية تقلص وتحد من تحقيق أهدافه، ومن بين مكوناته: المنهاج الدراسي الذي يعد العمود الفقري تقنيا في أداء وظيفته العلمية الاجتماعية.

و غالبا ما يوضع منهاجنا الدراسي خارج نظرية معينة، وفي غياب المعنيين المباشرين: المتعلم ـ المدرس ـ المشرف التربوي ـ المدير ـ الآباء … مما يوجب معه تكوين الرؤية النقدية لهؤلاء المعنيين، خاصة منهم المدرس الذي يتعاطى مع هذا المنهاج، ويؤجرؤه في الحجرة الدراسية، فهو معني بمعالجة اختلالاته وتقديم طروحات وسيناريوهات علاجية للمواطن السلبية فيه ضمن إطار نظرية فلسفية علمية تربوية نفسية اجتماعية معينة. تسير وفق معطيات الطفل المغربي ومطالب المرحلة الراهنة و المستقبلية، وطموحات المؤسسة الرسمية، المعلنة سياسيا على الأقل و إمكانياتها المتنوعة إزاء الطموحات المجتمعية المفصح عنها و المضمرة.

و الاطلاع على مكونات مناهج التكوين الأساس للمدرسين بمراكز التكوين، يفصح بأنها خالية من مواد و نظريات للنقد، و ملامحها العامة و التفصيلية تؤدي في أحسن الأحوال إلى تكوين كفايات تلقين الدروس كما أنزلها المشرع المبرمج التربوي التعليمي دون تدخل أو مقاربة نقدية. و هذا خلل / إبستيمي / ديداكتيكي يجب استدراكه غير أن هذا الطرح يبقى كلاما عاما و إرهاصات أولية ممتحاة من الواقع التربوي التعليمي المعيش، فإلى أي حد يصدق عمليا؟ هذا ما سنصيغه تساؤلا مفتوحا على البحث.

1. التساؤل

نقد المنهاج الدراسي مهمة من مهام المدرس، إذ به يستطيع في الحدود الضيقة و المساحات المنحصرة الوعرة تحديد مطابقة المادة العلمية المدرسة للأهداف الإجرائية، في مستوى التدريس الصفي من جهة أولى، و من جهة ثانية به يمكن تقويم مدى تحقيق الأهداف العامة لمنهاج عبر المسلك المنهجي المطروح فيه و الأدوات و المعينات المرصودة، و كثيرا ما تعترى المنهاج الدراسي اختلالات في البنية و الموضوع، حيث إن لم يمتلك المدرس التفكير النقدي، و الرؤية النقدية الشمولية لوظيفته التربوية التعليمية، لا يمكنه تحديد مواطن الخلل الموجودة في المنهاج الدراسي سواء في مادته أو منهجيته أو معاينته البيداغوجية أو أهدافه أو استراتيجياته. لذا لا بد من إغناء برنامج التكوين الأساسي بمراكز تكوين المعلمين و المعلمات و الأساتذة بأساليب النقد، و نظرياته، و تكوين الحس و التفكير النقديين السليمين لدى المدرس، و إن لم يتأت ذلك فعلى الأقل استحضاره في التكوين المستمر و التكوين عن بعد للمدرس. فغالبا ما يكون المنهاج الدراسي معوقا في الأداء الصفي، و يكون ناتج التعليم هزيلا ضعيفا، و لا تتحقق معه الأهداف بمختلف مستوياتها، و بفشل المنهاج الدراسي في تحقيق السياسة التربوية التعليمية، و غاياتها و مراميها. و نرجع ذلك إلى المدرس بالدرجة الأولى أو إلى أسباب خارجية دون أن ندري المصدر الحقيقي للفشل، و يكون كلامنا و حديثنا في هذه الحالة عاما و غير علمي، و غير دقيق بل غير مسؤول. مما يصعب مهمة التشخيص و إيجاد الحلول و المناسبة الناجعة .فتشخيص اختلالات المنهاج الدراسي المتنوعة ضرورة إبستيمية و ديداكتيكية في الأداء الصفي للمدرس التربوي التعليمي، و لا تتم إلا من خلال رؤية نقدية علمية موضوعي له. لذا نتساءل: هل مدرسنا و مربينا يمتلك الفكر النقدي و أدواته الإجرائية اتجاه المنهاج الدراسي؟ و كيف يوظفه؟ و أين يتجلى هذا التوظيف؟ …

2. مسوغات التساؤل:

و هي نابع من معطيات واقعية و موضوعية و ذاتية.

2-1. المعطيات الواقعية: و تنبع أساس من اختلالات البرنامج الدراسي، و تعاطي المدرس مع هذا البرنامج نظريا و عمليا، حيث أكدت الزيارات الميدانية للفصول الدراسية: أن البرنامج الدراسي لمختلف المستويات يشهد اختلالات بنيوية و موضوعية، تنعكس سلبا على ناتج التعلم عند المتعلم .كما أن تعاطي المدرس معه يشهد اختلالات نظرية و منهجية، مما يعقد و يصعب الأداء الصفي، و يراكم السلبيات في اتجاه التطبيع، بمعنى أن تصبح تلك السلبيات طبيعة دون تناولها بالنقد و التصحيح.

2-2.المعطيات الموضوعية: وتتمثل بالأساس في طبيعة بناء المنهاج الدراسي ــ لمختلف المستويات ــ الهشة، المؤسسة في الفراغ الفلسفي، إزاء الفراغ النظري، و عشوائية مكوناته موضوعا، و هدرها التعليمي. و في تقادم التكوين الأساس للمدرس، أداة تنفيذ هذا المنهاج. تتقادم مكوناته و صيغه التي لا تسمح بتكوين التفكير النقدي لديه، وتخبطه في تناول الديداكتيك العامة و الخاصة بمكونات المنهاج الدراسي.

2-3.المعطيات الذاتية: و تتمظهر بالتأسف لهذا الواقع المزري المحفز على دراسة هذه الظاهرة دراسة علمية، بحكم المهام الوظيفية كباحث تربوي يعيش الواقع بكل تجلياته، و يستهويه بحث قضايا التربية و الاجتماع بحكم التخصص فيهما، المتولد من طبيعة الإشكالات و المعانة الواردة من ثنايا قضايا التربية و التعليم. و الداعي إلى معالجة هذا الواقع من أسقامه أو على الأقل التخفيف منها .

3. تموضع التساؤل:

يدخل هذا التساؤل في نظرية الإبيستيمولوجيا ( نظرية المعرفة )، التي تسمح بالربط بين النظرية و الممارسة العلمية ( التجريبية ) المتزامنتين بالضرورة العلمية ـ افتراض ـ في سيرورة البحث عن الحقيقة، و اكتشاف العوائق الذاتية و الموضعية و الديداكتيكية و الاجتماعية المعيقة لتقدم المعرفة و تطبيقاتها و مصادرها، و إشكالاتها، و أغلاطها، و منزلقات فصم ما بين الممارسة النظرية و الممارسة العلمية (التجريبية) و اختلالاتها.

فالإبستيمولوجيا تتناول ” من جملة ما تتناوله بالتحليل و النقد نتائج العلوم الطبيعية منها و الإنسانية إنها من هذه الناحية نوع من فلسفة العلوم ” بما تعني الدراسة النقدية للعلوم. و تكمن أهمية النظرية النقدية للمجتمع و تحليل الاتجاهات التربوية الغربية التي تأثرت بها في أنها تضع بين أيدي مفكري التربية، و المهتمين بالبحث التربوي، طرق بديلة للتفكير في مفهوم ( العلم ) و ( الطبيعة النظرية ) و خصائص ( المنهج العلمي )، و الأهم في ذلك أنها تساعد في إيضاح العلاقة بين البحث العلمي و آلياته، وبين الحياة الاجتماعية و تطورها. تزودنا الدراسة النظرية النقدية ببدائل نظرية و منهجية للانموذج الأساسي العالمي السائد الذي يبدو أنه يساعدنا ـ بقدر كاف ـ على حل مشاكلنا التربوية، و توجهنا كذلك إلى تلمس إرهاصات نظرية ( عربية ) للتربية. حيث يدخل تساؤلي هذا في إطارها بهذا الشكل، كونها تبحث في التفكير لدى المدرس و مدى ارتباطه بأدائه البيداغوجي، كما تدخل من وجهة آخر وصفة في الميتودولوجيا ( المنهجية ) لكونها تقارب موضوعها بالمسلك النقدي للمنهاج الدراسي. و من ثم فهم تساؤل مزدوج ما بين الإبستيمولوجيا و الميتودولوجيا. و يتموضع بالتقاطع بين الميتودولوجيا و الابستيمولوجيا .

 


[1]المصدر الحوار المتمدن – العدد: 2140 – 2007 / 12 /