“الأمير” لمكيافيلي: “العلمنة الشاملة” للسياسة الحديثة؟




ديسمبر 19, 2015  

“الأمير” لمكيافيلي: “العلمنة الشاملة” للسياسة الحديثة؟

284 مشاهدات اترك تعليق

“الأمير” لمكيافيلي: “العلمنة الشاملة” للسياسة الحديثة؟

(السورية 20/ 02/ 2015)

كتب نيكولو مكيافيلي (1469 -1526) كتابه “الأمير” Il Principe عام 1513 ونشر الكتاب عام 1532 أي بعد ست سنين من وفاته.  وقد قصد منه إهداءه إلى أمير من أسرة “مديشي” في مدينة فلورنسا الإيطالية، ومن المشكوك به أن هذا الإهداء قد حصل أو أن هذا الكتاب كان له دور ما في مسير الأحداث في إيطاليا، لكن الكتاب كما هو معلوم نال شهرة واسعة ترافقت مع سمعة سيئة، واختزلت أفكاره في مقولة موجودة بالفعل في الكتاب: “في كافة أعمال البشر -وخاصة الأمراء- فإن الغاية تبرر الوسيلة” (ص 91).

 الأمير، ميكافيلي

ترجمة: أكرم مؤمن

القاهرة، مكتبة ابن سينا

2004، 126 صفحة

وقد احتاج مكيافيلي إلى قرنين أو ثلاثة من بعد ليجد “تقديره العادل” في الغرب، حيث يعد مؤسساً لعلم السياسة الحديث أو هو “معلم الطبقات الصاعدة أصول الحكم”بحسب تعبير المفكر الإيطالي الشهير غرامشي! وفي عرضنا هذا نريد المساهمة في إيصال القارئ العربي إلى الأرضية المعرفية التي تستند إليها بالفعل السياسة الحديثة، ويشكل كتاب مكيافيلي عرضاً موجزاً كثيفاً لها. دون أن نستبعد مقدرة ثقافتنا العظيمة على تقديم نماذج أكثر إنسانية للممارسة السياسية.

يعالج مكيافيلي في الكتاب طرق الوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها، وعبر الكتاب (باستثناء الفصل الأخير الذي يدعو فيه إلى تحرير إيطاليا) لا ترى إلا أن هذا الهدف هو “الفضيلة الوحيدة” التي يجب أن تخدمها كل الفضائل والرذائل معاً! وفي اعتقادي أن الكتاب لو كان هذا هو الوحيد الذي يميزه لما استحق شهرته الواسعة، ولصح فيه ما قاله محمد علي (1769 – 1848) حاكم مصر الشهير ومؤسس مصر الحديثة عندما أراد مترجم أرمني أن يقرأ عليه كتاب الأمير، وبعد أن استمع قليلاً أحس بالملل وقال للمترجم: “لا يوجد في الكتاب شيء لا أعرفه وأنا أعرف حيلاً أكثر من هذه”!

أعتقد أنه ما من طاغية من طغاة العالم كان بالفعل في حاجة إلى “نصائح” الكتاب، فهم بدون حاجة إليه يطبّقون طرقه في الوصول إلى السلطة وممارستها، لكن الكتاب ذو دلالة كبيرة بالفعل لأنه يشكل أول عمل مكتوب يوضح بصورة صريحة جلية منطق السياسة المعاصرة (التي أسّسها الغرب ونقلها للآخرين). وفي عمل مكيافيلي نجد بصورة واضحة صريحة لا نفاق فيها ولا مجاملة مبدأ فصل السياسة عن الأخلاق والقيم المتجاوزة لمصلحة النظام السياسي. وبهذا يعد الكتاب آية من آيات “العقلانية” كما تفهمها الحضارة الغربية الحديثة، أي المبدأ الذي يسميه الأستاذ عبد الوهاب المسيري “العلمانية الشاملة” وتعني لا فصل الدولة عن الدين بل فصل القيم الأخلاقية المطلقة عن الحياة كلها.

  يعد كتاب “الأمير” آية من آيات “العقلانية” كما تفهمها الحضارة الغربية الحديثة، حيث فصل السياسة عن الأخلاق والقيم المتجاوزة لمصلحة النظام السياسي.

ينطلق المؤلف من أنه يريد وصف الواقع كما هو وليس الواقع المثالي كما يتخيله هذا الكاتب أو ذاك: “لا أود الوصول إلا إلى الحقيقة وليس تخيلها، وإن الأصح هو أن نكتب ما يفيد الآخرين وليس ما نتخيله، فقد تخيل الكثيرون جمهوريات لم ترها عين إنسان أو تخطر على ذهن آخرين غيرهم وليس لها وجود في الحياة التي نحياها، وشتان بين حياتنا كما نحياها وبين ما ينبغي أن تكون” (ص 78)

يتألف الكتاب (وهو صغير الحجم) من ستة وعشرين فصلاً تتناول أنواع الحكومات المختلفة بحسب طرق الوصول إلى السلطة فيها (بين من وصل إلى السلطة بالوراثة ومن وصل إليها بجهوده الخاصة أو بالاستعانة بقوى خارجية أو داخلية)، وينثر المؤلف ملاحظاته وقراءاته للتجارب المختلفة القريبة والبعيدة ويحدد من منظوره لماذا نجح بعض الأمراء في الاحتفاظ بالسلطة وأخفق آخرون، ثم ينتقل للحديث عن العلاقة مع الجيش وأنواع القوى التي يستعين بها الحاكم من قوى عسكرية خاصة به أو قوى يستأجرها وهي قوى المرتزقة أو قوى يستعين بها من حكام آخرين، ويبحث في كيفية الاحتفاظ بالولايات الجديدة التي ضمها الأمير إلى إمارته، ويوصي باستعمال طريقة الاستيطان في فقرة مهمة جداً أعتقد أنها تلقي ضوءاً على دوافع المشاريع الاستيطانية في العصر الحديث وآخرها كان المشروع الاستيطاني الصهيوني. (انظر الكتاب ص 26 – 27)

 يبحث الكتاب في كيفية الاحتفاظ بالولايات الجديدة التي ضمها الأمير إلى إمارته، ويلقي ضوءاً على دوافع المشاريع الاستيطانية في العصر الحديث.

ثم يبحث في موضوع أخلاق الأمير ومدى ضرورة التزام الأمير بالأخلاق التي يثني عليها الناس، ودائماً من منظور تأثير ذلك على هدف الاحتفاظ بالسلطة وتقويتها وتوسيعها إن أمكن، ثم يبحث مسائل من نوع علاقة الأمير بالمستشارين ومن الذين يجب أن يستشيرهم وما طرق الاستشارة، ثم يبحث مسألة دور الحظ في النجاح السياسي، ثم ينهي الكتاب بدعوة الأمير الذي يهدي إليه الكتاب إلى استلام المبادرة لتحقيق تحرير إيطاليا من “البرابرة”.

يناقش الكتاب دوماً الأفعال لا من منظور الحكم الأخلاقي المطلق الذي يمكن أن يطلق عليها بل من منظور ملاءمتها لتأدية الغاية التي رأيناها وهي غاية الوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها، وفي سبيل ذلك لا يناصر المؤلف القتل العشوائي للناس لكنه يراه ضرورياً عند لزومه! قتل أولفرتو خاله جيوفاني الذي رباه ومعه أعيان المدينة التي استقبلته بحفاوة والمؤلف يبرر ذلك: “كان جميع من قتلهم يستطيع إفساد الموقف لو ظلوا أحياء كما أنه حصّن نفسه بالجديد من الأنظمة سواء المدنية أو العسكرية بطريقة تجعله لا يأمن على نفسه فقط خلال عام واحد يقضيه في مدينة “فيرمو” ولكنه أيضاً يصبح مصدر خوف لجميع جيرانه” (ص 54). وينصح المؤلف من يستولي على ولاية جديدة أن يرتكب الجرائم “الضرورية” مرة واحدة لكي لا يضطر أن يعود إليها في وقت آخر! وفي رأيه أن”الأخطاء” يجب أن ترتكب دفعة واحدة أما المزايا فيجب إعطاؤها إلى الرعايا جرعة جرعة حتى يستمتعوا بها ويشعروا بفائدتها! ( ص 55).

 يناقش الكتاب دوماً الأفعال لا من منظور الحكم الأخلاقي المطلق، بل من منظور ملاءمتها لتأدية غاية الوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها، وفي سبيل ذلك لا يناصر المؤلف القتل العشوائي للناس لكنه يراه ضرورياً عند لزومه!

يدرس المؤلف العلاقات بين أطراف ثلاثة في الإمارة: الشعب والنبلاء (الأرستقراطية) والأمير. وهو يرى أن الأمير الذي يحصل على السلطة عن طريق مساعدة الشعب يحتفظ بها بصورة أسهل ممن يحصل عليها عن طريق تأييد النبلاء، فمحبة الشعب سهلة لأنه لا يريد سوى العدل أما محبة النبلاء فصعبة وهم يرون أنفسهم أنداداً للأمير بخلاف الشعب! (ص 58).

وعبر الفصول ينصح المؤلف الأمير أن لا يعتمد إلا على قواه الخاصة، وأن يظل على حذر ممن يساعده في الوصول إلى السلطة. وفي كثير من الحالات على الأمير أن يصفّي من ساعدوه ويبني قواه الخاصة المؤلفة من أناس أحسن هو إليهم ولم يحسنوا هم إليه! على أنه لا يغفل الإشارة إلى فوائد محبة الشعب للأمير خصوصاً في حالات مهاجمة العدو، ولكنه دوماً ينظر إلى هذه المحبة بعين التشكك وينصح الأمير بوسائل “لدعمها” من إغراء أحياناً وتخويف أحياناً أخرى! وسنذكر المزيد عن هذا بعد قليل.

يحذر المؤلف من الاستعانة بالمرتزقة وهو يعيد خراب إيطاليا إلى هذه الاستعانة (ص 67)، وعنده أن الاستعانة بقوى حكام آخرين هي بعد أسوأ لأن هؤلاء “إن خسروا المعركة تكون أنت قد هزمت وإن ربحوها ستبقى أسيراً لتلك القوات” (ص 72). ويختصر رأيه بالقول إن خطورة المرتزقة هي أنهم جبناء وخطورة القوى الغريبة المستعان بها أنها شجاعة! (ص 73). وهو يعيد رأيه هذا بطرق مختلفة: “الأمير المحنّك يفضل الهزيمة بقواته الخاصة على النصر على يد قوات الآخرين” (ص 73)، “إن استخدام أسلحة الآخرين غير مجد أيضاً وقد تعوقك أو تشل حركتك أو تشكل عبئاً عليك” (ص 74)، “لا سلامة لأمير يحتمي بقوات مسلحة غير قواته الوطنية” (ص 74).

 الأمير النموذجي هو الأمير الذي يفكر في الحرب حتى في أوقات السلم: “ينبغي للأمير ألا تكون له غاية أو فكرة سوى الحرب، ونظامها… فهذا هو الفن الوحيد اللازم لمن يتولى القيادة”.

الأمير النموذجي هو الأمير الذي يفكر في الحرب حتى في أوقات السلم: “ينبغي للأمير ألا تكون له غاية أو فكرة سوى الحرب، ونظامها…فهذا هو الفن الوحيد اللازم لمن يتولى القيادة” (ص 77) وهو يقول إننا لن نرى رجلاً مسلحاً يطيع رجلاً أعزل!

يبحث مكيافيلي في موضوع التزام الأمير بالأخلاق، وهو على مألوف طريقته لا يبحث في الموضوع بصورة مجردة بل يبحث فيه من منظور تأثيره على غاية الاحتفاظ بالسلطة. وهو ينطلق من رؤية متشائمة للطبع البشري: “من الممكن أن نقول عن عامة البشر أنهم ينكرون المعروف ويحبون المراوغة في الحديث ومراؤون… هم أعوانك طالما استفادوا منك… ولكن حين تقترب الأخطار ينقلبون عليك” (ص 86).

من المستحسن أن يبدو الأمير خيّراً ولكن عليه أن لا يعبأ بانفضاح بعض الرذائل التي يصعب من دونها المحافظة على الولاية وعليه أن يحترس فقط من تلك التي تسبب هلاكه! (ص81). ويفصل القول بأمثلة ملموسة من الفضائل، فسخاء الأمير مرغوب به قبل الوصول إلى السلطة أما الأمير حديث العهد بالسلطة فيضر السخاء به! وسيذكر الناس للأمير إن كان مقتصداً أنه قام بأعمال عظيمة دون أن يثقل كاهل شعبه بالضرائب، على عكس المفرط في السخاء الذي يستفيد من سخائه أفراد قليلون ولكنه يفتقر فيضطر لفرض الضرائب الباهظة التي تجلب له الكراهية.

 سخاء الأمير مرغوب به قبل الوصول إلى السلطة، أما الأمير حديث العهد بالسلطة فيضر السخاء به! وسيذكر الناس للأمير إن كان مقتصداً أنه قام بأعمال عظيمة دون أن يثقل كاهل شعبه بالضرائب، على عكس المفرط في السخاء الذي يستفيد من سخائه أفراد قليلون ولكنه يفتقر فيضطر لفرض الضرائب الباهظة التي تجلب له الكراهية.

وينتقل المؤلف إلى أثر الشدة واللين في قوة السلطة فيرى أن الشدة في مكانها المناسب مع عدد قليل هي أفضل من اللين الذي يتسبب في اضطرابات تسيل لها كثير من الدماء. ومن المستحسن أن يحب الناس الأمير لكنه إن وجب عليه الاختيار بين أن يكون مهاباً وأن يكون محبوباً فعليه أن يختار المهابة: “إن البشر يترددون في الإساءة إلى من يحبون أقل من ترددهم في إيذاء من يهابون” (ص 87) ويقول “الناس يحبون بمحض إرادتهم الحرة لكنهم يخافون حسب رغبة الأمير”! (ص 88).

ويبحث المؤلف مسألة الالتزام بالعهود والمواثيق فيرى أن الالتزام الدائم بالعهود خطأ فالأمراء الذين حققوا أعمالا عظيمة هم أولئك الذين لم يلتزموا بالعهود إلا قليلاً! (ص89) “على الأمير ألا يحفظ عهداً يكون الوفاء به ضد مصلحته” (ص 90) لكن الأمير عليه أن يخفي هذه القناعة بمهارة!
يرى المؤلف أن الإنسان فيه جانب حيواني، وعلى الأمير أن يكون في الوقت نفسه ثعلباً وأسداً يخيف كالثاني ويستطيع تجنب الأفخاخ كالأول! (ص 90).

 من المهم أن يجتنب الأمير شيئين: الاحتقار والكراهية، وضرورة اجتناب الاحتقار يمكن عدها موضوعاً للكتاب كله، أما عن اجتناب الكراهية فيذكر المؤلف أن الأمير لا يجوز له أن يكون جشعاً ويثير عداء الناس بالاعتداء على ملكياتهم أو اغتصاب نسائهم، ولعلك ترى أنه حتى مكيافيلي كان أعقل بكثير وأكثر “أخلاقية” عملياً من حكام كثيرين في زماننا!

ومن المهم أن يجتنب الأمير شيئين: الاحتقار والكراهية، وضرورة اجتناب الاحتقار يمكن عدها موضوعاً للكتاب كله، أما عن اجتناب الكراهية فيذكر المؤلف أن الأمير لا يجوز له أن يكون جشعاً ويثير عداء الناس بالاعتداء على ملكياتهم أو اغتصاب نسائهم (ص 92)، ولعلك ترى أنه حتى مكيافيلي كان أعقل بكثير وأكثر “أخلاقية” عملياً من حكام كثيرين في زماننا!
يبحث مكيافيلي في فقرة خاصة في دور الحظ ويقول ببصيرة نافذة إن الحظ يشبه نهراً هائجاً قوي التيار يفر الناس من أمام قوته المخربة، لكنهم إن أقاموا الجسور والمنشآت المناسبة وقت هدوئه سيتمكنون من ترويضه وجعل مياهه تسير في القنوات المناسبة لهم.

ينهي المؤلف كتابه بفقرة تخالف كل ما رأيناه من اتجاه لا يهتم بغير السلطة لذاتها فيناشد الأمير بحرارة أن يكون مخلص إيطاليا: “إن إيطاليا تتضرع إلى الله كي يرسل إليها من يخلصها من قسوة البرابرة وإهاناتهم كما أنها مستعدة للعمل تحت لواء يرفعه أي إنسان ولا أمل لإيطاليا الآن إلا أن يتزعم مقامكم العالي هذا التحرير” (ص 122).

محمد شاويش- برلين