الصحراء بريئة من تباطؤ التغيير التربوي في السعودية … حوار مع الدكتور عبد العزيز الجلال – خالد الباتلي




ديسمبر 19, 2015  

الصحراء بريئة من تباطؤ التغيير التربوي في السعودية … حوار مع الدكتور عبد العزيز الجلال – خالد الباتلي

260 مشاهدات اترك تعليق

الصحراء بريئة من تباطؤ التغيير التربوي في السعودية

 حوار مع الدكتور عبد العزيز الجلال

 خالد الباتلي

أجرى الحوار خالد الباتلي  ونشر في مجلة الحياة  16/11/2005

     المنظمات التربوية العربية والدولية والإقليمية قامت بأدوارها الممكنة وهي تبادل الخبرات وتشخيص المشكلات ووضع الوصفات العلاجية والتطويرية. وقد أنجزت هذه الأدوار بكفاءة عالية وتطوير متجدد ومثابر، وهذا أقصى ما تستطيعه. نسمع الكثير من اللوم لتلك المنظمات لأنها هي «الجدار الأقصر» وكل يستطيع التطاول عليها، أما نقد المؤسسات وكشف تقصيرها في كل دولة فدون ذلك خرط القتاد …

هذا الدفاع عن المنظمات التربوية يأتي على لسان الدكتور عبدالعزيز الجلال الخبير التربوي السعودي، وكلامه هذا من واقع تجربة وممارسة طويلة له في العمل في عدد من المنظمات والمؤسسات التربوية في الداخل والخارج.

الحديث في شؤون التربية حديث ذو شجون لكنه مع الأمين المساعد في مجلس التعاون سابقاً الدكتور عبدالعزيز حديث مقنن وموضوعي وواضح لدرجة قد لا ترضي البعض.

 وما قاد الجلال إلى ميدان التربية والتعليم بحسب قوله: «إن فرص العمل المتاحة قبل 40 عاماً كانت في التعليم بالدرجة الأولى، بل وكانت التعهدات تؤخذ على الدارسين على حساب الدولة بالعمل فيها مدة لا تقل عن مدة دراستهم».

الجلال ليس نادماً لانتسابه إلى ميدان التربية والتعليم، ويبرر: «لأنني عادة لا أندم على فعل فعلته مختاراً أو بالصدفة كما في هذه الحالة، بل أعمل وأجرب وأحاول النجاح قدر الاستطاعة فإن أفلحت فبها ونعمت وإلا تجاوزت الموضوع ونسيته.

يفتح الجلال هنا ملفات كثيرة وعن قرارات اتخذت وأخرى لم تتخذ.

خطط الإصلاح والتطوير للمدرسة تصطدم بمؤسسة تقاوم التغيير… ما الحل؟

– مقاومة التغيير نحو الإصلاح والتطوير لا تقتصر على مؤسسة واحدة بل مجموعة من المؤسسات والقيم والتوجهات. وهذه بدورها لم تتوالد من فراغ، بل هي إنتاج مجتمعي متشابك يتداخل فيه السياسي والديني والاقتصادي وغيرها من العوامل المؤثرة في السلوك الإنساني. فكل من له مصلحة حقيقية أو متوهمة من الأوضاع السائدة يقاوم التغيير خوفاً على ضياعها، أو خوفاً من نتائج غير مضمونة مع إدراكه أنها ستكون في صالحه وفي صالح فئات أوسع في المجتمع إذا تحقق الإصلاح والتطوير.

ما هو الحل لهذه المعضلة؟

حرص الناس على مصالحهم مبرر، ولكن الحرص على مصالح المجتمع ككل له الأولوية. فالتغيير نحو الإصلاح والتطوير يتطلب قناعات مشتركة من كل فئات المجتمع بأن النتائج النهائية ستكون لمصلحة الجميع وأن المصالح الآنية والضيقة لن تهدد بل ستزداد ويضمن لها اطراد الزيادة وتوسعها مع شمول ذلك لفئات أخرى في المجتمع كانت محرومة من مثل هذه الفرص والمصالح.

فالمستفيد نفوذاً أو عائداً مادياً من السياسيين أو الفعاليات الاقتصادية أو الزعامات الاجتماعية أو القيادات الفكرية والثقافية والدينية، يجب أن يدخل في حوارات مشتركة وشاملة ومعمقة من أجل حوار مع بعضهم ومع غيرهم من الفئات غير المستفيدة لتشخيص المشكلات القائمة والاتفاق على وسائل علاجها، ثم نقل ذلك كله إلى حيز القرار السياسي أولاً ليدعم به القرار الإداري التنفيذي للمسؤولين عن تطوير التربية والتعليم. وما تعانيه كل محاولات الإصلاح والتطوير من قصور، إنما ينتج من أن تلك القرارات لم يتم التوصل إليها من طريق الحوار والقناعات المشتركة المدعومة بالقرار السياسي.

وهنا يرد سؤال مبرر وهو:

 هل تنتظر عمليات الإصلاح حتى يتم الوصول إلى قناعات مشتركة؟

الجواب: لا، فهناك وسائل تعجيل من طريق الإرادة السياسية بداية.فالقرار السياسي هو الأساس في سيطرة مقاومة التغيير في أي مجتمع بشكل مقصودأو غير مقصود بحسب الحالة في مجتمع ما. ومن هذا المنطلق نعول عليه في إحداث التوافق من طريق تشجيع الحوار والوصول إلى القناعات المشتركة والاتفاق على برامج الإصلاح والتطوير التي ستعم فائدتها الجميع.

وهذه الاستراتيجية (دعم القرار السياسي) لإحداث عملية التغيير في أي مجتمع أثبتت فعاليتها في المجتمعات الواعية والمنظمة وذات الاتجاهات المتباينة والحزبيات المتعارضة. ولا شك في أن فعاليتها ستكون أكبر وأسرع في مجتمعات بكر سلسة الانقياد وحريصة على وحدة المجتمع والاستجابة للقرار السياسي الذي يستهدف المصلحة العامة والعدالة الاجتماعية.

لماذا قرارات التربية المهمة ليست بيد التربويين؟

– التربية مؤسسة اجتماعية تهدف إلى التكوين السياسي والفكري والمعرفي والاقتصادي والاجتماعي، أي أن كل مؤسسات المجتمع الرئيسة والفرعية والفئات المتفرعة منها ذات علاقة بمؤسسة التربية. فلا غرابة أن تكون قرارات التربية مشتركة مع كل مؤسسات المجتمع وفئاته. ولكن هذا لا يلغي مسؤولية القيادات التربوية عن التقصير لو حدث، إذ عليها المبادرة وتقديم قراراتها للجميع والدفاع عنها والحصول على القناعات الاجتماعية بها وتتويج كل ذلك بالقرار السياسي الداعم لها والمدافع عنها حتى لا يتم التراجع عنها أو نسيانها. ولو نظرنا إلى كثير من الدول لوجدنا أن التربويين مقصرون في هذه المسألة، إما خوفاً من اعتراض الآخرين ومن ثم التضحية بهم نتيجة لهذا الاعتراض، أو قصوراً في فهم استراتيجيات التغيير وأساليبها الناجعة. مع ترجيحي للسبب الأول في معظم مجتمعاتنا العربية، لأن الإدراك المعرفي لقياداتنا التربوية يفوق ما تضمنه هذا الحوار.

تباطؤ خطى التغيير التربوي… هل للصحراء دور في ذلك؟

– تباطؤ خطى التغيير التربوي في السعودية يرجع إلى عدم اتباع أساليب التغيير المتضمنة في الفقرات السابقة. أما الصحراء فبريئة من ذلك، إذ ان نمط اتخاذ القرارات وضعف المشاركة المجتمعية، وإتاحة المجال لأنماط فكرية معينة للسيطرة الإعلامية والوعظية والتعليمية، والحد من الحوار وإتاحة فرص التعبير للرؤى الفكرية المختلفة بما في ذلك فهم النصوص الدينية هو السبب في تباطؤ التغيير في جميع المجالات وليس المجال التربوي فقط.

بنظرة جغرافية على خريطتنا التربوية… هل من أمل في طقس دافئ ممطر؟

– لا أرى شيئاً قريباً على مستوى التنفيذ. أما على المستوى النظري والفكري فأصحاب القرار التربوي متقدمون جداً ومستعدون للتنفيذ. ولا شك في أن التخلي عن نمط اتخاذ القرارات وضعف المشاركة المجتمعية الشاملة السائد في المملكة – الذي بدأ التخفيف منه في السنوات الأخيرة كما يتجلى في خطاب القيادة السياسية وبعض اجراءاتها – سيكون له الدور الايجابي في الانتقال من عالم الرؤى والأحلام إلى عالم التطبيق وجني الفوائد خلال مدة قصيرة إذا استمر هذا التوجه.

النشاطات اللاصفية، الندوات، النشرات، الأشرطة… هل أثرها أقوى من الكتاب المدرسي؟ لماذا؟

– من يشرف على هذه النشاطات والندوات والنشرات والرحلات يكون عادة متحمساً لها ويستطيع نقل حماسته للمشاركين فيها، وخصوصاً إذا كان المشرفون عليها لديهم أهداف مضمرة غير المستهدفة من النظام التربوي وكتبه المدرسية المقررة. كما أن كون هذه النشاطات اختيارية وأنه لا نجاح فيها ولا رسوب، بل فيها بعض المراعاة للمشاركين فيها من جانب بعض الأساتذة والمشرفين عليها، يجعل تأثيرها في المشاركين أقوى من الكتب.

خصخصة التعليم أفضل الحلول المطروحة… هل هناك آلية مقترحة لذلك؟

– أعتقد أنه مع القصور الكمي والنوعي الحاصل في كل مستويات التعليم، تصبح خصخصة التعليم خياراً مطروحاً بشرطين: وضع معايير موضوعية للترخيص وللتقويم والاعتماد من مؤسسات الإشراف الحكومية على التعليم، والشرط الثاني ألا تحرم الفئات المستحقة للتعليم غير القادرة على تحمل تكاليف التعليم الخاص من فرص الاستفادة منه، إذ أثبتت بعض مؤسساته تميزها في عدد من الدول. ويتم ذلك من طريق تحمل المؤسسة التربوية الحكومية دفع كل تكاليف هذا التعليم أو معظمها لتلك الفئات. ولعل الآلية الأنسب للتطبيق هي التدرج في التوسع في إنشاء مؤسسات جديدة للتعليم الخاص وفق الشرطين المذكورين أعلاه، واستمرار المؤسسات الحكومية القائمة مع تحويلها تدريجياً إلى القطاع الخاص.

ويتقلص دور المؤسسات الإشرافية الحكومية إلى منح التراخيص ومراقبة الجودة والنوعية ومتابعة المؤسسات الخاصة وتقويمها باستمرار.

ولا شك في أن وجود وسائل تقويم موضوعية بحسب المواد العلمية وبحسب المراحل الدراسية، المتطورة والمتجددة حسب تقدم العلوم والمعارف، سيمثل وسائل لضمان جودة ونوعية مخرجات التعليم الخاص وسيضمن المقارنة والمنافسة نحو الأفضل بين تلك المؤسسات.

إن تحمل الحكومة لمصاريف المتعلم في التعليم الأهلي سيكون أكثر جدوى اقتصادياً من إنشاء مؤسسات تعليمية حكومية يصرف جل موازناتها على الشؤون الإدارية ونحوها، إضافة إلى ميزات التنافس وضمان الجودة والنوعية السابق ذكرها.

تدريس اللغة الإنكليزية باكراً خطر في نظر البعض… ما تعليقكم؟

– أعتقد أن موضوع تدريس اللغات في سن باكر ظلم كثيراً من المنظرين التربويين ومن الممارسين. وخضع القرار فيه لرؤية غير تربوية وغير تنموية، رؤية مؤدلجة تتوجس الخوف من حضارة وثقافة ولغة الآخر. وبحسب اطلاعي، لم أجد دراسات علمية تعارض تدريس اللغات الأجنبية باكراً، وما يثار من اعتراضات هو مجرد انطباعات وتخوفات وراءها رؤى ثقافية متوجسة، وكان لها مع الأسف تأثيرها في تأخرنا في تعلم اللغات الأجنبية، وأهمها في العصر الحاضر اللغة الإنكليزية.

وأختم هنا بملاحظة شخصية أثناء تدريسي في المرحلة الثانوية والجامعية وعند مقارنة نتائج طلابي في عدد من المواد وجدت علاقات ارتباط بين نتائج اللغة العربية واللغة الإنكليزية والرياضيات، وكلها مواد يدخل المنطق في صلب بنيتها وإدراكها. ولعل هذه الملاحظة من الأسباب الموجدة لقناعتي بضرورة تعليم اللغات الأجنبية باكراً، وخصوصاً اللغة الانكليزية (لغة العلم والحاسوب والاتصالات في عصرنا الحاضر)، من غير انتقاص من لغتنا الأم فالاهتمام باللغتين سيعزز كل منهما الآخر.

المنظمات التربوية العربية… هل حققت أي حلم؟

– المنظمات التربوية العربية والدولية والإقليمية قامت بأدوارها الممكنة وهي تبادل الخبرات وتشخيص المشكلات ووضع الوصفات العلاجية والتطويرية. وأنجزت هذه الأدوار بكفاءة عالية وتطوير متجدد ومثابر، وهذا أقصى ما تستطيعه. نسمع الكثير من اللوم لتلك المنظمات لأنها هي «الجدار الأقصر» وكل امرئ يستطيع التطاول عليها، أما نقدها وكشف تقصيرها في كل دولة فدون ذلك خرط القتاد.

الاتهامات والمنازعات المتبادلة بين التعليم العام والعالي وسوق العمل… من ترشح أن يكون قاضيها؟

– قاضي النزاعات بين التعليم وخصوصاً التعليم العالي وسوق العمل هو الدراسات والبحوث والاستقصاءات الميدانية عن مصير خريجي التعليم العالي. معروف أن هناك بطالة خريجين في كل التخصصات وإن كانت بدرجات متفاوتة، فحتى في مجال الطب والهندسة يوجد طالبو عمل.

أما في التخصصات الإنسانية والاجتماعية فالأعداد من طالبي العمل لا تحصى. وفي الواقع، هناك شكوى مبررة من عدم ملاءمة المخرجات لفرص العمل المتوافرة، وهناك شكوى غير مبررة من عدم التلاؤم، لأن أصحاب العمل يريدون موظفاً عاملاً ماهراً في العمل المسند إليه من غير تدريب عملي على رأس العمل. إن هذه مهمة مشتركة لمسؤولي التعليم وأصحاب العمل حيث لابد من إيجاد فرص التدريب بصفتها جزءاً من التعليم في نهايته. ومع ذلك فإن سوق العمل ومتطلبات العمل تتغير يوماً بعد يوم، ولا يمكن أن تكون مؤسسات التعليم مصممة بالضبط لخدمة سوق العمل بتفاصيلها فهذا شبه مستحيل، علاوة على أنه ضد مفهوم حق التعليم والتعلم حسب رغبة الفرد، من دون ضمان لتشغيله.

ومن المؤسف حقا أننا نجد بعض خريجي مؤسسات التعليم العالي في مجالات العلوم والعلوم التطبيقية والتخصصات الفنية من خريجي الكليات التقنية والمعاهد العليا الفنية، لا يجدون فرص العمل في مجالاتهم، ويشتكي أصحاب الأعمال من عدم تلاؤم قدراتهم ومهاراتهم وسلوكياتهم مع الأعمال المتوافرة، ما يوضح أن هناك فعلاً مشكلة في جودة الكثير من برامجنا التعليمية حتى تلك الموصوفة بالعلمية والتطبيقية والتقنية.

إن حل مثل هذه الحلقة المفرغة من التلاؤم المتبادل بين مؤسسات التعليم وأصحاب الأعمال يتطلب الإقرار المتبادل بالتقصير في بعض الجوانب، ومن ثم العمل المشترك في بناء وتطوير مناهج وبرامج تعليم تعاوني وتدريب مكثف على رأس العمل في نهاية البرنامج التعليمي. وهذا التعاون المشترك يتطلب في المقابل استعداداً من أصحاب العمل بالمساهمة في تكاليف البرامج، وفي بسط اليد نوعاً ما في رواتب وحوافز خريجي هذا النوع من التعليم المصمم والمطور بالتعاون معهم.

 إن مشكلة سوق العمل الكبرى في السعودية ودول الخليج عموماً تأتي من فتح المجال بشكل غير منطقي لكل أنواع العمالة الوافدة وسيطرتها على سوق العمل بكل مستوياته وأنواعه. كما قضت هذه العمالة على فرص المواطنين في ممارسة الأعمال الحرة في التجارة والخدمات وهي سوق واسعة تستوعب الملايين من الشبان والشابات الطامحين إلى إيجاد أعمال لأنفسهم من طريق العمل الحر. ولكن منافسة العمالة الوافدة تحت تجارة التستر والاتجار بالتأشيرات والإقامات – وهو داء مستشر في كل دول الخليج – يتطلب علاجاً حاسماً لما يحمله من أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية في حال استمرار بطالة المواطنين في التزايد، بينما فرص العمل المأجور والحر كلها محتكرة ممن ليس لهم الأولوية فيها.

المعلم «كبش فداء» في الإخفاقات التربوية، ما رأيك؟

– لا أعتقد أن من العدل أن يكون المعلم كبش الفداء في الإخفاقات التربوية، فالمعلم يكيف سلوكه على النسق المجتمعي السائد. والسائد في مجتمعنا أن الكل متساوون، العامل المخلص وغير المخلص، والرضا الوظيفي غير موجود لدى الكثير من المعلمين لما يرونه من خلل في قيم العمل والقيم الاجتماعية السائدة. وإن كان هناك عدد غير صغير من المعلمين يمكن أن يحملوا مسؤولية الإخفاق. وهذه الفئة هي من يحوَّل عدم رضاه الوظيفي إلى انتقام من الطالب. مثل هذه الممارسات السلبية من المعلمين لا يمكن القضاء عليها إلا إذا كان نمط القيم والسلوكيات الاجتماعية والإدارية عادلاً وموضوعياً، وأن تكون ممارسة المهنة خاضعة للترخيص المجدد دورياً كما هو شأن الطبيب، فإن خطر الطبيب غير الماهر يكون على الأفراد أما خطر المعلم ذي السلوك غير السوي فيطال مجموعات كبيرة.

الشهادات الدراسية أسوأ معيار لتقويم المتخرجين… إلى متى ستظل هي المعيار؟

– هذا تعميم في غير محله فالشهادات إذا منحت وفق معايير موضوعية وصادقة فإنها معيار يعتمد عليه إلى درجة كبيرة. المشكلة تكمن في أن بعض الشهادات تكون مؤسسة على وسائل تقويم غير موضوعية وغير صادقة وغير عادلة. بل وقد تكون في بعض الحالات مضخمة بقصد الدعاية للمؤسسة التعليمية أو محاباة للخريج، وهنا تكمن المصيبة ويصبح الشك في الاعتماد على الشهادات مبرراً.

النظام التعليمي في الغرب يعّرف ثقافات الآخرين بصورة حيادية على عكس النظام التعليمي في الشرق، ما وجهة نظرك؟

– بشكل عام يمكن أن يقال ذلك. ولكن بعض الدراسات لبعض المناهج والكتب في الغرب في بعض المناطق – والتعليم هناك غير مركزي – أثبتت وجود أحكام مسبقة ونظرات سلبية للثقافات والشعوب الأخرى، إضافة إلى الكثير من الأساطير والتأطير التقليدي غير الدقيق للغير.

كما أن مناهج الشرق لا يمكن التعميم عليها بأنها غير حيادية فالكثير منها في معظم الدول تتوخى الحيادية والنسبية الثقافية والتوقف عن الأحكام المسبقة والنظرات السلبية لثقافة الآخر.

وكما أوضحت في الإجابات الأولى فإن الانتقاص من الآخر والنظر السلبي إليه لم يكن موجوداً في المناهج الشرقية إلا في العقود الثلاثة الأخيرة وبشكل جزئي في بعض الفقرات من بعض المواد التعليمية وفي بعض الدول فقط. وهذا ما يخضع الآن للمراجعة والتنقيح، ومنه ما أنجز فعلاً وما هو قيد الإنجاز. ولازالت المراجعة والتدقيق مطلوبة في كل المناهج والكتب والنشاطات اللاصفية في الشرق وفي الغرب لتنقيتها من انتقاص الآخر المختلف ثقافة أو ديناً أو عرقاً أو جنساً (الذكر و الأنثى) أو قبيلة أو طائفة أو منطقة في ما بين الدول أو داخل الوطن الواحد.

قرار تربوي تنتظره بفارغ الصبر؟

– القرار الذي يؤمن بالتعلم الذاتي وأن من حق من تعلم ذاتياً في المدرسة أو خارجها في مؤسسة تعليمية نظامية أو غير نظامية أو من بيئة العمل أو البيئة الاجتماعية بجهوده الذاتية أو بمساعدة الغير، من حق هذا المتعلم ذاتياً أن يمنح شهادة مكافأة لما تعلمه من مهارات ومعارف وقدرات من دون اشتراط اجتياز سلم تعليمي معين أو سنوات دراسية محددة أو اشتراط سن معينة.

أؤيد حكم الإعدام على المدرسة … ومجتمع بلا مدارس!

قبل أكثر من 30 عاماً قرأت كتاب إيفان ايليش الداعي إلى تخليص المجتمع من المدارس والذي ترجم إلى العربية بنحو هذا العنوان (مجتمع بلا مدارس). وقد تأثرت به كثيراً واقتنعت بالكثير من مقولاته، وأهمها أن التأثيرات السلبية للمدارس التقليدية التلقينية المحافظة الموجهة إيديولوجياً تحد من قدرات الفرد وإمكاناته الإبداعية، وأن طرق التعليم والتعلم متعددة ولا تأتي من المدارس فقط، بل إن بعض النابغين في التعليم «يأتي نبوغهم على رغم من المدارس لا بسببها».  ولا شك في أن تجربتي التعليمية التقليدية المحافظة في السعودية مقارنة بتجربتي التعليمية المحاورة والمستقبلية والناقدة في الولايات المتحدة الأميركية عززت قناعاتي أكثر بتلك المقولات التي تكررت بعد ايليش لدى الكثير من الكتاب وفي الدراسات والبحوث والندوات والمؤتمرات الدولية والإقليمية حتى وقتنا الحاضر. كما تعززت قناعاتي أكثر فأكثر خلال العقدين الماضيين بسبب ثورة الاتصالات والمعلومات التي مكنت الجميع من المزيد من المعرفة والمهارات والخبرات إذا رغبوا في ذلك من غير طريق التعليم النظامي، وأن المعرفة والمهارات والتكييف السلوكي المنتج والقادر على مواكبة الجديد والتعامل مع البشر ومتغيرات سلوكهم ومع الآلات والتقنيات المستحدثة والمتجددة دوماً تأتي من طريق بيئة العمل والاتصال مع الآخر المختلف في الداخل والخارج، وكل ذلك لا يأتي من طريق المدارس. ويؤيد هذه الحقائق الآن أن كثيراً من معلمي الحاسوب ونظم المعلومات – على سبيل المثال – يستعينون ببعض النابهين من طلبتهم لحل مشكلة ما أو التعامل مع مستجد في هذا الحقل عرفه الطالب من خلال تعلمه الذاتي.

وعلى رغم تأييدي لحكم الإعدام، فإن تطوير المدرسة وجعلها مدرسة مستقبل ومدرسة عقل وفكر ونقد وتعلم ذاتي أضمن لشمول الفائدة لأكبر عدد من أفراد المجتمع بطريقة منظمة وفعالة بدلاً من ترك ذلك للصدفة والرغبة الذاتية والإمكانات الفردية المادية والذهنية.وبهذا أشارك في نقض الحكم لأنه ليس لدى كل أفراد المجتمع الفرصة والرغبة الذاتية والإمكانات الذهنية والمادية للتعلم الذاتي خارج المدرسة، فضلاً عما توفره بيئة المدرسة الجمعية من تفاعل مجتمعي وتعامل سلوكي يمكن من التكيف مع المختلف ومراعاة النواحي الإنسانية والعاطفية للبشر.

«الولاء والبراء» مبدأ غير استمراري … القوى السياسية حذرت من الاختراقات الفكرية المؤدلجة!

أحداث الـ 11من أيلول (سبتمبر) أسهمت في كشف المستور في بعض المناهج والممارسات التربوية العربية أمام العالم. أما المتابعون للشأن التربوي عربياً فهم واعون بذلك منذ عقود.

ولا يقتصر ذلك على المتابعين للشأن التربوي فقط، بل أذكر منذ نحو 15 عاماً أن بعض القوى السياسية والقوى الراعية للأمن الاستراتيجي الداخلي والخارجي في بعض الدول العربية، ومنها المملكة، نبهت المؤسسات التربوية إلى كثير من الاختراقات الفكرية المؤدلجة للمؤسسات التربوية، وأبعاد ذلك على الاستقرار والتنمية المتوازنة.

ولكن مرة أخرى لم يكن مستوى الوعي والمعرفة موازياً للفعل المتخذ للعلاج. ومن هنا يمكن القول أن انكشاف المناهج والممارسات التربوية العربية أمام العالم وتفحصها وتتبعها وكشفها على القنوات الفضائية وشبكات المعلومات الدولية، أسهم في التحرك العربي نحو المراجعة والتطوير، وهو مطلب أساسي في كل دولة قبل أحداث أيلول (سبتمبر) وبعدها.

ومن يتحجج بوجوب التريث حتى لا يبدو الإصلاح والتطوير التربوي على أنه استجابة للخارج فإنه يسهم في تكريس التخلف التربوي العربي.

وهذا التحجج يعرض بلادنا للمزيد من الضغوط والابتزاز الذي نستطيع تجنبه بإصلاح أنفسنا ولمصلحتنا في النهاية وليس لمصلحة غيرنا. كما أعتقد أن الأمثلة والمقتطفات التي عرضت عالمياً من بعض الكتب التربوية لا تدع مجالاً للشك في ذلك. بل إن كثيراً من المقالات التي تكتب هنا وفي الخارج تكرر الأمثلة والاستشهادات المأخوذة من بعض الكتب المدرسية، الداعية صراحة أو ضمناً لموقف عدائي من «الآخر» دينياً أو فكرياً أو مذهبياً.

وليس من شك أن موضوع «الولاء والبراء» الذي دخل إلى مناهج السعودية بعد الثورة الإيرانية ومزايداتها الدينية في المنطقة تسلل في ذلك الوقت على غرار إعلانات الثورة الإيرانية عن «الولاء والبراء» من المشركين والكفار التي سادت في بدايات الثورة الإيرانية.

ومع وجود مفهوم «الولاء والبراء» دينياً، إلا أنه لا يوجد مبرر لجعل هذا المبدأ في صلب المنهج التعليمي المصمم للبقاء والاستمرار، بينما مبدأ «الولاء والبراء» مبدأ غير استمراري ويطبق في حال الحرب مع «الآخر» المعتدي فقط. فليس مبدأ دائماً ومناسباً في عصر السلم العالمي والمنظمات الدولية الحاكمة والعلاقات الدولية القائمة على تشابك المصالح والتعايش السلمي مهما اختلفت الأديان والمذاهب والاعراف، طالما لم تصل الحال إلى العدوان وإعلان الحروب.