المعلم العربي في المخيلة الشعبية هو «الأستاذ حمام» والتلميذ يدفع الثمن – بقلم – بلال عبد الهادي




ديسمبر 19, 2015  

المعلم العربي في المخيلة الشعبية هو «الأستاذ حمام» والتلميذ يدفع الثمن – بقلم – بلال عبد الهادي

364 مشاهدات اترك تعليق

المعلم العربي في المخيلة الشعبية هو «الأستاذ حمام» والتلميذ يدفع الثمن

   بلال عبد الهادي 

التعليم التلقيني أدخله الاستعمار وكرّسه الحكام

يشهد واقع التربية والتعليم في العالم العربي تدهورا وإخفاقات متعددة. فأحلام النهضة لم تستطع ان تثبت رجليها في ارض الواقع. الأميّة بشكلها المعلن أشبه بالعصيّ في دواليب القرن الحادي والعشرين، أمّا الأمية بشكلها المستتر فهي أشبه بسرطان يتسرب خفية إلى جسد عليل. واقع الحال لا يدعو إلى الاستسلام، وها هي مجموعة من الباحثين تقوم بقراءة راهن التعليم على أمل إيجاد سبل الخروج من التدهور التربوي المتمادي، في كتاب صدر حديثا عن «مركز دراسات الوحدة العربية» في بيروت، بعنوان دالّ هو«التربية والتنوير في تنمية المجتمع العربي»، حيث يشترط التربية والتنوير لفعل التنمية الذي ينقذ المجتمعات العربية من ثقافة الرداءة والجمود.

ويعتبر خلدون النقيب في بحثه «المشكل التربوي والثورة الصامتة: دراسة في سوسيولوجيا الثقافة» ان علينا الانصباب على الدراسات الميدانية والتشخيص للأسس الاجتماعية للثقافة. فالكاتب يرى ان المشكل التربوي لا يرتبط بنسب ومعدلات القراءة والكتابة وإنما بوظائفها. ويعتبر ان التعليم الراهن له إيديولوجية خفيّة هي الضبط الاجتماعي، بدلا من تكريس الحرية المترتبة على المعرفة. كما ان مناهج التربية الراهنة تعمد إلى توليد الانصياع لمعايير الجماعة للمحافظة على الوضع القائم بدلا من زرع التمرد المبدع والبنّاء.

ثمّ يلفت الباحث إلى أن التعليم القائم على فكرة الانضباط والتلقين بدأ في العالم في كنف شركة الهند الشرقية سنة 1795 وفي بريطانيا على يد «جوزيف لانكستر»، وفي فرنسا على يد «أندريه جندوره»، ويعتبر ان هذا النهج التعليمي هو ابن الاستعمار، وتتمة لاحتلال الارض. ويندد النقيب بالمذهب الوظيفي في التنمية، أي حصر الإنتاج المعرفي بمتطلبات السوق فقط، لأن المسألة تنطوي على تبسيط مخلّ وربط مبتسر وغير مبرر بين التعليم والتوظيف، ثمّ يفصل هذا الأمر من خلال افتراضات، نهاياتها حتما كارثية.

يقول الباحث: لنفترض ان اقتصاد مجتمع ما بحاجة إلى أطباء ومهندسين ومبرمجي كومبيوتر وأعداد غير محدودة من المحامين، يصبح من المقبول ان نسأل بحسب منطق التوظيف والتعليم ما حاجة هؤلاء إلى دراسة التاريخ والجغرافيا وعلم النفس والفلسفة؟ إذا كان مجتمع ما بحاجة اكبر إلى متخصصين باللغات الأجنبية بسبب انفتاح المجتمعات في زمن اقتصاد السوق، فما حاجة هؤلاء إلى الفيزياء والكيمياء وعلوم الأحياء؟ يعقّب النقيب بالقول إن المستفيد الوحيد من هذا المنطق التعليمي هو النخب الحاكمة في البلدان، لأنها تكون قد فرغت المجتمع من المثقفين والمفكرين وقادة الرأي، فهذا نمط تعليمي يقود إلى تعزيز الجهل والتعصب والخنوع للسلطة.

ويشير النقيب إلى بؤس واقع المعلّم رغم أنه هو الأساس في أي مجتمع متطوّر. إن بؤس المعلّم لا يمكن له إلا أن ينقل بؤسه بالعدوى إلى المتعلّمين. ويقول الباحث ان الصورة الشائعة للمعلم في الثقافة الشعبية هي بلا منازع «الأستاذ حمام»، كما التقطها الممّثل نجيب الريحاني في فيلم «غزل البنات». ويذكّر النقيب بأن هذه المهنة لا تختار، أغلب الأحيان، عن هوى أو رغبة، بل تختار بالنسبة للإناث، لأنها مهنة مفضلة لاعتبارات عائلية، وتختار من قبل الذكور لأنها وسيلة هروب من البطالة لعدم الكفاءة. ويقترح المؤلف تغييرا جذريا لمفهوم هذه المهنة عن طريق توفير الحوافز المادية والمعنوية من ناحية، وعن طريق ربط هذه المسألة ببرامج تدريب واختيار دقيق وصارم للمعلمين من ناحية ثانية. ويلحظ النقيب أن كمّ المعلومات الذي يحصده الطالب على امتداد فترات التعليم كمّ مهمل، غير صالح للتوظيف، فهو سرعان ما ينسى. في حين ان وظيفة التعليم هي تملك «معرفة الصحيح وعمل الصحيح» بحسب عبارة ريموند وليمز.

والتعليم على رغم التغيرات الهائلة التي يشهدها العالم لا يزال على ثوابته، وان زحزحت فبشكل لا يغير جذريا من واقع الحال. فالعالم اليوم يعيش، كما يقول الكاتب، ثورة صامتة أنجبت كثيرا من الفتن على عالمنا الراهن. فثمة فقدان الثقة بالدولة ـ الأمّة ذات الخصائص والمصالح المشتركة، لذا أصبح الإنسان يوظف تعليمه لإذكاء النعرات الطائفية والقبلية، كما ان من علامات التناقض الظاهر اليوم الاستكانة للعلاقات الوشائجية لشيخ القبيلة أو الداعية طورا. أو التمرد طورا آخر على المجتمع قاطبة. فنجد إزاء التطرف الديني الإقبال على الرقص في الديسكو.

ويشير المؤلف إلى عائق يخوّف كثيرا من المهتمين بالتربية الدنوّ منه وهو الكتابة العربية عن طريق انفصال الحركات عن الحروف، ويعتبر ان هذا الأمر هو من طبيعة المفهوم الثقافي القديم الذي كان يربط بين النص وحضور مؤلف النص أو راوي النصّ. فالكلمات في الفرنسية او غيرها مثلا لها استقلاليتها، بخلاف الأمر في العربية حيث الكلمة غير مستقلة. فالنصّ من دون وجود المؤلف ومن دون التشكيل عرضة للتزييف والتحريف. ويذكّر الكاتب بالموقف السلبي الذي اتخذه حسين المرصفي من الطباعة لأنها تترك النص بلا تشكيل، وعدم التشكيل يجعل من النصّ نصا قاصرا، ويعتبر ان جزءا من تضعضع الثقافة العربية الراهنة هو ابن علاقتنا بلغتنا.

أمّا علي اسعد وطفة فيرى في بحثه «معادلة التنوير في التربية العربية: رؤية نقدية في إشكالية الحداثة التربوية» أننا أمام تحديات مصيرية. فمن جهة، نحن أمام عولمة متوحشة، ومن جهة أخرى، نحن أمام بنية اجتماعية متخلفة. فنحن واقعون بين مطرقة الغرب القوية وسندان التخلف الداخليّ الذي لا يرحم.

ويعترف وطفة بأن الحداثة رهان تربوي، ولا يمكن لأي حداثة ان تتحقق خارج السياق التربوي في المجتمع، والتربية الناجعة هي التي تنمي في الطفل العقل لا الذاكرة. يرى وطفة ان كل الظروف التي ساهمت في إعاقة النهضة، لا تزال في مكانها. والتربية طوال الفترة الماضية لعبت دورا مناهضا للحداثة. لأن القطيعة بين التربية وفكر النهضة كانت من عوامل الإخفاق التربوي والنهضويّ على السواء. فأفكار النهضة وطموحاتها بقيت أسيرة النخب السياسية والصفوة الاجتماعية، ولم تستطع تشكيل وعي جماهيري عام بقضايا النهضة ومفاهيمها. والوعي التنويري لا يمكن ان يؤتي ثماره ويتحول إلى طاقة وقوة فعلية محركة إذا لم يتأصل في عقول الجماهير.

ان التحديث الذي نراه لم يمس إلا الظاهر، فالأنظمة العربية لا تزال في دوائر التربية العربية تعلن الحرب الخفية ضد اتجاهات القيم الديمقراطية، وما زالت قيم الترويض والتطويع وقمع الإبداع تشكل المحاور الأساسية للتربية العربية. ويذكر تقرير تعليم الأمة العربية في القرن الحادي والعشرين ان التربية أدت دورا مدمرا في الحياة العربية خلال القرن العشرين. ويعتبر الكاتب ان هناك ثلاثية قاتلة في المناهج العربية هي: غياب الفكر العلمي في التعامل مع قضايا الحياة. غياب مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، والمكانة الدونية للمرأة. فالتربية العربية لا تزال تتحرك بسرعة السلحفاة في زمن حركته تقاس بالضوء.

أمّا الكاتب محمد جواد رضا في بحثه «الثقافة الثالثة: الجامعات العربية وتحدي العبور من برزخ الثقافتين» فانه ينتقد الطبيعة المجزئة للعلم. وهي تجزئة تعاند طبيعة الإنسان نفسه. وهذا الانشطار لا بدّ من أن تعاد لََحمته في العمل التربوي. ويعرج على مفهوم العامة والخاصّة الذي شكل محورا من محاور هذا الانشطار في الحضارة العربية، وهو ما أدّى بدوره إلى انشطار على مستوى الخاصة، فأضحت بدورها «نقليّة» و«عقليّة». ويشير الباحث إلى مسار شخصي طريف في حياة العالم الطبيعي والروائي تشارلز برسي سنو. والكاتب سنو بحكم وجوده في مكانين متباينين، عالم العلم وعالم الأدب رصد التمزّقات القائمة بين العالمين، وتبين له عبر رصده لهما المضرة التي تقع على الإنسان. فهما غير قادرين على التواصل الفكري رغم التقارب المادي والمعيشي والاجتماعي، وقال سنو «انه أسهل عليّ عبور المحيط إلى الولايات المتحدة من التحرّك بين كلية العلوم وكلية الآداب». بل كان الأمر كما يقول أكثر من مجرد عدم قدرة على التواصل كان الأمر حالة من العداء والبغضاء. هذا الواقع دفع سنو إلى وضع نظريته حول «الثقافة الثالثة» وهي ان الإنسان غير قابل للقسمة، وعليه فان الثقافة غير قابلة للقسمة. وهذا ما أدركته الجامعات الغربية اليوم، وقاومته بما سمته «بالنهضة الجديدة». و بدأت العمل بهذه النظرية جامعة MIT)). ويبرر رئيس الجامعة (بول غراي) هذا التحوّل بقوله «ان المهندس المحترف يعيش ويعمل في نظام اجتماعي، وهو يحتاج ان يفهم القيم الثقافية الإنسانية. إن مقررات الدراسات الإنسانية لا يمكن ان تكون مجرّد غلاف سكري لكعكة العلم». ومن رأي محمد جواد رضا أن تعمد الجامعات العربية إلى إعادة اللحمة بين ما هو أدبي وما هو علمي، وان تصوغ معادلة التكامل بين النفعي والأخلاقي.

اما نادر فرجاني فيتناول «التعليم العالي والتنمية في البلدان العربية»، ويشير إلى أهمية رأس المال البشري. فتدفق رؤوس الأموال المالية في زمن اقتصاد السوق لا يمكن الاستفادة منها على أكمل وجه إلا باستثمار رأس المال البشري. وهذه المعادلة اليوم غير متوفرة في العالم العربي. وعليه ثمة مشاكل كثيرة تطلّ برأسها، منها ما سوف يتولد بسبب التفاوت الحاد في الدخل وما يستتبع ذلك من توترات اجتماعية قد تطيح بهذا الرخاء المصطنع والهشّ. ويشير إلى بعض مواطن الخلل من خلال قراءته لجملة من المؤشرات، منها ان التعليم العالي في البلدان العربية لا يعادل ربع التعليم العالي في البلدان المتطورة، وان زيادة نسبة التعليم العالي لدى الإناث ـ في بعض المجتمعات الخليجية ـ عنها لدى الذكور مؤشر جيد من جهة، إلا أن هذه الزيادة، من جهة ثانية، تقرأ قراءة أخرى وهي نفور الذكور من التعليم العالي في ظل توافر فرص للكسب الضخم والسريع من دون تجشم مشقة التعليم. وهي إمكانيات غير متاحة للإناث من خلال التجارة. أي أن الواقع الاجتماعي المنحاز للرجل هو الذي يشكل هذه النسبة. وهو ما يجعل من هذا المكسب العلمي مكسبا منقوصا.

ويرى الباحث أن التعليم العالي، على ضخامته، يحتضر، ولكن البديل ما زال غير مسموح له ان يولد. ولا بد من هزة كبرى لإصلاح التعليم العالي جذريا. منها مثلا رفع الميزانية لا خفضها، كما نرى في بعض الدول العربية، وتنقية هيئات التدريس من غير الأكفاء أو المتطفلين، ثمّ وضع برامج لترقية قدراتهم. وتتناول نولة درويش دور المجتمع المدني في التعليم وأثره الفاعل على صعيد تغيير الواقع الاجتماعي، فتلتفت إلى ما تقوم به بعض الجمعيات من نشاطات لا تهدف إلى محو الأمية المتعارف عليه فقط، وإنما لمحو أمية العلاقة مع العمل الذي نقوم به، أي التعليم المهني القائم على تنشيط العقل والتفكير لاستثمار العمل على أحسن وجه. وتشير الباحثة إلى ان الحقائب التي وزعت على المشاركين في المؤتمر الدولي للسكان والتنمية، عام 1994، هي من نتاج جمعية «حماية البيئة من التلوث»; وهي جمعية تعلّم الإناث من زوجات وأخوات وبنات حيّ الزبالين في المقطّم على إعادة تدوير القماش المتخلّف من المصانع واستعمالها في منتوجات يدوية فنية وعملية متنوعة.

اما الكاتب محمد بالراشد في بحثه «المدرسة العربية في مطلع قرن جديد: الواقع والتحديات»، فهو يرى ان دخولنا إلى القرن الحادي والعشرين مشابه لدخولنا إلى القرن العشرين. ويرى ان التعليم يجب ان يوفر للإنسان معرفة استخدام خريطة الحياة بكل تعاريجها، وعليه فإن الباحث يشنّ حملة قاسية على مفهوم التلقين، كما يطالب بالمعلم المحترف لا بالمعلم الذي يرى التعليم وسيلة سهلة لتأمين الحد الأدنى من العيش.

ويلحظ صلاح الدين شروخ في بحثه «التربية الإيكولوجية العربية» ان الأهداف التربوية العربية تخلو من اهتمام واضح بالقضايا الإيكولوجية، رغم ان البيئة العربية مهددة بزحف الصحارى، الذي يبتلع الغطاء النباتي. ويقول شروخ ان الواقع المعيشي في واد وتربيتنا في واد، ومقتل جهد الإيكولوجيين كان في تجنبهم هذا الربط. فالتربية الإيكولوجية تجعلنا نحسن، على سبيل المثال، استخدام المبيدات الحشرية. ويضيف الكاتب بأسلوب لا يخلو من وجاهة وسخرية معا، ان الاهتمام بالتربية الإيكولوجية يجب ان يكون متكاملا بين الأطراف العربية كلّها، «لأنّ التلّوث نفسه لا يعترف بالحدود العربية، مهما كان إصرار العرب على إغلاقها في وجه إخوانهم. فالتلوّث على خلاف المواطن العربي، لا ينتظر تأشيرة دخول أو خروج وربما كان هذا هو فضله الوحيد».

كلّ الأبحاث تعترف بأن الوضع التربويّ سيئ، والإصلاح ضرورة ليس لأنه مفروض من الخارج بل لأنه حاجة داخلية، إذا كنا نريد فعلا الانتساب إلى هذا القرن الوافد الذي يبدو أننا لا نزال غرباء عنه حتى وان كنا محسوبين عليه.