ما تقنية النانو وكيف يمكن أن تغير حياتنا ؟ د. محمدعلي السيد علي




ديسمبر 19, 2015  

ما تقنية النانو وكيف يمكن أن تغير حياتنا ؟ د. محمدعلي السيد علي

329 مشاهدات اترك تعليق

ما تقنية النانو وكيف يمكن أن تغير حياتنا؟ 

 د. محمد علي السيد علي

عرفت المادة على اختلاف أنواعها (معادن، أشباه معادن، خلائط،..) بمواصفاتها الفيزيائية (الميكانيكية، الحرارية، الضوئية، الكهربائية، المغناطيسية، …) و الكيميائية المميزة لها.ما تقنية النانو وكيف يمكن أن تغير حياتنا ؟ د. محمدعلي السيد علي

منذ البدء بدراسة المادة و العمل على استثمارها و تطوير مواصفاتها بالمعالجات الحرارية أو الميكانيكية أو بتطوير الخلائط، لم يكن التعامل معها خلال تصنيعها أو دراستها يتم على المستوى النانومتري (جزء بالمليون من الميلي متر)- و إن حدث ذلك سابقا فقد كان بشكل غير مقصود و غير مراقب و متحكم به، إلى أن عرفت التقانة النانوية و انطلقت الأبحاث و التطبيقات باستثمارها في السنوات الأخيرة في أغلب المجالات العلمية و الصناعية أو الصحية و العسكرية.
لقد كان التطور التكنولوجي الهائل هو السمة الفريدة في القرن العشرين الذي ودعناه قبل سنوات، و قد أجمع الخبراء على أن أهم تطور تكنولوجي في النصف الأخير من القرن هو اختراع الكترونيات السيليكون، فقد أدى تطويرها إلى ظهور ما يسمى بالشرائح الصغرية أو الـ MicroChips والتي أدت إلى ثورة تقنية في جميع المجالات كالاتصالات و الحوسبة والطب وغيرها. ففي عام 1950 لم يوجد غير التلفاز الأبيض و الأسود، كانت هناك فقط عشرة حواسيب في العالم أجمع، ولم تكن هناك هواتف نقالة أو ساعات رقمية أو انترنت، كل هذه الاختراعات يعود الفضل فيها إلى الشرائح الصغرية و التي أدى ازدياد الطلب عليها إلى انخفاض أسعارها بشكل سهل دخولها في تصنيع جميع الالكترونيات الاستهلاكية اللتي تحيط بنا اليوم.
خلال السنوات القليلة الفائتة، برز إلى الأضواء مصطلح جديد ألقى بثقله على العالم وأصبح محط الاهتمام بشكل كبير، هذا المصطلح هو “Nanotechnology” و الذي سنترجمه إلى العربية على أنه التقانة النانوية (على نسق التقانة الميكروية)، إذ تظهر المادة عند هذا المستوى من الأبعاد خصائص مختلفة (غير مألوفة للمادة) و غالباً مدهشة، و عند ذلك تتلاشى الحدود بين التقانة و العلم. تمتلك التقانة النانوية مفعولاً ثورياً في عالم الصناعة و العلم، إذ توفر حلولاً جديدة أصغر حجماً و أقل وزناً و أكثر سرعة و أعلى أداءً، مما يفتح أفاقاً جديدة للتنافس ضمن كافة التخصصات. التنافس في استثمار التقانة النانوية في الصناعة يؤدي للتقليل من كمية النفايات الناتجة و يقلص حجم الانبعاثات، و يطور الأداء و المواصفات .
تعتبر التقانة النانوية، تقانة واعدة، إذ تبشر بقفزة هائلة في جميع فروع العلوم والهندسة، ويرى المتفائلون أنها ستدخل إلى كافة مجالات العلوم و التطبيقات الهندسية و الطب الحديث و الاقتصاد العالمي و العلاقات الدولية وحتى الحياة اليومية للفرد العادي، فهي و بكل بساطة ستمكننا من صنع أي شيء نتخيله وذلك عن طريق التعامل المباشر مع جزيئات المادة بكلفة ممكنة و قليلة بالمقارنة مع متطلبات البحث في المجالات المعروفة. لذلك في السنوات الأخيرة، قامت دول عديدة منها الغنية و كذلك الفقيرة برسم سياسات تتخصص بتوطين و استثمار التقانة النانوية و تطبيقاتها، و رصدت لذلك الأموال اللازمة و أطلقت مبادراتها المخطط لها على المستوى الوطني. كما بدأت ثمار ثورة التقانة النانوية تعطي ثمارها لدى العديد من الدول (إيران، كوبا، كوريا الجنوبية …) على صعيد البحث العلمي و التطور الصناعي. من التطبيقات الصناعية و المواضيع البحثية في مجال التقانة النانوية، تتضح لنا أهمية ما تقدمه التقانة النانوية من قيمة مضافة بتكاليف متواضعة للصناعة مقارنة بالتكاليف للحصول على النتائج نفسها تقريبا دون استخدام هذه التقانة. لنتعرف معاً بصورة عامة على التقانة النانوية:

أطلق البروفيسور Norio Taniguchi في العام 1974 مصطلح التقانة النانوية (Nanotechnology)، و التي عرفت فيما بعد على أنها “أي تقانة تتعامل مع أبعاد نانومترية و لها تطبيقات عملية، أو على أنها “تطوير فهم و التحكم بالمادة على أبعاد من واحد إلى مئة نانومتر حيث يمكن أن تكون مواصفاتها الفيزيائية، الكيميائية و البيولوجية مختلفة و بشكل جوهري عن مواصفاتها و هي في الحالة الذرية، العنصرية أو المستمرة”
فالنانومتر هو وحدة قياس مترية (نانو متر)، ويبلغ طوله واحد من مليار من المتر أي ما يعادل عشرة أضعاف وحدة القياس الذري المعروفة بالأنغستروم ، و حجم النانو أصغر بحوالي 80.000 مرة من قطر الشعرة، وكلمة النانو تكنولوجي أو التقانة النانوية تستخدم أيضاً بمعنى تقانة المواد المتناهية في الصغر أو التكنولوجيا المجهرية الدقيقة أوتكنولوجيا المنمنمات.

تاريخ علوم النانو:
بدايةَ، تم التطرق لأهمية التعامل (التصنيع، الاستخدام، التحكم ..) مع المادة بأبعادها النانوية ضمن محاضرة القاها ريتشارد فاينمان بعنوان “There’s Plenty of Room at the Bottom” في الاجتماع السنوي للجمعية الفيزيائية الأمريكية في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا عام 1959 قاصدا بذلك وجود عدد كبير من الامكانات التي قد تنفتح أمامنا في جعل اداواتنا وتقنايتنا أصغر وأصغر حجماً لو بدئنا نفكر في التلاعب ببنية المادة على المستوى الذري.
تبع ذلك أولى الخطوات العملية في مجال العلوم النانوية و خصوصاَ التعامل الفيزيائي مع مواد أبعادها أو أحد أبعادها (سماكة العينة مثلاً) من رتبة عشرات النانومتر عام 1981 و ذلك باختراع وتنفيذ أول مجهر مسح نفقي Scanning Tunneling Microscope و تلاه في العام 1985 اختراع مجهر القوة الذرية Atomic Force Microscopy ، و أعتبر ذلك أول خطوات الانتقال إلى التقانة النانوية، إذ سمح لنا استخدام هاتين الأداتين أن نراقب المادة و هي في البعد النانو متري و أن ندرس خصائصها البنيوية و إمكانية تشغيلها على هذا البعد، الأمر الذي أدى إلى تطور التقانة النانوية و تطبيقاتها، و نتيجة الأهمية التي ظهرت لتطبيقات هذه التقانة و استخدامها، تطور طيف عريض من الأدوات التي تخدم البحث و التصنيع في هذا المجال.

أمثلة عن تطبيقات التقانة النانوية القديمة (الغير مقصودة):
السيف الدمشقي: لقد استخدمت الاستفادة من المواصفات الأكثر تطوراً (بالحالة العامة) للمادة عندما تشغَّل بالبعد النانومتري منذ القديم، فمثلاً السيف الدمشقي الذي اشتهر به المسلمون مابين القرنين العاشر و السابع عشر، و المصنع من فولاذ من فلز (Wootz) الهندي المنشأ، تميز بالقساوة الشديدة مع حفاظه على المرونة ، و هما ميزتان من المستحيل الحصول عليهما مترافقتين بتقسية الفولاذ بإضافة الكربون، لأن إضافة الكربون للفولاذ بنسبة عالية تؤدي إلى زيادة هشاشيته و بالتالي إمكانية تقصفه بسرعة، لكن السيف الدمشقي أمكنه أن يقطع منديل الحرير (شحذ لمستوى عالي بسبب المرونة) و أن يكون أداة حرب قوية (قساوة ومقاومة الصدمات)، أميط اللثام عن السر وراء المواصفات الغير عادية للسيف الدمشقي حديثاً نتيجة بحث (5) أجري في جامعة دريزدن بألمانيا، تبين بموجبه نتيجة تحليل عينة من سيف دمشقي محفوظ في متحف بسويسرا باستخدام مجهر الكتروني أن بنيته تتشكل من أنابيب كربونية نانومترية CNT تحتضن أسلاك نانوية من C3Fe، مرصوفة بشكل متجاور موازي للحد القاطع للسيف ، هذه البنية تكونت نتيجة طريقة المعالجة الحرارية وإضافة العناصر من فاناديوم، كروم، مغنيز، كوبالت، نيكل إلى بنية الفولاذ المستخرج من الـ Wootz.

الزجاج الملون
صنع الرومانيون القدماء الزجاج الأحمر بمزج الزجاج السائل عند تصنيعه بكلورايد الذهب، الأمر الذي نتج عنه تشكل جسيمات كروية من الذهب بأبعاد نانومترية (جسيمات نانوية)، و هذا تسبب بامتصاص و عكس أشعة الشمس الواردة على هذا الزجاج بطريقة نشأ معها تلون الزجاج بألوان مختلفة (تتعلق بأبعاد الجسيمات المتشكلة من الذهب).

تطبيقات حديثة لتقنية النانو:

تشمل تطبيقات تقنية النانو الحديثة طيفاً واسعاً من المجالات ، ففي الطب ، يتم العمل على جعل جزيئات نانوية تقوم بتحسس ثم مهاجمة نوع محدد من الخلايا “السرطانية” و تجنب الخلايا السليمة ، مما قد يشكل علاجاً محتملاً لمرض السرطان. وفي صناعة الغزل والنسيج يمكن الاستفادة من تقنية النانو في تصنيع ملابس كارهة للماء بحيث تنساب قطرات المطر علىها دون أن يمتصها النسيج ، وفي الري مثلاً يمكن استخدام تقنية النانو في تنقية المياه (مياه الصرف الصحي أو مياه البحر مثلاً ) بشكل ممتاز وبتكاليف بسيطة ناهيك عن تطبيقات عسكرية مثيرة للإعجاب ، كتصنيع روبوتات نانوية ، والاستفادة من تقنية النانو في الحرب الذكية وتبقى آفاق تقنية النانو المستقبلية مفتوحة على مصراعيها لمفاجآت قد لا تخطر في البال

اعداد: د. محمدعلي السيد علي

المصادر:
1. Tanighuchi. British Society of Precision Engineering. London: Proc. Intl. Conf. Prod.، 1974. Vol. Part II.
2. Bhushan. Springer Handbook of Nanotechnology. s.l.: Springer، 2004.
3. DoD Defense Nanotechnology research and Devellopement program. 2007.

4. Drexler، K. Eric. Engines of Creation 2 The comming ear of nanotechnology. 2006.
5. Nature. 16 Nov 2006، Vol. 244، p. 286.