في الحقل الدلالي للرمز

علي أسعد وطفة
62 مشاهدات

يتضمن السؤال المطروح عن ماهية الرمز افتراضا غامضا شأنه شأن الأسئلة الغامضة التي تطرح نفسها على بساط البحث العلمي . وافتراضنا الكامن في عمق التساؤل يأخذ طابعا ماديا ، ونؤسس على هذا الافتراض أن العالم المادي قائم في الوجود والحقيقة بالطبع ملازمة لوجوده وبالتالي فإن التواصل يشكل ميدانا لهذه الحقيقة ذاتها . وفي الجانب الثاني فإننا ننطلق من افتراض قوامه أن العالم المادي مخضب بالرموز وأن العالم الرمزي يشكل كينونة أثيرية بذاتها . وفي دائرة هذا التصور الذهني فإن الرمز يشكل تعقيدا إضافيا في الحياة، وهذا يتطلب منا أن نتساءل عن غاية حضوره وماهيته ووظيفته .
ويمكننا في السياق يمكن أن نقع على وجهات نظر ترى بأن الحقيقة تستند إلى واقع رمزي حيث ينظر إلى الرمز بوصفه حجر الأساس والأصل ومنطلق وجود الأشياء جميعها سواء أكان ذلك المادة أو الفعل فهي جميعها نتاج للرمز وحاصل لامتداده . وفي دائرة هذا الافتراض الرمزي فإن التساؤل عن ماهية الرمز وطبيعة ووظيفته يفقد كثيرا من بهجته وذلك لأن الإجابة بسيطة وواضحة وتتمثل في أن الكون كله يتجلى في الرموز وأن الرموز هذه تمثل مبتدأ وخبر الوجود . وبعبارة أخرى يمكن اختصار المسألة بالقول بأن أصحاب الحكمة يتحدثون عن العالم عبر الرموز الكامنة فيه ، وهم بالتالي عندما يتحدثون عن الرموز فإنهم يتحدثون عن بنية العالم ذاته بوصفه كيانا رمزيا . ومع ذلك يبقى مشروعا لنا أن نتساءل عن الرمز طبيعة وماهيته .

ما الرمز؟  

ليس من السهولة بمكان أن نعرّف الرمز فالتعريف – أي تعريف- غالبا ما يكون محفوفا بالصعوبات المنهجية والفكرية، فكيف هو الحال مع مفهوم الرمز الذي يشكل بذاته مصدرا للغموض والتعقيد. ونظرا لما ينطوي عليه هذا التعريف من غموض فإن أغلبية المفكرين يفضلون تجنب متاهات التعريف النظري لهذا المفهوم ويلجؤون إلى الرموز بذاتها ويقاربونها فكريا بوصفها بينة بأمثلة حية في دائرة والواقع والحياة. ولكننا ونظرا لأهمية تعريف الرمز كمدخل لمقالتنا هذه فإننا قررنا الدخول في معترك التعريف والمواجهة بوصفها ضرورة منهجية لتحليل الرمز وتقديمه في حلة فكرية منهجية تساعدنا في خوض متاهاته والولوج إلى مضامينه الفكرية. ولا بد لنا هنا من القول بأن الدخول في عالم الرمز أشبه ما يكون بالولوج والتوغل في عالم سحري يفيض بالدلالات ويتدفق بالمعاني.  

الرمز مفهوم يغطي مساحات واسعة في عالم الفكر والمعرفة ويندر أن نقع على نظرية أو محاولة فكرية تنأى عن توظيف الرمز كأداة من أدوات البحث وكمنهج من مناهج التقصي النظر وذلك على امتداد الساحات المعرفية في العلوم الإنسانية برمتها: من علم النفس إلى اللسانيات والميثولوجيا والأنتروبولوجيا والسوسيولوجيا والأساطير.  

ويمكننا أن نبدأ بتعريف الرمز من منصة الإثنولوجيا (علم الأعراق البشرية ) كأحد الخيارات الواسعة الممكنة لتعريف الرمز. حيث تنطلق الإثنولوجيا في تحديد الرمز من خلال العلاقة بين الدال والمدلول le signifiant et le signifié أما ما بين العلامة والرمز نفسه، فالعلامة تمثل الموضوع وهي الحضور المجسد، والرمز يتمثل في دلالة الإشارة ومعناها، فالصليب المعقوف يمثل علامة وبالتالي فإن هذه العلامة يمكن أن ترتسم على قطعة مادية: ورقة أو قطعة ثياب. فصورة الصليب المتجسدة على الورقة تمثل العلامة ولكن دلالة الصورة ومعزاها يمثل الرمز الديني. وهنا يجب علينا ألا نخلط بين العلامة والرمز، فالعلامة ليست رمزا بذاته بل يكمن الرمز في المعنى والدلالة.  فالعلامة تمثل الكيان المادي للرمز  بينما يمثل الرمز الصورة المعنوية لفكرة ذات مغزى توجد في عقل الإنسان: الصليب المعقوف ليس رمزا بذاته بل الفكرة التي يتضمنها تمثل الرمز، وهي فكرة النازية التي ترمز إلى القوة والقدرة والسطوة.  

ووفقا لهذا التصور يمكن للعلامة أن تحمل في ذاتها أكثر من صورة رمزية كما يمكن للرمز نفسه أن يتبدى في أكثر من علامة. فالعلامة النازية (الصليب المعقوف) .  

فالدلالة أو العلامة تمثل لحظة فيزيائية مادية ( رسم نقش مسافة كلمة كتابة إعلان إشارة موسيقية طير، حيوان ) أما الرمز فيمثل المعنى مثل القوة والسلام والحب والجمال. وهنا تجب الإشارة بأن العلاقة بين العلامة والرمز قد تكون اعتباطية إلى حد كبير حيث لا توجد علاقات منطقية بين العلامات ودلالاتها مثل العلاقة بين الكلمات ومدلولاتها: فكلمة الماء على سبيل المثال ترمز إلى الماء ولكن لا توجد علاقة بين الكلمة بأحرفها والماء كمعنى، ودالة الماء ،أي : كتابتها، تختلف بين لغة وأخرى. وهذا الأمر ينسحب على الأعداد والأرقام وغيرها فإشارة (2) بالإنكليزية ترمز إلى ما يعادلها ولكن العلامة تختلف في اللغات الأخرى حيث تأخذ القيمة (2) علامة أخرى أي تكتب بطريقة مختلفة. وهذا يعني أن الرمز قد يكون واحدا بين الناس ولكن علاماته تختلف بين ثقافة وأخرى.   

أين هي الرموز ؟  

يحمل القانون الفيزيائي معنى ودلالة  ويتجلى في صورة رمز، والسؤال بذاته يحمل معنى ويأخذ هيئة رمزية  ، فالرموز توجد في كل مكان، حتى فيما بعد المادة والوجود المادي.  

وينظر بعض المفكرين إلى الرموز بوصفها جوهرا  يوجد في أصل تكوين العالم. وغالبا ما يطلق عليه النفس أو الروح، ووفقا لهذه الرؤية فإن النفس موجودة كوجود الرقم (2) وأنها واحد من تكوينات هذا الوجود. وإذا كان كل شيء يأخذ صورة تكوين رائع ومتحرك من الذرات والفوتونات، فإن النفس هي أيضا تكوين بارع ومشبع بالرموز.  

فالرمز وفقا لهذا التصور يشكل المادة الأولى المشكلة للكون ولكل ما ينتظم فيه، وبأن كل تصور أو فعل، كل شيء يبدأ بعملية تجسد كما تبدو لعقولنا. والتجسد يعني هنا حيازة المعنى ، والمعنى هو الجوهر الخاص بالرمز. وبالتالي فإننا عندما أدرك موضوعا ما شيئا ما، فذلك يعني أنني أدرك معناه، وعندما ندرك المعنى فإننا من حيث لا ندري نقوم بتجريده إلى صورته الرمزية.  

خلاصة  

ووفقا لهذه الرؤية فإن العالم الفيزيائي سواء أكان مشكلا من المادة أو الرمز أو لا، فإنه لا يمكنه أن يكون قابلا للفهم إلا من خلال الرمز وعبره. وهذا الاعتبار يفسر لنا لماذا كان كبار الفلاسفة وأهل الحكمة يتوسلون الرمز عندما أرادوا أن يصفوا الحقيقة.  

فالفلاسفة يستخدمون الرموز في بناء صروحهم الفكرية، وذلك لأن الكلمات كثيرا ما تتعثر في رسم أفكارهم، ولذا فإن والرموز وحدها تسمح لهم بصوغ نظرياتهم وبناء أفكارهم دون مواربة للوصول إلى أقرب معاني الحقيقة ودلالاتها دون إبهام أو غموض.  

فالرموز تتسم بالوضوح ومن يستخدمها لا يحتاج كثيرا إلى الشرح والتفسير، بل وبكل بساطة يعبر عن مراميه وأفكاره كما يشعر بها،  وكأن من يتلقاها يشعر بأن المعاني تضيء وتومض في عقل مرسلها وفي روحه بوضوح وبيان.  فالرموز تسمح بتحويل الأفكار وتحقيق التواصل الذهني بإخلاص لا تعرفه الكلمات وتنأى عنه الجمل والتركيبات اللغوية. وهنا يمكن للرموز أن تلعب دورا اتصاليا خالصا دون تصنع أو توهم، فالصورة الرمزية الواحدة يمكنها وفي آن واحد أن تومض بنسق متنوع من المعاني والدلالات والإشارات، وذلك لأن الأشياء لا تأخذ دلالتها إلا في نسق وإطار عام، ولهذا فإننا لا نستطيع أن نفهم الأشياء في جوهرها وبعمق إلا بتوسط الرموز وعونها.  

فالكلمات قد تخدع دالة الفهم،  وتحرف الرسالة عن دلالتها، ومن أجل أن نفهم من خلالها فإننا غالبا ما نحتاج إلى عدد كبير منها لنفهم أمرا واحدا كالدلالة التي تتجلى في ابتسامة واحدة أو نظرة أو إحساس.  وعلى خلاف الكلمات يكون التواصل مباشرا وسريعا وفعالا مع الرموز حيث تنساب الصور في أعماقنا فتعتمل فينا لتولد فيضا هائلا من المعاني والدلالات التي تمتاز بالصدق والعفوية والمباشرة بعيدا عن دوار الكلمات. فالرسائل بذاتها ليست مهمة، ولكن ما يعتمل بالأهمية هو نسق المعاني والدلالات والتفسيرات الكامنة فيها، وهنا يكون فعل الرموز التي تبرز بقدرتها على وضع العقل في دائرة الامتثال الأعمق للمعاني والدلالات.  

أليس هو رمزا كل ما يوقظ في نفوسا إحساسا ومشاعر ترتبط به؟ أليست الأحرف التي نصوغ بها الكلمات رموزا؟ أو ليست الأفكار التي ترتبط بالكلمات رموزا أيضا؟  

0

1 تعليق

Avatar
حيدش سعد 15 فبراير، 2021 - 8:01 م

جزيل الشكر …….

الرد

اترك تعليقا

* باستخدام هذا النموذج ، فإنك توافق على تخزين ومعالجة بياناتك بواسطة هذا الموقع.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قراءة المزيد