سوسيولوجيا التربية: إضاءات معاصرة

علي أسعد وطفة
439 مشاهدات

شهد علم الاجتماع التربوي ولادته في مطلع القرن العشرين، وذلك على أيدي مفكرين عمالقة مبدعين في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، كأوغست كونت، وإميل دوركهايم، وكارل ماركس، وماكس فيبر، وجونديوي.وشهد هذا الفرع العلمي نهضته العلمية في أواسط القرن العشرين، وهو اليوم يتألق نضجا ويمور حركة وحيوية بين مختلف العلوم الاجتماعية .ويتجلى هذا النهوض في نمو أبحاثه الواسعة ودراساته المتواترة، التي أجريت تلبية لاحتياجات المربين في استجلاء الحركة العلميةللتربيةضمن سياقها الاجتماعي.

ويسجل هذا العلم اليوم حضورا علميا مميزا، إذ أصبح بحق، كما تنبأ له دوركهايم، «أحد أهم العلوم الاجتماعية التي تأخذ بأطراف العلاقة بين المجتمع والتربية، وتعمل على تقصي قانونية هذه العلاقة في ضوء المجهر تارة، و ضوء الشمس تارة أخرى

واستطاع علم الاجتماع التربوي أن يقدم، في البلدان المتقدمة، خدمات جليلة لشعوب تلك البلدان وسياساتها. وهو يسجل، اليوم، في الوطن العربي، انطلاقته الجادة لمجابهة مشكلات العصر ذات الطابع التربوي الاجتماعي، والإجابة عن التساؤلات التي تطرحها المسألة الاجتماعية للتربية، والتي تتمثل في جملة من المظاهر، كالانفجارالمدرسي، والبطالة المدرسية، وحاجة مجتمعاتنا الملحة إلى الكفاءات والخبرات واليد العاملة المؤهلة والتي يقتضيها عصر لا يعرف إلا منطق التطور والحركة. ومن أجل ذلك كله بدأ علم الاجتماع التربوي في الوطن العربي يسجل ملحمته الجديدة في تقديم إجابات شافية عن مشكلاتنا وهمومنا التربوية الاجتماعية، وافسهام في بناء وعي عربي متطور بالحقيقة الاجتماعية للتربية.

فالحقيقة الاجتماعية للتربية ما زالت، في إطار خصوصيتها العربية، تعاني من الغموض المعرفي؛ وهذا يعني أننا مطالبون اليوم أكثر من أي وقت آخر، بتطوير الدراسات والأبحاث ودفعهافي ميدان علم الاجتماع التربوي لاستجلاء الحقيقة الاجتماعية للتربية وبناء الوعي التربوي العربي المتكامل بحدودها وأبعادها. 

ومن أجل أن نضع في أيدي طلابنا وطالباتنا صورة علمية لمناحي هذا الفرع العلمي واتجاهاته، يأتي ذلك العمل المتواضع. وهي محاولة نأمل لها أن تكون أكثر غنى وتطورا من المحاولات السابقة التي سجلت في هذا الميدان.ومن أجل إعداد ذلك العمل، تجولنا في الحقول العالمية لذلك الاختصاص، وحاولنا أن نقدم من كل حقل باقة جميلة من معطياته وثماره، آملينأن نقدم للقارئ الكريم ما يلبي بعضا من تطلعاته العلمية في مجال اجتماعيات التربية.

ولقد حاولنا في إطار هذا العمل أن نجمع بينأمرين أساسيين ونكامل بينهما، هما: أن يكون ما يقدم عبر الفصول والمحطات المتلاحقة قادرا على تلبية حاجة الطلاب في مراحل دراستهم الجامعية من جهة، و توخينا أن يجد فيه القارئ المتخصص بعض حوافز العمل على تطوير ما جاء في متن مقولاته من أفكار وآراء من جهة أخرى.

و نأمل أن يؤدي هذا الجهد المتواضع غايته في تعريف القارئ بمجالات علم الاجتماع التربوي المتعددة، وبالمسائل المستجدة التي يطرحها في مجال العلاقة بين المجتمع والتربية، كما نأمل أن نسلط الضوء على ملامح التوجهات المنهجية والاتجاهات النظرية الجديدة لذلك الفرع العلمي، سعيا إلى المشاركة العلمية في بناء الوعي الاجتماعي التربوي في الوطن العربي الكبير. 

وفي حدود الأمل أيضا نرجو لهذا الكتاب أن يكون مقدمة متواضعة لتطوير اتجاهات العمل في هذا الميدان، كما نرجو له أن يسجل إضافة جديدة متواضعة إلى المكتبة العربية تدون نفسها إلى جانب المحاولات العلمية الرصينة في هذا المجال.

0

اترك تعليقا

* باستخدام هذا النموذج ، فإنك توافق على تخزين ومعالجة بياناتك بواسطة هذا الموقع.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قراءة المزيد