أشكاليات الدمج التكنولوجي في المؤسسة المدرسية

علي أسعد وطفة
54 مشاهدات

تتسم دراستنا هذه بطابعها التأملي وتشكل محاولة تساؤل متواضعة للكشف عن ملابسات الدور التربوي لتكنولوجيا المعلوماتية والاتصال. لقد انطلقت محاولتنا العلمية في هذه الدراسة من فكرة جوهرية قوامها أن تكنولوجيا الاتصال والمعلوماتية تمثل – كما هو حال التربية- ممارسة اجتماعية اتصالية. ومن هذه المنطلق فإن حدود الصلة بين النظامين لا يمكن أن تختزل إلي مجرد أبعاد تقنية. لقد أظهرنا في رؤيتنا للتربية على أنها نظام اتصالي، وعرفناها بأنها صورة لتكنولوجيا التفاعل الاجتماعي في مجال المدرسة، وهي عملية يعتمدها المعلمون في أداء عملهم التربوي مع التلاميذ والطلاب. ومن الطبيعي أن تتم هذه العملية التفاعلية على أساس الأدوات والأجهزة الاتصالية المتاحة التي توظف جميعها في عملية التفاعل التربوي، حيث يستخدم المعلمون هذه الوسائل والتقانات في اتجاه تعزيز فعاليتهم التربوية والتعليمية. ويضاف إلي ذلك أن هذه التكنولوجيا التفاعلية تتسم بطابع التفاعل الإنساني في المؤسسة المدرسية. فالتربية ممارسة اجتماعية اتصالية تدور خطوبها في مجالي الزمان والمكان المدرسيين حيث تهيمن علاقات الضبط والمراقبة والسيطرة، وحيث تسود معايير الحياة التربوية للمدرسة وقيمها ومعانيها. وبناء على تصوراتنا السابقة حول التفاعل التربوي في المدرسة، يمكن القول بأن التفاعل الممكن بين التكنولوجيا الاتصالية والتربية لا يتم في مجال أصم محايد أو في فضاء تكنولوجي مفرغ، بل في وسط مدرسي خليوي مقسم إلي صفوف وترتيبات زمنية ومكانية، وهو وسط مدجج بالتكنولوجيا التفاعلية التقليدية والحديثة نسبياً. ولهذا فإن التفاعل بين التكنولوجيا الجديدة والتربية المدرسية يطرح أسئلة بالغة التنوع والتعقيد حول قدرة هذه التكنولوجيا على التكيف مع الوسط المدرسي، ومدى تفاعلها مع المعارف المدرسية، ومن ثم قدرتها على التجاوب مع المعطيات الرمزية والثقافية للمدرسة، وأخيراً حول النتائج والآثار التربوية التي يمكن أن تنجم عن هذا التفاعل بين النظامين التكنولوجي والمدرسي. هذا وعندما نأخذ الاتصال بوصفه نتاجاً للممارسة الاجتماعية، فإن التكنولوجيا الجديدة لا يمكنها أن تنفصل عن كينونتها الثقافية فهي مشبعة بالمعطيات الثقافية والفكرية بوصفها تقانة اتصالية، هي بذاتها نتاج لفعاليات معرفية وعلمية بالغة التقدم والحداثة. وهذا يعني أن هذه التكنولوجيا أيضاً ليست في موقع الحياد الثقافي بل إنها منظومة رمزية من المعارف العلمية التي تفرض نفسها، وبالتالي فهي منظومة من الدلالات والمعاني الإيديولوجية لثقافة صناعية ليبرالية جدية. وهي ومهما تكن فإنها تمتلك القدرة أيضاً على الاختراق الثقافي للمدرسة وإحداث موجة من التأثيرات التفاعلية البنيوية في داخل المؤسسات التعليمية. ونحن في نهاية المطاف نعلن- بناء على المعطيات العلمية التي حققناها في هذه الدراسة – ضرورة العمل على مناقشة نسق من التساؤلات الحيوية حول هذه القضية، أهمها: ما الخلفية الأيديولوجية المحركة للتكنولوجيا الجديدة في مجال التعليم والتربية؟ وما طبيعة التواصل والتفاعل الذي تتيحه مثل هذه الأدوات في المستوي الثقافي والعلمي؟ من هم دعاة هذه التكنولوجيا ومروجيها والمدافعين عنها وعن دمجها في المدرسة؟ هذه الأسئلة بدلالاتها التأملية تدفعنا على القول بأنه يجب علينا أن نتجاوز الاهتمامات التقانية المجردة لوسائل الاتصال الجديدة وأن ننتقل في الجوهر إلي البحث عن الأبعاد الثقافية والرمزية لهذه التقانة المدججة بالمعرفة، وذلك من أجل دمج هذه التكنولوجيا بصورة عقلانية في البني والتكوينات الاجتماعية ولا سيما في المجالات الاتصالية والتفاعلية في الوسط المدرسي والتربوي. 

إشكاليات-الدمج-التكنولوجي-في-المؤسسة-المدرسية.

0

اترك تعليقا

* باستخدام هذا النموذج ، فإنك توافق على تخزين ومعالجة بياناتك بواسطة هذا الموقع.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قراءة المزيد