بين الفن والجنون !!!

علي أسعد وطفة
400 مشاهدات
locos artistas

ساد الاعتقاد قديما أن الجنون هو الحالة التي تتوغل فيها روح شريرة في داخل الجسد. وعلى الرغم من التقدم العلمي الذي أحرزته العلوم في مجال الطب والعلوم الطبيعية وعلم النفس فإن الأفكار العلمية الخاصة بالجنون ما زالت تلقى صدودا ومقاومة كبيرة، وما زال أكثر الناس يتبنى تصورات خرافية أسطورية في تفسيره للجنون ومختلف الأمراض النفسية والعقلية الأخرى.

لقد صبت اللعنة قديما على ضحايا الجنون وحرموا من العناية والرحمة الاجتماعية التي يجدها من ألمت به هذه الكارثة الروحية والنفسية. ومن هذا المنطلق كانت المجتمعات القديمة قلما تعنى بالأسباب التي تؤدي إلى الجنون بل كانت توجه الجهود وتنظم الأنشطة للقضاء على هذه الفئة الاجتماعية التي تعاني هذا البلاء. وإذا كان الرومان قد أبلوا في تحديد الأمراض النفسية والعقلية وتصنيفها فإنهم كانوا يركزون خاصة على معالجة الآثار الاجتماعية للجنون والفوضى التي يمكن أن تترتب على وجوده داخل الجماعات. ومن هذا المنطلق وسعيا إلى حماية المجتمع من الآثار السلبية لوجود المجانين في المجتمع انتشرت التصورات القديمة وشهدت نموها الكبير ولاسيما في العصر الوسيط حيث عمد الأطباء والعرّافون ورجال الدين إلى فيض من التعويذات السحرية لمعالجة الأمراض العقلية والجنون. فالجنون كما يتصور هؤلاء نتاج خطيئة ارتكبها الإنسان في حياته وحصاد إرادة شيطان في السيطرة على الكون والوجود والإنسان.

وفي عصر النهضة كان ينظر إلى المجنون بوصفه شخصا خطرا لا يختلف عن المجرمين والمنحرفين أو عن الشحاذين الذين يعيشون من التسول والذين يجب إبعادهم عن المجتمع لأنهم كانوا يصنفون بين الفئات غير الاجتماعية. وقد قدر للمجانين الذين وضعوا في السجون أن يجدوا بعض الأشخاص الذين نادوا بتحسين شروط حياتهم. ولكن هذه الإرادة الطيبة كانت تساعدهم في إطار المستشفيات وداخلها, ولم يكن لها أن تقطع في أمر هؤلاء المجانين وتحدد مصيرهم.

لقد حاول الدكتور إي EY أن يحدد الأيديولوجيا الأساسية للعملية التي يتم بموجبها استلاب المجانين وقهرهم. وهو يعتقد أن المريض عقليا هو ذلك الشخص الذي يصبح غريبا في عالمنا: إنه إنسان آخر ينتمي إلى عالم آخر. وذلك هو المنطلق الذي ترسمه بعض التصورات الأسطورية التي تنظر إلى المجنون بوصفه كائنا ينتمي إلى عالم آخر فوق طبيعي (Surnaturl).

واستطاعت الفلسفة الإنسانية الجديدة التي سادت في عصر التنوير أن تسود في النهاية وأن تؤكد ضرورة احترام الحرية الشخصية والإنسانية للمجانين والمرضى العقليين. فالمريض العقلي وفقا للفلسفة الجديدة هو الإنسان الذي فقد حريته الشخصية. ويفهم من ذلك بالتالي كيف كان المجتمع يسمح باستلاب المرضى العقليين وذلك بإبعادهم عن المجتمع بذريعة حماية الحرية والمسئولية الفردية. ويجري اليوم الحديث عن ثورة حقيقية في طرق العناية بالمرضى العقليين وفي صيغ منحهم حريتهم وكرامتهم الإنسانيتين. ولكن ذلك لا يمثل في حقيقة الأمر سوى اتجاه أو نزعة إنسانية معادية للتصورات التقليدية التي تنظر إلى المجنون وكأنه قد تملكه كائن آخر أو روح شريرة, وذلك يعني ان الاستلاب مازال قائما رغم الاتجاهات الجديدة. ومازال المجنون يعاني على حد تعبير إسكيرول Esquirol عملية إبعاد واغتراب يشمل أنماط حياته المعهودة: عن الأماكن التي يعيش فيها وعن عائلته وأصدقائه.

وقد توجب على الإنسانية أن تنتظر حتى منتصف القرن العشرين لتشهد اندلاع الثورة السيكولوجية الثانية كما يطلق عليها إي. والتي انطلقت على أساس الاكتشافات في مجال الأمراض العصبية والنفسية. حيث بدأت عملية العناية بالمصابين العقليين كأناس يعيشون داخل المجتمع وليس كأناس يبعدون عن حياتهم الاجتماعية ومناخهم الحياتي مع الآخرين. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل كان ثمة توافق بين رأي العامة والتغيرات التي أحدثها علم النفس? ذلك هو السؤال الذي يطرحه بوليسييه Pelisier إذ يحاول أن يحدد اتجاهات عامة الناس نحو مسألة الجنون.

يصف بوليسييه الجنون بأنه احتفال يحتشد فيه المهرجون والحالمون والأغبياء, هو لغز يتجلى في الشفاء المقدس, وهو تحديد خطر على مستوى الجماعة كما هي الحالة على المستوى الفردي. ويضيف إلى ذلك قائلا: هو احتفال طقوسي لأنه لغز وتهديد فالجنون يضايق الحياة الاجتماعية حيث نجد أن موقف المجتمع من الجنون يتأرجح بين التسامح والشدة, بين إعطاء المجنون حريته أو حجزها.

وفي هذا السياق, يعارض المعالجون النفسيون هذه المواقف وهم يملكون الجسارة من أجل نفي وجود أسرار أو ألغاز تتعلق بظاهرة الجنون واستبعاد وجود الخطر. وعلى الرغم من توجه العلاج النفسي لمعارضة الاتجاهات العامة فإن المعالج النفسي يتأثر إلى حد ما بالأفكار التي تحيط به وذلك هو نوع من الجدل الذي يقوم بين علم النفس والآراء العامة. ولذلك أهمية كبيرة في العصر الذي نعيش فيه. والسؤال هو: إلى أي حد استطاع علم النفس الذي يوظف وسائل الإعلام في دعايته – الراديو والتلفزيون – أن يغير في آراء الناس واتجاهاتهم نحو ظاهرة الجنون?

ما الصورة التي توجد اليوم عند الجمهور حول الجنون والإنسان الذي يعالجه? وهنا تكمن الأهمية الخاصة للدراسات البنيوية التي تريد أن تحدد مكان المرضى العقليين في داخل نظامنا الاجتماعي. وقد أجريت مثل هذه الدراسات في الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص.

وتبين هذه الدراسات أن الرؤية العلمية للجنون بدأت تسود على نحو تدريجي وبدأت الأفكار والعقائد التقليدية تتراجع أمام وجهات النظر العلمية. ومع ذلك يلاحظ أن المصابين بالأمراض النفسية يواجهون صعابا كثيرة في إطار الوسط الاجتماعي الذي يعيشون فيه. ويجب الاعتراف بوجود جملة من المظاهر المتردية التي يصعب وصفها شفويا وخاصة ردود الأفعال السلبية التي تبديها الأجيال القديمة نحو الطب النفسي.

لقد بينت الدراسات الجارية أن النساء أكثر ميلا إلى رفض الأسباب العضوية للمرض العقلي بينما أبدى الرجال رأيا معارضا لذلك. وبينما يبدي الرجال أحاسيس الخوف من المرضى العقليين فإن النساء يبدين مشاعر العطف والرقة نحوهم. وقد تبين أيضا أن الأطباء من الجنسين يأخذون اتجاهات سلبية من المعالجة النفسية وهم بذلك لا يختلفون عن عامة الناس في موقفهم هذا. وهم يعتقدون أن المرضى العقليين يمثلون خطرا على الحياة الاجتماعية وأنهم فقدوا كل القدرات العقلية, وأنه لا يمكن توقع أنماط السلوك الممكنة أو التنبؤ بها عندهم. وقد بينت الدراسات الجارية أيضا أن الجهود المبذولة في الدعاية للأفكار الحديثة حول مسألة الجنون عبر وسائل الإعلام يمكن لها أن تنعكس سلبا على الغايات التي يسعى إليها دعاة هذه الأفكار التي تجعل الجمهور أكثر قلقا إزاء المجنون. وبالتالي فإن ذلك ينعكس بالضرر على صحة المرضى العقليين.

وفي المحصلة يبدو أن المعلومات الخاصة بالمرضى العقليين ليست واحدة بالنسبة لمختلف الفئات الاجتماعية. لأن إجابات الفئات الاجتماعية غالبا ما تكون في غاية التناقض. كما يلاحظ أن الأفراد أنفسهم يغيرون آراءهم بين وقت وآخر. وفي الوقت الذي يكون فيه هناك إعلام جيد حول هذه المسألة وخاصة بين جماعات المثقفين فإن التصورات القديمة مازالت تأخذ مكان الأهمية في تفكيرهم. فهناك تعارض بين المعلومات الجيدة والموضوعية والاتجاهات التي تأخذ منحى سلبيا, حيث ينظر دائما إلى المريض نظرة خوف أو احتقار وذلك بوصفه كائنا خطراً أو كاذبا أو كائنا آخر لا أهمية له. فالجنون كالسرطان يعني بالنسبة للناس شرا وعيبا يجب أن يخفيه الإنسان.

الفن والجنون

شكلت العلاقة بين الفن والجنون تاريخيا موضوعا إشكاليا بالغ الخصوبة والتنوع وخاصة في مجالي الأدب وعلم النفس. لقد أشار فرويد وفيما بعده إبراهام كريس وبعض علماء النفس الآخرين إلى أن الفنان شخص قادر على إيجاد علاقة تعبيرية مع لا شعوره, وبعبارة أخرى قادر على إحياء طاقات نفسية خفية عند عامة الناس. وذلك ينسحب على كل أشكال الإبداع الفني منذ القرن السادس عشر حتى أيامنا هذه. وتشير بعض الملاحظات إلى أن هناك علاقة طردية بين الجنون والفن, وذلك يعني أن خصوبة الفن وحرارته مرهونتان بعمليات ذهنية مجانسة لهذه التي تفعل فعلها في حالة الجنون. وذلك يعني أن رفض النظر إلى الجنون بوصفه ظاهرة مرضية يشكل منطلق النظر إلى الجنون بوصفه نوعا من الإبداع الفني والأدبي.

يشير علماء النفس الأوائل, الذين أولوا الأعمال الفنية لمرضاهم اهتمامهم الخاص, إلى وجود علاقات ترابط بين بعض المظاهر الأدبية وبعض أشكال الجنون المحددة. ويشكل الوصف الذي قدموه لتحديد المظاهر المرضية للجنون مدعاة للسخرية والتهكم اليوم.

يذكر د.هيلموت السمات الخاصة بمرض الفصام كما يلي: نقص في الإمكانات الفكرية, غلبة نزعات اللعب, عدم القدرة على ملاحظة المبادئ الجمالية, امتلاء جمالي في العمق, استخدام عناصر كتابية مثل الأرقام والحروف, وجود فوضى تشريعية, ميل إلى الهندسة والرسم المبسط… الخ.

في هذا السياق, يلاحظ أن أي تباين مع المعيار الأكاديمي يفسر على أنه ظاهرة مرضية ومؤشر إلى وجود المرض العقلي, ووفقا لذلك المعيار فإن الفن الحديث منذ عهد مانيه وماتيس وكلي وبيكاسو يقع في إطار هذه المصائد السيكولوجية وذلك ما يشير إليه كتاب رونير الذي ظهر عام 1966.

في إطار المعرض الدولي الخامس لكاسل تم عزل أعمال أدولف ولفلي وهنريك أنتون في قطاع خاص بالأمراض السوسيولوجية, وخاصة الأعمال الأكثر أهمية وإثارة. ويضاف إلى ذلك تزويد هذه الأعمال بلوحات تشرح للآخرين أن هذه الأعمال ما هي إلا نماذج إبداعية لمرض انفصام الشخصية (Schizophrenie).

ومن المناسب هنا أن نغض النظر عن ذلك المفهوم الغامض للفن المرضي وألا نأخذ بعين الاعتبار أو بالتحديد إلا حالات الإبداع والقدرة على التفجير السيكولوجي النفسي الذي يؤدي إلى خلق فني وذلك كله مع التحفظ المبدئي بالاتهام المرضي. ويجب الاعتراف في هذا الخصوص بالجهد الذي بذله جون ديبوفيه منذ عام 1945, لتوضيح مفهوم الفن الخام والذي يعممه ليشمل الأشكال الفنية كافة مثل: الرسم, التطريز, التصوير والنحت… الخ. وهو يصوره على أنه فن عضوي ذو طابع إبداعي وهو قل ما يستند إلى الفن المألوف.إذ غالبا ما يكون هؤلاء الفنانون غرباء عن الوسط الفني المهني.

تكمن الأهمية الخاصة لمفهوم الفن الأصيل في قدرته على تحقيق التكامل بين الأشكال الفنية الإبداعية الرمزية. وهي الأشكال التي تعتقل مبدعيها وتأسرهم. ولكن ذلك المفهوم (الفن الأصيل) لا يمكن تفسيره أبدا بالعودة إلى مبدأ الأمراض العقلية. فإذا كان الاعتراف ببعض تجليات الجنون الإبداعي – وليس المرضي – في الأعمال المهمة أو في الإنتاج الفني الأصيل فإن من الغباء أن نتحدث عن (فن المجانين) بوصفهم فئة فنية متمايزة.

ويجب أن نتساءل من جديد حول مفهوم المرض العقلي. وهنا تجدر الإشارة إلى التقارب بين رأيي ديبوفيه وتوماس زاسز: إن السمة الوحيدة المشتركة لنزلاء المشافي النفسية هي أنهم كانوا يضايقون الجوار أو من يحيط بهم. ويوجد بين هؤلاء المرضى أشخاص مصابون بأمراض دماغية وراثية أو أورام سرطانية في الدماغ أي أن أمراضهم عضوية ليست نفسية في حال من الأحوال. وهم بالتالي أناس قد ناقضوا بطريقة أو أخرى العرف الاجتماعي والقيم الأخلاقية السائدة.

بعضهم تصدى للأعراف الاجتماعية بطريقة إبداعية وبطرافة وحيوية تعبيرية. وذلك يعبر في أغلب الأحيان عن ذكاء وليس عن ضعف في الملكات الأخلاقية. وتلك هي حالة عدد من مبدعي الفن الأصيل. وبالتالي فإن المقارنة بين طاقاتهم الخلاقة مع عقم من الناس العاديين يدفعنا إلى بحث مسألة معايير الصحة العقلية. وفي كل حال, ومن وجهة نظر (الفن الأصيل) لا يعود الجنون إلى حالة مرضية بل هو على خلاف ذلك يتميز بالخصوبة على مستوى التعبير وعلى مستوى المصادر النفسية الخلاقة التي توجد أحيانا على نحو كامن عند كل إنسان. والسؤال الذي يطرح نفسه في المستوى الأنثربولوجي: كيف يمكن تقييم معتوه موجود في مؤسسة خاصة للرعاية النفسية والاجتماعية, وهو راشد قادر على إبداع رسوم والقيام بأعمال النحت الفني وأعمال فنية أخرى ولكنه غير قادر على القراءة والحساب, كيف يمكن تقييمه مع آخر موهوب بطريقة أخرى وذلك في مجال التجريد اللغوي والفكري وغير قادر على التعبير الفني من أجل الوصول إلى أفضل المهن: لماذا لا يكون الأخير هو الأبله؟

إن السبب كامن في الثقافة السائدة لأن الثقافة السائدة تعلي من شأن بعض المصادر السيكولوجية مثل المنافسة التي تقوم بين التفكير التأملي والإنتاج التقني. لأنها تعلي من شأن بعض الملكات الأخرى والتي يمكن أن تحظى بقبول الرأي العام أو رفضه وذلك بحسب الثقافات السائدة. ويجب علينا هنا أن نأخذ بعين الاعتبار أن هؤلاء المنبوذين الذين يبدعون الفن قد فاتتهم, بشكل أو بآخر, العناية الاجتماعية والتربوية والثقافية وأنهم لم يستطيعوا تطوير ملكاتهم (البرية أو الخام) التي بدأنا بملاحظتها. وأنه يجب علينا في النهاية أن ننظر إلى الجنون الإبداعي بوصفه الشكل الاجتماعي الذي لا يغفر له عندما ينفلت من إطار الثقافة المكبوتة

 

0

اترك تعليقا

* باستخدام هذا النموذج ، فإنك توافق على تخزين ومعالجة بياناتك بواسطة هذا الموقع.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قراءة المزيد