مأزق الهوية الثقافية في الخليج العربي

علي أسعد وطفة
901 مشاهدات
الهوية الثقافية في الخليج العربي

في عالم يفيض بالتحول، ويتدفق بالتغير. في عالم أثقله التقدم، وأثخنته جراح الحضارة المادية، يكتسب سؤال الهوية الثقافية مشروعيته الحضارية. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: كيف يمكن للهوية الثقافية في الخليج العربي أن تواجه التغيرات الكبيرة التي تفرضها حداثة محمَّلة بعوامل الجدة والابتكار؟ هل تستطيع الهويات الوطنية والثقافية المحلية في هذه المنطقة أن تصمد في وجه التحديات الصارخة للعولمة؟ وبعبارة أخرى هل تتجه الهويات الثقافية التراثية في دول الخليج إلى التراجع والانحسار إزاء الحضور المكثف والمدمر لثقافة العولمة؟ وهل يمكن للهويات الثقافية في هذه البلدان أن تحافظ على وجودها وكيانها وتستمر في الوجود جنبا إلى جنب مع ثقافة العولمة؟

يمكن القول بأن بلدان الخليج تقدم مثالا  واضحا لتأثير الحداثة في مختلف التكوينات الثقافية والاجتماعية، فالعواصم الخليجية تمثل أنموذجا فريدا لهيمنة العولمة بمختلف مظاهرها وتجلياتها الثقافية والعمرانية، حيث لا يمكن التمييز بين مظاهر الحياة في العواصم العربية في دول الخليج وبين العواصم الغربية من حيث الحضور الكاسح لمختلف مظاهر العولمة في مختلف مناحي الحياة والوجود.

وهذا يعني أن بلدان الخليج تتعرض لمدّ العولمة وإشعاعاتها الثقافية مما يشكل تهديدا حقيقيا للهويات الثقافية الوطنية. فالعولمة تفرض حضورها حتى في أدق الخصوصيات الثقافية التي تحاول فيها هذه البلدان تعزيز هويتها وحضورها. وليس أدل على ذلك من حضور العولمة المكثف في العمليات التي تستهدف تأصيل وتعزيز مواقع الثقافة الوطنية وتمكين الهوية
الثقافية الوطنية.

ومن يتأمل في المحاولات الثقافية لعمليات إحياء التراث والثقافة الوطنية وتأكيد الخصوصية الثقافية في دول الخليج سيجد أن الاختراق الثقافي للعولمة كبير جدا، لأن العمليات الإحيائية للثقافة الوطنية تتم بروح عولميّة، بمعنى أنها تعزز ثقافة العولمة وتستند إليها في الوقت الذي أريد لها أن ترسخ الخصوصية الثقافية الوطنية وتؤكد الهوية الذاتية لهذه المجتمعات.

التحديات الكبرى التي تحاصر الهوية الثقافية الوطنية وتستهدفها، وأبرزها تحديات التعصب والفئوية وانبعاث الهويات الصغرى وانحسار اللغة العربية وتراجع التراث وانهيار القيم الثقافية. ويعد التعصب من أكثر التحديات التي تفرضها العولمة خطورة في حياتنا الثقافية، وذلك لأن التعصب حالة من الاستكبار والانغلاق والجمود تدعو إلى نبذ الآخر وإقصائه وتصفيته انطلاقا من منطلقاته المقدسة التي لا تقبل النقد أو الجدل. ويمكن القول في هذا السياق إن العولمة في استهدافها للثقافات الوطنية تعمل على تفكيكها وتدمير مقومات وجودها، ومن هذا المنطلق تعمل على توظيف التعصب أداةً فعّالة وفاعلة في عملية التدمير الثقافي للهويات الوطنية. وفي هذا المسار استطاعت العولمة، في العقدين الأخيرين من الزمن، إيقاظ
مختلف النزعات التعصبية الدينية والعرقية والمذهبية في المنطقة العربية والخليجية تحديدا. وتحت تأثير هذه التغذية الثقافية المضادة للهويات الوطنية بدأت ظاهرة التعصب تأخذ مكانها في الحيّز الثقافي في دول الخليج العربي. وبدأت هذه الظاهرة تتصف بالعمق والشمول والقوة والتنوع حيث تشكل حياتنا الاجتماعية متحفا فريدا من نوعه يتضمن كل أشكال التعصب وفنونه ودينامياته، ونحن تحت تأثير ثقافة العولمة أصبحنا أغنى شعوب الأرض وأثرى الأمم في مجال التعصب المذهبي والفكري والديني.

ولأن الإعام العربي في المنطقة يرتسم على صورة العولمة ذاتها فإنه ومع الأسف الشديد يقوم بتعزز النزعات الطائفية والقبلية والعرقية والإثنية. وقد تحول الإنترنيت اليوم كوسيلة إعلامية إلى أداة مخيفة لنشر التعصب في المنطقة. ومن يطالع ما ينشر ويبث عبر الأنترنيت سيجد ما يشيب له شعر الرأس من نشر للقيم الطائفية والعشائرية والتعصب والمذهبية ومن الغرابة بمكان أن توظف وسائل الإعلام هذه كوسيلة جديدة وجدية في نشر قيم التطرف والتعصب والتمذهب.

وفي نسق التحديات الثقافية للعولمة في الخليج تواجه اللغة العربية انحسارا لا مثيل له في تاريخ العروبة والإسام، واللغة العربية لا تعاني فقط من الإهمال وإنما تعاني من عدوان منظم داخلي وخارجي، فهناك من يريد في مستوى الداخل والخارج إضعاف هذه اللغة وإخراجها من دائرة التداول الثقافي. وقد عملت ثقافة العولمة على توليد اتجاهات سيكولوجية واجتماعية مناهضة للغة العربية حتى عند الطلاب. ففي دراسة استطلاعية أجريناها بين طلاب جامعيين حول اتجاهاتهم نحو اللغة العربية أعلن % 89 من الطلاب المستفتين أنهم لا يرغبون باللغة العربية الفصحى لغة للتدريس، وهذا الاتجاه يدل دلالة فاضحة على التحدي الكبير الذي تواجهه اللغة العربية في ظل العولمة ومعها حيث تشكل اللغة العربية أحد أهم مقومات الهوية في الخليج العربي.

وتأخذ التحديات التربوية مكانها في نسق التحديات التي تفرضها العولمة في المنطقة. فالمؤسسات التربوية تواجه خطر العولمة بوضوح، فالمؤسسات التربوية في الخليج تقوم اليوم في ظل العولمة بإنتاج وإعادة إنتاج قيم العولمة وتكريس مفهوم الهويات الصغرى وذلك بحكم التواصل العولمي بن هذه المؤسسات والمجتمع. وبعض الدراسات تؤكد انتشار التعصب بأشكاله المختلفة بين صفوف الطلاب والمربين وهذا يعني بأن التركيز على مبدأ التربية على المواطنة قد أصبح ضرورة حيوية في بنية الأنظمة المدرسية القائمة في دول الخليج العربي.

ولا يفوتنا الخلل الكبير الذي أحدثته العولمة في منظومة القيم الثقافية التقليدية التي تحض على التماسك وترسيخ الفضيلة وتقديم رؤية متوازنة للكون تقوم على أساس أخلاقي. فالعولمة تبث اليوم قيم الربح والقوة والعنف والتعصب والأنانية والفردانية وهي في مجملها قيم مضادة للجوانب الإنسانية في الثقافة التقليدية التي عرفتها الأمة عبر تاريخها الطويل.

فن المواجهة:

ليس غريبا على أحد ما أفرزته العولمة من ردود فعل ثقافية وسياسية في الخليج العربي، إذ نجد أنفسنا إزاء هذه المعضلة أمام تيارين أحاهما مرّ، حيث أفرز حضور العولمة الكاسح  موقفين رئيسين: أحدهما يدعو إلى الذوبان في العولمة وتبني مقولاتها والانقطاع عن التراث والهوية الوطنية، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه نزع الهروب إلى الأمام. أما الموقف الآخر فيتمثل في موقف آخر نكوصي يدعو إلى رفض العولمة ثقافيا والانكفاء على الذات والنكوص إلى التراث والتمترس في حصون الأصول ومكامن السلف والآباء والأجداد ، وهي حالة من الهروب إلى الخلف.

ومن الواضح تماما أن الاتجاهن يفتقران إلى المشروعية التاريخية، وأن كلا منهما يزيد في تضاعيف الإشكالية ويكثف دلالة الأزمة الوجودية في التعامل مع العولمة والهوية أيضاً، فالهروب إلى الأمام أي العمل على تبني ثقافة العولمة والانقطاع عن التراث والماضي يؤدي إلى الذوبان والتاشي في زبد العولمة والضياع في متاهاتها، كما أن الهروب إلى الخلف أي رفض العولمة كليا والانقطاع إلى التراث والنكوص إلى الماضي التليد والسلف الصالح يؤدي إلى التجمد والتبلور على الذات حتى الانفجار والضياع الأبدي.

وبرأينا أن العولمة نار تستعر إن اقتربت منها أكثر من اللازم ذبْتَ فيها وتلاشيت، وإن ابتعدت عنها أكثر مما يجب تجمدت في الظام ، وهذا يعني أنه على العرب عموما وأبناء الخليج  خصوصا الكشف عن طريقة تمكّنهم من تحديد المسافة الفاصلة بين الحداثة والأصالة واستكشاف المنطقة التي تمكنهم من الحصول على دفء العولمة دون الذوبان فيها أو التجمد من غيرها. وهذا يعني أنه علينا أن نتخذ المدار الحقيقي الذي يكفل لنا ضياء العولمة ودفئها دون أن نذوب فيها، وهي المنطقة التي ننعم فيها بطاقة التراث وحيوية الماضي دون أن ننجرف في تياراته البعيدة المتجمدة، وهذا يكون بابتداع أساليب حضارية جديدة تحقق لنا التوازن بين نبضة العولمة بحداثتها الجديدة وإيقاعات التراث التليد بمضامينه الإنسانية والأخاقية. ومن أجل هذه الغاية الحضارية يمكن الاستفادة من التجارب الحضارية للدول التي حققت تقدما حضاريا هائلا كالصين واليابان ودول جنوب شرق آسيا التي حافظت على هويتها دون الذوبان في العولمة ودون الوصول إلى حالة الجمود في ظلام التاريخ المتجمد.

في خلاصة هذه الدراسة نقول بأن مصير الهويات الثقافية في دول الخليج العربي يرتهن بالقدرة على بناء هويات ثقافية وطنية أصيلة قادرة على استنهاض القيم الديمقراطية التي تشكل الطاقة الحقيقية لاستنفار كل القوى الاجتماعية في عملية التنمية الاجتماعية الشاملة. والمهمة الأساسية هي إيجاد نسق من الحلول التاريخية لنسق من التحديات يتصدرها تحدي التعصب الطائفي والقبلي وبزوغ الهويات الصغرى، وهنا لا بد للمجتمعات الخليجية من العمل على تفريغ الهويات الصغرى من شحنة التعصب وتحقيق مبدأ الانفتاح والمرونة بن هذه الهويات المتنافرة وتحقيق المصالحة الوطنية بينها ومن ثم الإعلاء من شأن الهوية الوطنية أي الهوية التي تقوم على مبدأ المشترك في الأرض والإنسان والإرادة والحق والقانون.

مجلة الهوية الغرسة 99 (نوفمبر – ديسمبر 2019)
0

4 تعليقات

علي أسعد وطفة
علي أسعد وطفة 9 ديسمبر، 2020 - 4:00 م

jhflhjf piy p8yiñ 8rp yp

الرد
علي أسعد وطفة
علي أسعد وطفة 9 ديسمبر، 2020 - 4:00 م

في خلاصة هذه الدراسة نقول بأن مصير الهويات الثقافية في دول الخليج العربي يرتهن بالقدرة على بناء هويات ثقافية وطنية أصيلة قادرة على استنهاض القيم الديمقراطية التي تشكل الطاقة الحقيقية لاستنفار كل القوى الاجتماعية في عملية التنمية الاجتماعية الشاملة. والمهمة الأساسية هي إيجاد نسق من الحلول التاريخية لنسق من التحديات يتصدرها تحدي التعصب الطائفي والقبلي وبزوغ الهويات الصغرى، وهنا لا بد للمجتمعات الخليجية من العمل على تفريغ الهويات الصغرى من شحنة التعصب وتحقيق مبدأ الانفتاح والمرونة بن هذه الهويات المتنافرة وتحقيق المصالحة الوطنية بينها ومن ثم الإعلاء من شأن الهوية الوطنية أي الهوية التي تقوم على مبدأ المشترك في الأرض والإنسان والإرادة والحق والقانون.

الرد
علي أسعد وطفة
علي أسعد وطفة 9 ديسمبر، 2020 - 5:16 م

في خلاصة هذه الدراسة نقول بأن مصير الهويات الثقافية في دول الخليج العربي يرتهن بالقدرة على بناء هويات ثقافية وطنية أصيلة قادرة على استنهاض القيم الديمقراطية التي تشكل الطاقة الحقيقية لاستنفار كل القوى الاجتماعية في عملية التنمية الاجتماعية الشاملة. والمهمة الأساسية هي إيجاد نسق من الحلول التاريخية لنسق من التحديات يتصدرها تحدي التعصب الطائفي والقبلي وبزوغ الهويات الصغرى، وهنا لا بد للمجتمعات الخليجية من العمل على تفريغ الهويات الصغرى من شحنة التعصب وتحقيق مبدأ الانفتاح والمرونة بن هذه الهويات المتنافرة وتحقيق المصالحة الوطنية بينها ومن ثم الإعلاء من شأن الهوية الوطنية أي الهوية التي تقوم على مبدأ المشترك في الأرض والإنسان والإرادة والحق والقانون.

الرد
علي أسعد وطفة
علي أسعد وطفة 9 ديسمبر، 2020 - 5:16 م

وبرأينا أن العولمة نار تستعر إن اقتربت منها أكثر من اللازم ذبْتَ فيها وتلاشيت، وإن ابتعدت عنها أكثر مما يجب تجمدت في الظام ، وهذا يعني أنه على العرب عموما وأبناء الخليج خصوصا الكشف عن طريقة تمكّنهم من تحديد المسافة الفاصلة بين الحداثة والأصالة واستكشاف المنطقة التي تمكنهم من الحصول على دفء العولمة دون الذوبان فيها أو التجمد من غيرها. وهذا يعني أنه علينا أن نتخذ المدار الحقيقي الذي يكفل لنا ضياء العولمة ودفئها دون أن نذوب فيها، وهي المنطقة التي ننعم فيها بطاقة التراث وحيوية الماضي دون أن ننجرف في تياراته البعيدة المتجمدة، وهذا يكون بابتداع أساليب حضارية جديدة تحقق لنا التوازن بين نبضة العولمة بحداثتها الجديدة وإيقاعات التراث التليد بمضامينه الإنسانية والأخاقية. ومن أجل هذه الغاية الحضارية يمكن الاستفادة من التجارب الحضارية للدول التي حققت تقدما حضاريا هائلا كالصين واليابان ودول جنوب شرق آسيا التي حافظت على هويتها دون الذوبان في العولمة ودون الوصول إلى حالة الجمود في ظلام التاريخ المتجمد.

الرد

اترك تعليقا

* باستخدام هذا النموذج ، فإنك توافق على تخزين ومعالجة بياناتك بواسطة هذا الموقع.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قراءة المزيد