قراءة في كتاب ضمان الجودة في الجامعات العربية

 

إعداد أ.د.علي أسعد وطفة

كلية التربية – جامعة الكويت

 

يشكل موضوع جودة التعليم العالي، في زمن الاختناقات الاجتماعية والتصدعات الحضارية، واحدا من أكثر الموضوعات التربوية إثارة للمناقشة والحوار والجدل. فالتعليم العالي في المجتمعات العربية ينبثق من واقع التخلف ويرتبط بأرومته الاجتماعية، وهو في الوقت الذي يحاول فيه أن يتجاوز بنية التخلف التي ينتمي إليها، يجد نفسه بداية أمام متطلبات البحث عن عوامل الانطلاق الذاتية التي تمنحه القدرة على الانفلات من أسر التخلف الاجتماعي الشامل، وتعطيه القدرة الحيوية على وضع المجتمع في مداره التنويري. وإذا كان التعليم العالي في الوطن العربي يريد أن يمارس دوره التاريخي في تجاوز محنته أولا، والانفلات من أسر أرومته الاجتماعية المتخلفة ثانيا، فإنه يتوجب عليه أن يجد محور دورانه الخاص لتكوين الجاذبية المؤثرة في ذاته وفي حاضنه التاريخي.

 إن المحور الذاتي، لانطلاق التعليم العالي والجامعي نحو آفاقه الحضارية، يجب أن يرتسم في التكوينات الذاتية لهذا التعليم ؛ وفي هذا السياق يمكن القول بأن جودة التعليم العالي تشكل محور الانطلاق الذاتية بالنسبة للجامعات العربية ولمؤسسات التعليم العالي. وتأسيسا على ما تقدم يمكن القول بأن مفهوم جودة التعليم يشكل اليوم مفهوما مركزيا في أدبيات التربية وعلم الاجتماع التربوي، وبالتالي فإن هذا المفهوم يغطي مختلف الديناميات التربوية والفعاليات العلمية في مجال التعليم الجامعي والعالي. وقد شكل هذا المفهوم خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين محورا للجدل واللقاءات الفكرية والأبحاث العلمية التي تتقصى مستويات الكفاءة والفاعلية والأداء لمؤسسات التعليم العالي وغيرها من المؤسسات التربوية والاجتماعية الأخرى. ومن هذا المنطلق يمكن القول بأنه يتوجب على السياسات التربوية في العالم العربي أن تبحث عن خطوط وارتسامات الجودة في التعليم العالي كقوة تنويرية هائلة جاذبة تنطلق بالجامعات نفسها وبالمجتمعات التي تحتضنها في آن واحد.

وإنه لمن البداهة بمكان، أن نقرّ بأن التعليم العالي في العالم العربي، يمر في مرحلة من التحولات المصيرية في مختلف مجالات الحياة وميادينها، وهو في دورة التحديات التي يواجهها يعيش وضعيات تاريخية صعبة ومعقدة التكوين، تدفعه خارج مدار الدور الحضاري الذي يجب أن يحققه. فهناك فيض متدفق من المشكلات والتحديات التي يواجهها التعليم العالي والجامعي في العالم العربي. وهذه التحديات المصيرية والإكراهات الحضارية التي تحاصر مؤسسات التعليم العلي تنأى به عن دوره الحضاري والتنويري الفاعل في عصر العولمة والميديا، فالتعليم العالي يعاني كبقية المؤسسات المجتمعية حالة تصدع في بنيته ودوره ووظيفته وقدرته على المناورة والمشاركة والتأثير في الحياة المجتمعية في اتجاه النقلة الحضارية لمجتمعات محاصرة بالتخلف والتدهور ومدانة بالقصور.

وفي دائرة هذا الوضعية الحضارية للتعليم العالي المثقلة بالحصار والضغط والإكراه تتصدى الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية لمسألة التعليم الجامعي في العالم العربي وقضاياه. ومن منطلق الدور الحضاري والثقافي الذي تمارسه هذه الهيئة أطلقت كتابها السنوي الخامس تحت عنوان " ضمان الجودة في الجامعات العربية " (Quality Assurance in Arab University)، وهو يتضمن نسقا من الأبحاث العلمية الجادة الراصدة لقضايا الجودة والأداء والفعالية التربوية والأداء الأكاديمي لأنظمة التعليم الجامعي والعالي في الوطن العربي.

ففي دائرة التنبيه الحضاري لأهمية التعليم العالي، ودوره في نهضة المجتمعات العربية، استنهضت هذه الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية همم المفكرين والباحثين العرب من مختلف المشارب والمواطن والانتماءات واستلهمت طاقتهم التحليلية والعلمية، لتحليل التكوينات البنيوية والمجتمعية للتعليم العالي والجامعي في العالم العربي دورا ووظيفة وتأثيرا وجودة. وفي دائرة هذه المناشدة العلمية تجاوبت صفوة منتخبة من المفكرين للنداء فشمروا السواعد بحثا ونقدا وتحليلا لوظيفة التعليم الجامعي والعالي ومستويات جودته وقدرته على المناورة التاريخية في اتجاه العمل على صوغ البناء الحضاري للإنسان العربي والمجتمعات العربية في دورة الحضارة الإنسانية في ألفيتها الثالثة. وانقطعت هذه الصفوة إلى العمل العلمي الفعال لتقديم صورة علمية لواقع الجودة وضماناتها في التعليم العالي من منطلق راسخ هو بأن تطوير هذا التعليم والانتقال به من حالة الاحتقان والتصدع تستوجب بالضرورة دراسته وتحليله ووضع الاستراتيجيات الناظمة لحركته ووظيفته الحضارية.

هذا و يشكل الكتاب الخامس من إصدارا الهيئة اللبنانية حول جودة التعليم صورة إستراتيجية بنيوية متقدمة في معالجة الدور الحضاري للجامعات العربية عبر محور الجودة العلمية. فالمواد التي يتضمنها تشكل بتناسقها وتناظمها وتنوعها وجاذبيتها ودقتها العلمية صورة واقعية مؤلمة وطموحة في الآن الواحد للكشف عن قانونية التعليم الجامعي والعالي وتحديد إمكانياته وديناميات تفعيله في اتجاه المشاركة الحضارية في بناء الأمة والوطن على مدارج الفعل الحضاري والمشاركة الواعدة في مسار النقلة الحضارية للإنسانية جمعاء.

وليس في قولنا من مبالغة أو مراوغة إذا قلنا بأن جماع الأعمال التي قدمت في هذا الكتاب تشكل مشروعا علميا ومعرفيا شامخ القامة بما تضمنه من دراسات وأبحاث ومقولات ومعالجات جمعت بين النظرية والتطبيق وشملت مختلف مستويات التعليم العالي والجامعي في العالم العربي. والباحثون الذي تصدوا للمشاركة في دراسة مسألة الجودة وتشخيص مشكلات وتحديات التعليم العالي والجامعي يمثلون صفوة علمية ونخبة فكرية متميزة يشهد بالقدرة والاقتدار على معالجة واقع التعليم العالي وتشخيص مكوناته وعوامل ضعفه وعناصر انطلاقه.

ومما لا ريب فيه أن هذا الكتاب يشكل نقلة ريادية في مجال الدراسة العلمية لواقع التعليم العالي في الوطن العربي فهذا الكتاب الضخم يقع في يقع الكتاب في أربعمائة وثمانية وعشرين صفحة من القطع الكبير، ويتضمن ستة عشر فصلا موزعة في ثلاثة أقسام، تضم جهودا علمية رصينة لاثني عشر مفكرا وباحثا من الباحثين المتخصصين والمعروفين بأبحاثهم العلمية والفكرية المميزة في مجال التعليم العالي وغيرها من المجالات الأكاديمية المتصلة بها.

لقد وزعت الأقسام والفصول والأبحاث في هذا الكتاب بصورة منهجية تنم عن وضعية منهجية بالغة الرشاقة والجمال في تحقيق التكامل المنشود بين الأسس النظرية لمفهوم الجودة وممارساته وتطبيقاته في مختلف الجامعات العربية. لقد كرس القسم الأول من الكتاب لمناقش الأسس النظرية لمفهوم الجودة بتجلياته المختلف في المجتمعات العربية والغربية. بينما خصص القسم الثاني لعرض التجارب العربية في مجال جودة التعليم العالي فيما خصص القسم الثالث والأخير لعرض التجليات الميدانية للدراسات العلمية الجارية في هذا الميدان. وسنعمل فيما يلي على تقديم عرض موجز ومختصر لأهم القضايا الفكرية التي طرحتها الدراسات المختلفة التي تضمنها هذا الكتاب.

والكتاب يقدم نفسه بلغة علمية بسيطة ورصينه سلسلة، تشد القارئ وتشوقه إلى المتابعة والتقصي، وقد بذلت جهود كبيرة في طباعته وإخراجه إلى عالم القراء بحلة طباعية مميزة. وقد روعيت في الكتاب الأصول العلمية الأكاديمية وتم تزويد الباحثين بوثائق ومراجع مُؤسِّسة للبحث في هذا المجال باللغتين الفرنسية والانكليزية، وقد زُود الكتاب بالإضافة إلى ذلك بملخصات للأبحاث الواردة فيه باللغتين الفرنسية والانجليزية الأمر الذي يعزز القيمة العلمية للكتاب.

يستعرض الأستاذ الدكتور عدنان الأمين في مقدمة الكتاب السياق التاريخي والعلمي لمسألة ضمان جودة التعليم في مؤسسات التعليم العالي، ويؤكد على أهميتها وضرورتها التاريخية. ثم يتطرق إلى دلالة المفهوم وتعيناته وإسقاطاته العلمية في مختلف الأدبيات التربوية العالمية، وينتقل به من دائرة الغموض إلى مقامات الوضوح الإجرائي والوظيفي في مختلف توظيفاته العلمية على تنوع الثقافات. وفي هذا السياق يقارن بين مفهوم ضمان الجودة الشائع في الأدبيات البريطانية وبين المفهوم الأمريكي للاعتماد الأكاديمي وينظر في وشائج العلاقة بين المفهومين. وهو في هذا السياق يستعرض التعريف السائد في الولايات المتحدة للاعتماد الأكاديمي بوصفه " سيرورة في مراجعة النوعية من الخارج، تستعمل في التعليم العالي لتفحص الكليات والجامعات و البرامج من أجل ضمان الجودة و تحسين النوعية ".

ويبين الأمين في مقدمته هذه بأن المعايير التقييمية تختلف كما و نوعا أيضا باختلاف الهيئة القائمة على ضمان الجودة حيث " تصدر الأحكام على مؤسسات التعليم العالي في أربع مستويات، أقلها "فشل" في تحقيق معاييرها و أهدافها، و يليها "مصادقة" ثم "مصادقة" فـ"مصادقة مع ثناء" و " نموذجية ".

ويشدد الأمين على دلالتين في مفهوم الجودة، فالجودة في دلالتها الأولى تشمل كل عملية منظمة لتفحص النوعية بناء على لائحة من المعايير المتفق عليها على المستوى الوطني أو الإقليمي أو الدولي ، وتغطي هذه المعايير كافة مكونات النوعية في المؤسسة التعليمية المعنية؛ أما الدلالة الثانية للجودة فإنها تتجلى في التقييم الذاتي الذي يفضي إلى التأكد من وفاء المؤسسة التعليمية بما هو مطلوب منها وفق المعايير المحددة.

وكما يقول الأمين في مقدمة هذا الكتاب " إنه يبقي باب التفكير في موضوع ضمان الجودة مفتوحا على مصراعيه، كما أنه يقدم لنا إطلالة فاحصة على المشهد العربي تستند على دراسات علمية موثقة من لبنان و مصر و الأردن و المغرب و السودان، ومن خلال تلك الدراسة نجد من يطبق النموذج البريطاني أو النموذج الأمريكي أو النموذج الفرنسي أو بعضهم من رغب عن تلك النماذج وقدم عليها طريقة لا تستند الى أي تجربة سابقة أو نموذج أو حتى من دون معايير".

يدور القسم الأول من الكتاب حول الأطر النظرية لجودة التعليم في تجليات التجربة العالمية والعربية ويتضمن هذا القسم فصلان ومبحثان لرمزي سلامة ومنير بشور.

 في الفصل الأول من هذا القسم يطالعنا الدكتور رمزي سلامة وهو باحث متخصص في التعليم العالي لمنظمة اليونيسكو بدراسة حول " ضمان جودة في التعليم العالي: الأطر النظرية و العملية و نماذج من التجارب العالمي"، يتناول الباحث في هذه الدراسة مختلف الأسس النظرية لمفهوم الجودة في التعليم العالي، وهو إذ يقدم تصورا تاريخيا عن نشأة هذا المفهوم وتجلياته، فإنه يخوض في آليات اشتغاله وديناميات حركته في نسق التعليم العالي في الغرب ؛ ثم يباشر العوامل الداخلية و الخارجية المؤثرة في عملية ضمان الجودة، وهو في سياق عرضه، يستلهم تجارب عدد كبير من الدول الغربية في مجال التعليم العالي، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية و فرنسا و هولندا، ويبين لنا أن أغلب الدول الغربية تشرف مباشرة على ضمان الجودة في التعليم العالي والجامعي. وهو عبر الملاحظات المنهجية التي يقدمها يبين لنا أهمية التقييم الذاتي لمؤسسات التعليم العالي كعنصر أساسي في تجويد التعليم وتحسين الأداء، حيث يبين أيضا أهمية التقييم الخارجي الذي يولد إحساسا متناميا بالمسؤولية الدافعة إلى مزيد من الازدهار والتكامل في دور ووظيفة هذه المؤسسات.

وفي الفصل الثاني يطالعنا الباحث الدكتور منير بشور الأستاذ في الجامعة الأمريكية في بيروت بدراسة له حول " ضمان الجودة في التعليم العالي في البلدان العربية: نظرة إجمالية". وفي هذه الدراسة يعالج بشور الجهود التي تبذلها الحكومات و الجامعات و المنظمات العربية في موضوع ضمان الجودة، ويستعرض انجازات مكتب التربية العربي لدول الخليج، و المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم، و اتحاد الجامعات العربية و برنامج الأمم المتحدة للإنماء، ثم يجري مقاربات منهجية لتجارب الجودة في التعليم العالي في عدد من الدول العربية ولاسيما في لبنان والأردن وفلسطين ومصر والسودان وعمان والإمارات العربية المتحدة. وفي دائرة هذه المقاربة يجتهد الباحث في الكشف عن المفارقات الفاصلة بين النظرية والطموح والواقع. ويظهر في كثير من المحطات التي يبحثها عن مظاهر الهامشية لممارسات الجودة في التعليم العربي، وعن مظاهر الضعف والقصور في التكوينات الإدارية والمؤسسات والهيئات المعنية بمسألة الجودة في التعليم العالي. فالهيئات والأجهزة المختصة في هذا الشأن غالبا ما تكون صورة مفرغة المعاني وصيغا شكلية تفتقر إلى الدلالة والمعنى. وبعبارة أخرى تشكل هذه الأجهزة المعنية بالجودة في أغلبية الجامعات العربية المدروسة صورة أجهزة و دوائر حكومية كابحة لعملية التجويد في التعليم حيث يقتصر دورها على مراقبة المؤسسات العليمة الخاصة والترخيص لها بآليات إدارية حكومية بالغة الشكلية.

ويشير بشور في دائرة هذه الدراسة النقدية إلى مثالب ضمان الجودة التي تعتمدها كثير من الجامعات العربية باعتماد معايير مستجلبة أو اللجوء إلى التوأمة السلبية مع الجامعات الأجنبية التي تؤدي إلى حالة استنساخ كاملة للنماذج الغربية, ويبين في كثير من الطروحات أن معايير الجودة تستورد وتنقل بصيغها الشكلية الغربية دون أن تؤخذ خصوصيات البيئة الحاضنة بعين الاعتبار. وهو في هذا السياق ينادي بأهمية العمل على توطين معاير الجودة ومواءمتها مع البيئة العربية لخدمة أهداف التعليم وغاياته المرسومة.

ويتضمن القسم الثاني من الكتاب تسعة فصول مكافئة لتسعة أبحاث، تبدأ بالفصل الثالث وتنتهي بالفصل الحادي عشر، حول تجارب الجودة في التعليم العالي الجامعي في العالم العربي.

في الفصل الثالث من القسم الثاني يستعرض الأستاذ الدكتور وضاح نصر (الوكيل المشارك للشئون الأكاديمية في الجامعة الأمريكية في بيروت)، نظام الاعتماد الأكاديمي المعتمد في الجامعة الأمريكية في بيروت، فالجامعة الأمريكية في بيرون تعتمد نظام الاعتماد الأكاديمي السائد في الجامعات الأمريكية وبالتالي فإن هذا النظام الأكاديمي أثبت فاعليته وجدارته. وبعد أن يسوغ معايير الاعتماد الأكاديمي الأمريكي، يبين الباحث أن الاعتماد الأكاديمي المطبق في الجامعة الأمريكية في بيروت يهدف إلى ضمان الجودة و التفوق و التميز في الأداء أو والمخرجات. ويؤكد في سياق دراسته أن تجربة الاعتماد الأمريكية تحقق نجاحها في استقلالية نظام الاعتماد و مؤسساته عن الدولة. ويبدي الباحث تخوفه من تسييس التعليم العالي ويعرض الأصوات التي تطالب الحكومات العربية بمراقبة مؤسسات التعليم العالي. وهو في هذا السياق يؤكد على استقلالية نظام الاعتماد الأكاديمي في مؤسسات التعليم العالي ويطالب بأن تكون مؤسسات التعليم العالي مستقلة على النحو الذي نجده في مستوى القضاء لضمان نزاهة وجودة وفعالية هذ التعليم بمؤسساته الجامعية.

وفي الفصل الرابع من هذا الكتاب تطالعنا دراسة الدكتور جوزف بشارة الأستاذ في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية حول " تجربة التقييم الذاتي في الجامعة اللبنانية "، حيث يقدم الباحث في هذه الورقة عرضا منهجيا لتجربة التقييم الذاتي في الجامعة اللبنانية، ويتناول عمليات التقييم الذاتي وديناميات الاعتماد الأكاديمي في الجامعة اللبنانية. ويتضح أن الباحث قد استند إلى دراسات ميدانية تمّ فيها استجواب عينة من المدرسين والعاملين في الجامعة واستطاع عبر دراسته هذه أن يتعرض لمختلف الكيفيات والوضعيات التي تتصل بجودة التعليم وديناميات الاعتماد الأكاديمي في الجامعة اللبنانية.

وفي الفصل الخامس يستعرض الأستاذ الدكتور حسين إبراهيم أنيس (نائب مدير الجامعة العربية المفتوحة للبحث و التخطيط و التطوير) دراسة له بعنوان " ضمان الجودة في الجامعة العربية المفتوحة "، حيث يتناول واقع الاعتماد الأكاديمي والجودة الأكاديمية في الجامعة العربية المفتوحة ويتطرق إلى العناصر الأساسية البنيوية للجودة حيث يستعرض واقع الطلاب والبرامج التعليمية والهيئة التعليمية و مراكز التعلم والإدارة الأكاديمية، ثم يحدد أهم مؤشرات الأداء و آليات ضمان الجودة. ويركز في هذا السياق على شيوع مناخ الجودة في الجامعة، وفعالية التغذية الراجعة واتخاذ التدابير المؤدية إلى تحسين أوضاع الجامعة، وفي المقابل ذكر أن الصعوبات التي واجهت هذه التجربة تتمثل في نقص وعي العاملين في الجامعة بموضوع الجودة وضمانها، ونقص المتطلبات المالية لتنفيذ آليات ضمان الجودة في الجامعة.

وقد أفرد الفصل السادس للبحث المشترك للدكتورة فخيتة الرجراجي والدكتوره عواطف السايح الأستاذتين في جامعة محمد الخامس. ويتناول بحثهما " تجربة جامعة محمد الخامس-أكدال، في تقييم جودة التعليم العالي". في هذا البحث تستعرض الباحثتان تجربة جامعة محمد الخامس أكدال في مجال التقييم الأكاديمي الذي قامت به - بإشراف برنامج الأمم المتحدة للإنماء- وذلك لتحسين ضمان الجودة وتقييم البرامج. ويعد هذا التقييم في الأداء مستجدا في الجامعة و هذا ما يفسر بعض صعوبات التجربة، ومنها غياب البيانات الجامعية المطلوبة في نماذج التقييم الذاتي، وقد أدى غياب هذه المعلومات إلى تردد بعض أفراد هيئة التدريس في المشاركة و الإجابة عن الأسئلة.

وقد أظهر التقييم الخارجي أحكاما ايجابية فيما يتعلق بمستوى الدراسة و طرائق التعليم لكنه أظهر غيابا شبه تام لآليات ضمان الجودة و تحسينها، وترى الباحثتان أنه لابد من نشر ثقافة التقييم في الجامعات ليستطيع العاملون في الجامعة التعرف على معطيات الفعالية الأكاديمية التي يؤدونها في وسطهم الأكاديمي، لأن وضوح رؤية عضو هيئة التدريس ووعيه بما يقوم به يسهم ايجابيا في ضمان الجودة واستمرارها.

وفي الفصل السابع، يتصدى الدكتور تيسير النهار النعيمي (الأستاذ في جامعة البلقاء التطبيقية في الأردن) للحديث عن تجربة الأداء الأكاديمي وتفعيلات الجودة في التعليم العالي في المملكة الأردنية في ورقة بعنوان " ضمان الجودة في التعليم العالي في الأردن"، حيث يقدم الباحث صورة عن أحوال التعليم العالي في الأردن، تشمل المؤسسات و الطلاب و أسس القبول و أنظمة التدريب، كما تستعرض الدراسة معايير ضبط الجودة و تجربة صندوق الحسين للإبداع و التفوق في تقييم النوعية و تنتهي بنظرة تقييمية لتجربة الأردن في ضمان الجودة في التعليم العالي.

وينفرد الفصل الثامن باستعراض الدراسة التي قدمها الدكتور الأمراني زنطار محمد الأستاذ في جامعة القاضي عياض في المغرب حول " إصلاح التعليم العالي المغربي و متطلبات الجودة ". حيث يتعرض زنطار إلى التطورات التي شهدها التعليم العالي في المغرب من ناحية الجودة منذ الشروع بإصلاحه عام 1997، ثم يستعرض التدابير المتخذة لتحسين جودة التعليم العام والتعليم العالي آخذا بعين الاعتبار الصلة العضوية التكاملية بين النظامين التربويين.

ويباشر الفصل التاسع الدراسة التي تقدم بها الدكتور عبدالباقي عبدالغني بابكر (رئيس الهيئة العليا للتقويم و الاعتماد بوزارة التعليم العالي و البحث العلمي بالسودان) حول " ضمان الجودة والنوعية في مؤسسات التعليم العالي بالسودان " ؛ في هذه الدراسة يقدم الباحث لمحة تاريخية عن تطور مؤسسات التعليم العالي في السودان، وما صاحب ذلك من ممارسات ووسائل و إجراءات تبين الاهتمام بالجودة والنوعية والأداء. ويبين أن الاهتمام بضمان الجودة في مؤسسات التعليم العالي بالسودان بدأ منذ إنشاء جامعة الخرطوم لكنه كان جزئيا لم يصل إلى مستوى الشمولية المطلوبة، وبعد استحداث هيئة التقويم والاعتماد تزايد الاهتمام في مؤسسات التعليم العالي بتطبيق مفاهيم الجودة و يتضح أن استحداث هيئة التقويم و الاعتماد اعتمادا على التجربتين الأمريكية و البريطانية ينم عن وعي بأبعاد الجودة الأكاديمية وأهميتها وضرورتها لتحسين الأداء والفعالية الأكاديمية.

ويتضمن الفصل العاشر من الكتاب دراسة الدكتور محسن المهدي سعيد (الأستاذ في كلية الهندسة بجامعة القاهرة ورئيس اللجنة القومية لمشروع توكيد الجودة و الاعتماد و مدير المشروع)، وهي دراسة حول "التجربة المصرية في مجال ضمان الجودة و الاعتماد في التعليم العالي"، حيث يقدم الباحث صورة إجمالية عن جهود ضمان الجودة في مصر، ويستعرض مشروعات الخطة الإستراتيجية لتطوير التعليم العالي، كما يستعرض مشروع ضمان الجودة و التطوير المستمر و الأداء الفعال لمؤسسات التعليم العالي بمصر، ولكسب ثقة المجتمع في خريجيها على أساس آلية تقييم معترف بها عالميا.

أما الفصل الحادي عشر (الفصل التاسع والأخير في القسم الثاني من الكتاب) فإنه يستعرض تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول تقييم نوعية تعليم الحاسوب في الجامعات العربية. وبقدم هذا التقرير صورة إقليمية للبرامج و المستويات الأكاديمية و نوعية فرص التعلم و الآليات الداخلة لضمان الجودة و تحسينها في مجال الحاسوب، ويحث التقرير البلدان العربية على تعديل الأوضاع الأكاديمية وتحسينها وتطويرها في اتجاه الجودة وتحسين الأداء في مجال تعليم الحاسوب على نحو خاص.

 يتضمن القسم الثالث من الكتاب خمسة فصول (تبدأ بالفصل الثاني عشر وتنتهي بالفصل السادس عشر) لعرض الدراسة الميدانية الهامة وضعية الجودة في الجامعات العربية. وقد أجريت هذه الدراسة بإشراف الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية وتنسيق الأستاذ الدكتور عدنان الأمين (خبير التعليم العالي في مكتب اليونسكو الإقليمي للتربية في الدول العربية في بيروت) حيث وزعت استبانة لسبر مستوى الأداء الأكاديمي والجودة في الجامعات العربية المختلف حيث تمت مراسلة أغلب الجامعات العربية لتطبيق استبانة بحثية مكونة من عشر صفحات حول مستوى الجودة في التعليم الجامعي في البلدان العربية.

ولم تستطع الهيئة الحصول على معلومات في بعض البلدان العربية مثل: ليبيا وموريتانيا والصومال جيبوتي. وكانت هناك صعوبة في التواصل مع بعض الجامعات العربية، ولاسيما في الجزائر وتونس والإمارات وسلطنة عمان ومصر والسعودية والمغرب. ولكن الدراسة استطاعت أن تغطي بعض البلدان العربية تغطية شاملة ولاسيما في الكويت لبنان، وسوريا، والعراق، والأردن، وفلسطين، والبحرين، وقطر، والسودان واليمن.

في الفصل الثاني عشر، يعرض الأمين الصورة العامة للاستقصاء الميداني و نتائجه، ثم يستعرض النتائج العامة للاستقصاء الميداني الذي أجري على عدد من الجامعات العربية و يتوقف عند الملامح العامة للجامعات المستجيبة، ويستعرض توزيع أنشطة تحسين النوعية و أنشطة ضمان الجودة و الارتباطات الإحصائية المتعلقة بها. ويتبين بالنتيجة أن العوامل التي ترفع معدل الجودة تتمثل في زيادة نسبة مراكز البحوث و نسبة الأساتذة من حملة الدكتوراه و نسبة حملة رتبة الأستاذية.

ويستعرض الفصل الثالث عشر نتائج الاستقصاء الميداني الخاصة بالكليات العلمية، وهو يتناول التسميات الشائعة، ووجود الفروع، وتوزيع الكليات بحسب ميدان الاختصاص و الطلاب و الهيئة التعليمية.

أما في الفصل الرابع عشر: يستعرض نتائج الاستقصاء الميداني الذي أجري على الجامعات العربية في الجزء المتعلق بالوحدات غير البحثية و مراكز الأبحاث و الدوريات، و يبين ماهية كل منها و توزيعها.

وفي الفصل الخامس عشر: يستعرض هذا الفصل نتائج الاستقصاء الميداني على الجامعات العربية المتعلقة بأنشطة تحسين النوعية التي قامت بها الجامعات خلال السنوات الثلاث الأخيرة، و تشمل هذه الأنشطة ما يتعلق بالتطوير المهني للهيئة التعليمية، و بتطوير مهارات الطلبة و تطوير المناهج و تطور الموارد التربوية فضلا عن الاتفاقات المتعلقة بالاتفاقات البحثية و البرامج المشتركة مع جهات خارجية و التوأمة.

وقد اختلط الأمر على بعض الجامعات اذ خلطت بين أنشطة تحسين النوعية وأنشطة ضمان الجودة.

الفصل السادس عشر: يستعرض هذا الفصل نتائج الاستقصاء الميداني على الجامعات العربية المتعلقة بأنشطة ضمان الجودة التي قامت بها الجامعات خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ويصفها و يدرس توزيعها الاحصائي.

خلاصة نقدية: يجسد هذا العمل العلمي الضخم سفرا جامعا لنسق من الرؤى والتصورات والدراسات والأبحاث النظرية والميدانية في ميدان جودة التعليم وهو يقدم صورة واضحة وشاملة لواقع التعليم العالي والجامعي في البلدان العربية ، ويشكل بالتالي مادة هامة تغني المكتبة العربية ، ومشروعا رائدا يضع نفسه في خدمة القراء والباحثين العرب. وقد لا نبالغ في القول بأن الجهود المبذولة عبر الدراسات والأبحاث التي يقدمها الكتاب تتميز بالأصالة والجدة. والكتاب كسفر جامع يتفرد ويتميز في مجال جودة التعليم والأداء الأكاديمي. وهو يقدم صورة مشخصة لواقع التعليم العالي العربي بسلبياته وإيجابياته وتضاريسه ويحدد لنا مواطن ضعفه وقوته ويرسم مسارات متقدمة يمكنها أن تساعد في تطوير هذا التعليم نحو غاياته الحضارية المنشودة.