في مفهوم الأميّة الأكاديميّة: من الأميّة الثقافيّة إلى الأميّة الأكاديميّة*

علي أسعد وطفة
23 مشاهدات
الأميّة الأكاديميّة

“الخوف في المستقبل ليس من الأمي الذي لا يعرف القراءة والكتابة…. بل الخوف من أمية الأكاديمي الذي وصل إلى درجة عالية من التعليم والثقافة”.

ابن باديس

  • ملخّص:

في هذا المقال طرحنا على بساط البحث ظاهرة الأمّية الأكاديميّة، وهي ظاهرة سوسيولوجيّة ومعرفيّة شديدة الخطورة والحساسيّة، إذ قد يعدّها بعضهم ضربا من الاستفزاز لنخبة المجتمع، وقد يرى فيها آخرون تناقضا يجمع بين التبخيس (أمّيّة) والتّمجيد (أكاديمي). وهي إلى ذلك تمثّل تهديدا وجوديّا للمستقبل العربي برمّته. وقد توخّينا التدرّج في تفكيك الظّاهرة، فانطلقنا من العام إلى الخاصّ، أي من الأمية الأبجديّة، فالأمّيّة الثقافيّة، وصولا إلى الأميّة الأكاديميّة. وانشدّ اهتمامنا إلى تعريف الظّاهرة والتماس عواملها ومعاييرها وتجلّياتها من خلال منهج تحليليّ نقديّ، وعبر استدعاء مواقف وشهادات لمفكّرين عرب كثيرين رفعوا الصّوت محذّرين من الظاهرة وتداعياتها.

الكلمات المفاتيح: الأمية الأبجدية، الأمية الثقافيّة، الأمية الأكاديميّ، الأستاذ الجامعي، الوسط الأكاديميّ. 

 

“The fear in the future is not from the illiterate who does not know how to read and write…. Rather, the fear of the illiteracy of the academic who has reached a high degree of education and culture.”

Ibn Badis

 

Abstract

In this article, we presented the phenomenon of academic illiteracy, which is a very dangerous and sensitive sociological and cognitive phenomenon. Some may consider it a form of provocation to the elite of society, and others may believe it is a contradiction that combines underestimation (illiteracy) and glorification (academic). In addition, it represents an existential threat to the entire Arab future. We sought to dismantle the phenomenon gradually, so we proceeded from the general to the specific, that is, from alphabetic illiteracy, to cultural illiteracy, all the way to academic illiteracy. Our attention was directed to defining the phenomenon and seeking its factors, criteria, and manifestations through a critical analytical approach, and by invoking the positions and testimonies of many Arab thinkers who raised their voices warning of the phenomenon and its repercussions.

Keywords: alphabetical illiteracy, cultural illiteracy, academic illiteracy, university professor, academia.

1- مقدمة:

لا يمكننا الحديث عن الأمية الثقافية والأكاديمية في العالم العربي ما لم نأخذ بعين الاعتبار الخلفيات الاجتماعية الفاعلة والمؤثرة في الحياة الثقافية والفكرية. فالأمية تتجذر في بنية المجتمعات العربية، وتشكل سمة من سمات تخلفها، كما تشكل في الوقت نفسه أكثر مظاهر الحياة والوجود خطورة وإيلاما. وربما لا يكون من المبالغة القول إن الأمية، إذ تضرب بجذورها في البنية الاجتماعية الثقافية للمجتمعات العربية، فإنّها تؤسس لكل أشكال الأمية اللاحقة، سواء أكانت ثقافية أم أكاديمية، كما تؤصل وتعزز كل أشكال التخلف القائمة في مجتمعاتنا العربية المعاصرة.

لقد أظهرت القمة العالمية للحكومات التي رعاها حاكم دبي، الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، التي أقيمت في مدينة دبي في الفترة ما بين 12-14 فبراير 2017 وشارك فيها 150 متحدثاً من المفكرين والباحثين في مختلف أنحاء العالم، على مدى ثلاثة أيام متواصلة عقدت أثناءها 114 جلسة، وحضرها أكثر من 4000 شخصية إقليمية وعالمية من 138 دولة، أن: 57 مليون عربي لا يعرفون القراءة والكتابة، وأن 13.5 مليون طفل عربي لم يلتحقوا بالمدارس في العام الدراسي 107/2028، وأن 30 مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر، وأن الفساد في البلدان كلف هذه الدول تريليون دولار، وأن 5 دول عربية سجلت نفسها في قائمة الدول العشر الأكثر فساداً في العالم. ورغم أن العالم العربي يمثل 5% من سكان العالم فإنه يتعرض إلى 45% من الهجمات الإرهابية عالمياً، وأن ــ 75 % من اللاجئين في العالم عرب! وأن 68 %من وفيات الحروب عالمياً عرب! وأن العالم العربي ينتج فقط 20 ألف كتاب فقط سنويا أي أقل من دولة مثل رومانيا، وأن العرب الذين بلغ عددهم في ذلك الوقت 410 ملايين شخص لديهم 2,900 براءة اختراع فقط، في حين أن لدى الكوريين الجنوبيين 20,201 براءة اختراع، وأنه ما بين عامي 2011 و2017 تم تشريد 14 مليون عربي. وشهد العالم العربي في هذه الفترة خسائر بشرية تصل إلى 1.4 مليون قتيل وجريح عربي. ويزداد بؤس هذه الصورة وسوداويتها عندما تعلن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم “ألكسو” أنّ نسبة الأمية وصلت إلى 30 % (ثلث سكان العالم العربي) في 2010، أي حوالي 100 مليون أمي عربي يرزحون تحت نير الأمية والفقر والتخلف، ويشكلون قنابل متفجرة داخل أوطانهم وخارجها (تركماني، 2010).

وكانت إحصائيات “ألكسو” لعام 2018 قد أظهرت أن معدلات الأمية في الوطن العربي وصلت إلى 21%، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالمتوسط العالمي الذي يبلغ 13.6%.، وأن الأوضاع التعليمية التي تعانيها بعض الدول العربية بسبب الأزمات والتوتّرات نتج عنها عدم التحاق قرابة 13.5 مليون طفل عربي بالتعليم النظامي. كما تشير الإحصائيات إلى أنّ نسبة الأمية لدى الذكور في الوطن العربي تقدر بنحو 14.6%، في حين أنها ترتفع لدى الإناث إلى 25.9%، وتتراوح نسبة الإناث الأميات في عدد من دول المنطقة بين 60 و80%.

وأعلن صندوق الأمم المتحدة للسكان أن تعداد سكان الوطن العربي بلغ 377 مليون نسمة من إجمالي تعداد سكان العالم البالغ 7.7 مليار نسمة سنة 2020، وإذا أخذنا بعين الاعتبار نسبة الأمية البالغة 21% فسيكون لدينا حوالي 80 مليون أمي. وتعد نسبة الأمية في العالم العربي من أعلى النسب في العالم، وهي أعلى من المتوسط العالمي الذي يبلغ 16%. ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن هذه النسبة تتزايد تحت تأثير الحروب الأهلية في سوريا والعراق واليمن والصومال وليبيا وغيرها من الدول المنكوبة بويلات الحروب الأهلية. وما هو أخطر من ذلك أنّ عدد الأميين في العالم العربي يمثل 10 ٪ من مجموع عدد الأمّيين في العالم، علما أنّ نسبة سكان العالم العربي تعادل 5% من مجموع عدد السكان في العالم.

 وغالبا ما تعرف الأمية الأبجدية بأنها عدم التمكن من القراءة والكتابة لدى أفراد المجتمع الذين تزيد أعمارهم عن 15 سنة، وغالبا أيضا ما تعتمد نسبة الأمية مقياسا لتخلف مجتمع ما أو تقدمه، والدرجة التي يتسنمها في سلم التحضر الإنساني والتقدم التنويري. ومع هول الخطر الذي تمثله الأمية الأبجدية، فإن الخطر الأدهى والأكبر يتمثل في الأمية الثقافية التي تنتشر بقوة في فضاءات مجتمعاتنا العربية وتشكل تهديدا حضاريا لوجودها. فالعالم العربي يحتضن في مساحاته الواسعة عددا كبيرا من الأميين، دعاة الثقافة، الذين ينتشرون كالفطر البري، فتجدهم في كل مكان “يملؤون الصحف والأحزاب السياسية والنقابية والمنابر الدينية والمؤسسات التعليمية والمؤسسات الثقافية، متنقلين بسهولة وبراعة ما بين الثقافة والسياسة، ما بين سلطة القلم، لا الإبداع، وسلطة النفوذ” (جنابي، 2005).

وتشكل الأمية الأبجدية الغائرة في أعمق طبقات الحياة الاجتماعية العمق الاستراتيجي والحاضن التاريخي لحضور الأمية الثقافية ونموها في مختلف طبقات المجتمع وتكويناته الثقافية، ولاسيما في المؤسسات العلمية والأكاديمية، فالأستاذ الجامعي – كغيره من أبناء الفئات الاجتماعية – ينتمي مرجعيا إلى مجتمعه ويكون مغمورا بالثقافة السائدة فيه بما تنطوي عليه من قيم وتقاليد وذهنيات، وهو إذ ذاك لا بد أن يكون مثقلا بحمولة لاشعورية لمعطيات الثقافة السائدة التي نشأ فيها وترعرع، متشبعا بمعطيات الذهنية السائدة ومتأثرا كغيره بالعقلية الثقافية الجمعية الفاعلة في هذه المجتمعات وبالروح الجمعية الثاوية في أعماقه.

 ولا يمكن للأستاذ الجامعي أو لأيّ مفكر مهما بلغ من نضج وتطور، أن يتحرّر نهائيا من أثقال الثقافة التقليدية ومعاييرها الرّاسخة التي نشأ فيها، كما لا يستطيع أن يسقط هذه الحمولة الثقافية الثقيلة المجلجلة بالأوهام التي تنخر عمق الثقافة العربية السائدة وتفتك بها، وهي التي تثقل بكاهلها وتجثم بوطأتها وأحمالها على البنية السيكولوجية للفرد أيا كانت منزلته في المجتمع، ومهما كانت صورته في الحياة الثقافية، أي مهما بلغ من علم وثقافة، سواء كان أستاذا جامعيا أو مواطنا عاديا. علاوة على ذلك، فإن أساتذة الجامعات ومنتسبيها يعيشون في هذه الأجواء الثقافية الخانقة، وقد خرجوا من منابتها تظللهم مظاهر التخلف الثقافي التي تقصف أوصال هذه المجتمعات وتهدد بفنائها حضاريا.

وبالنتيجة لا يمكن للأكاديميين العرب – مهما بلغوا من شموخ معرفي – أن ينفصلوا عن الأرومة الاجتماعية الثقافية لوجودهم وانتمائهم وطرائق عيشهم؛ أي عن هذا الوسط المتخم بعوامل التخلف ومظاهره المأساوية. وهذا يعني أنه لن يكون في مقدورنا الحديث عن جامعات متقدمة في عالم تتدفق فيه كل مظاهر التخلف ومعالم القهر والاستبداد الثقافي والاجتماعي. فالجامعات والمؤسسات العلمية، مهما تكن درجة تطورها، تنتمي في النهاية إلى سياقها المجتمعي، وقد اختمرت في عجينته الحضارية، ونضجت في عوالمه السحرية، وهي تتأثر على وجه اليقين بمختلف أوضاع المجتمع الثقافية والاجتماعية. ولا بد لنا، في هذا المقام، أن نأخذ بعين الاعتبار أن الأنظمة السياسية الشمولية في معظم مجتمعاتنا تقوم بوعي أو من غيره بتكريس وضعية التخلف وتغذية منابته الطفيلية في مجتمعاتنا وجامعاتنا، وذلك من أجل تأكيد الهيمنة السياسية وفرض السطوة الأيديولوجية على هذه المجتمعات المصابة بآفات التخلف والقهر والأمّية.

2- في مفهوم الأمية الثقافية:

عرفت الأمية، في النصف الأول من القرن العشرين، بأنّها عدم قدرة الشخص على كتابة اسمه أو قراءته، في فترة كانت معظم الدول النامية قد بدأت تحظى باستقلالها السياسي، ثم أعادت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) تعريف الأمية الأبجدية بشكل أوسع بحيث أصبحت تعني عدم المقدرة على القراءة والكتابة. وغالبا ما ينظر إلى درجة انتشار الأمية الأبجدية بوصفها مقياسا لتخلف الأمم وإلى غيابها بوصفها مؤشرا على تقدمها، ومن ثم فإن القضاء على الأمية يمثل المنصة التي تنطلق منها الأمم نحو الحضارة والتقدم الحضاري. وإذا كانت الأمية الأبجدية تشكل خطرا على الحضارة والتقدم، فإنّ الأمية الثقافية تشكل الخطر الأكبر الذي يهدّد وجود الأمم وينذر بفنائها.

وقد أشار جودت سعيد إلى ذلك، في تناوله لمسألة الأمية الثقافية، بقوله: “إن مشكلتنا هي مشكلة أمية مركبة، ومن هنا كان اعتبار القرآن أن الأمية ليست فقط أمية القراءة والكتابة بل أمية الأفكار وذلك في قوله تعالى: (ومنهم أميّون لا يعلمون الكتاب إلا أماني)، أي عارفين بمعاني الكتاب يعلمونها حفظاً وقراءة بلا فهم، ولا يدرون ما فيه” (أبو هاشم، 2005)، ويتضح في هذا القول البيّن أن الأمية الثقافية تعني غياب القدرة على فهم النصوص وتحليلها وإدراك معانيها. فالقراءة السطحية لا تكفي كي يكون المرء مثقفا. وهذا يؤكّد أن الفهم والتحليل والإدراك هي، في الحقيقة، العوامل التي تشكل أبجدية الثقافة والتثقف والمثاقفة.

ومن أجل تقديم تصور واضح لمفهوم الأمية الثقافية لا بدّ من الإشارة إلى دراسات وأعمال إ. دي. هيرش (E. D. Hirsch) ) Hirsch,1988)، التي تشكل منطلقا منهجيا في فهم وتحليل مفهوم الأمية الثقافية (Cultural illiteracy) وإليه يعود تشكيل مصطلح محو الأمية الثقافية (Cultural lliteracy) الذي وظفه في كتابه المشهور (محو الأمية الثقافية). وفي هذا الكتاب يتناول هيرش مفهوم محو الأمية الثقافية الذي يتمثل في قدرة الفرد على فهم المعطيات الثقافية للمجتمع الذي يعيش فيه، وتمكنه من التفاعل الثقافي في مختلف أوجه وفعاليات الحياة الاجتماعية. وقد بين هيرش في عملية توظيفه لهذا المصطلح مختلف المهارات والقدرات التي يجب على المثقف أن يمتلكها كي يكون كذلك، ولاسيما مهارة المشاركة بطلاقة في الحياة ضمن ثقافة معينة.

ويماثل هيرش بين مفهوميْ محو الأمية الأبجدية ومحو الأمية الثقافية، فيرى أنه إذا كان محو الأمية الأبجدية يرمز إلى تمكين الفرد من القدرة على القراءة والكتابة، وذلك من خلال معرفة جيدة بقواعد اللغة ومفرداتها، فإن محو الأمية الثقافية يتمثل في الوعي العميق بالمضامين الثقافية القائمة في المجتمع واستيعاب رموزها وإشاراتها ومعانيها، ويشمل ذلك اللغة والتاريخ والأدب والفلسفة والفن كما يمتلك نوعا من الممارسة النقدية لمختلف مظاهر الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية (Hirsch,1983). واستطاع هيرش أن يحدد خريطة ثقافية للمؤشرات التي تدل على المثقف الحقيقي، أو تلك التي تجعل من الفرد مثقفا، وقد تضمنت هذه الخريطة قائمة تبلغ 5000 كلمة وعبارة أساسية يجب على الشخص المثقف أن يكون على دراية بها، وتشمل هذه القائمة منظومة من القيم والتعبيرات الثقافية والمعارف العامة التاريخية والفكرية والفلسفية، كما تشمل نسقا من القصص الخيالية والأساطير والعلوم والفنون (Hirsch,1988). ولا يتوقف هيرش عند حدود الجانب المعرفي إذ يركز على الجانب التفاعلي في العملية الثقافية، إذ لا تكفي المعرفة بمجموعة من الأدبيات المتعارف عليها في حد ذاتها عند الانخراط مع الآخرين في مجتمع ما، حيث تتشابك الحياة مع الفن والتعبير والتاريخ والخبرة، بل يجب أن يكون المثقف بالضرورة فاعلا نشطا ونقديا في تناوله لمختلف مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية في المجتمع (محرر البيان، 2015). ويولي هيرش الجانب الأخلاقي أهمية كبيرة في الدلالة على محو الأمية الثقافية: فمحو الأمية الثقافية يجب أن يستند إلى القيم الأخلاقية السائدة في المجتمع، ولاسيما أخلاق التسامح التي تشكل القاعدة الذهبية في مجال التعاون المجتمعي الثقافي. ذلك التعاون الذي يجب أن يقوم على قيم الإيثار والكرامة والعدل والحرية.

وباختصار، يتضح لدينا أن الأمية الثقافية تعني بوضوح أن يكون الإنسان غير مثقف في أيّ من التعريفات الممكنة لمفهوم المثقف، ولاسيما تلك التي تتمثل في المعرفة والسلوك، فالمثقف في أبسط تعريفاته يتميز بمعرفة واسعة، يوظفها في مواجهة الحياة على نحو نقدي وأخلاقي. والأمي في المجال الثقافي هو ذلك الذي لا يملك معرفة حقيقة، ولا يمكنه أن يمارس أي فعالية فكرية نقدية في المجتمع.

وفي هذا السياق يمكن أن نقع على تعريفات كثيرة للأمية الثقافية أبرزها أن الأمية الثقافية تعني عدم القدرة على مواكبة معطيات العصر الثقافية والعلمية بطابعها الفكري والفلسفي، وغياب القدرة على التفاعل مع العصر بعقلية نقدية دينامية قادرة على فهم المتغيرات والمستجدات وتوظيفها بشكل إبداعي. وهذا يعني أن الجمود الذهني والفكري يشكل إحدى ركائز الأمية الثقافية والحضارية.

وفي تعريفه للأمية الثقافية يقول أحمد الشهاوي قولا معبرا لا يخلو من عمق ونباهة، مفاده أن الأمّية ” ليست هي فقط ألا تقرأ أو لا تكتب أو لا تحسب، بل هي جهلٌ بالرُّوحِ، والحُبِّ، وأحوال القلب، والعقل، والسلوك الإنساني بإشاراته ورمُوزه؛ جهلٌ بما وراء الأشياء، وما يحويه الباطن من نورٍ مخفى أو مُتوارٍ، جهلٌ بالذات في إشراقها وتجلِّيها، وتفكيرها العالي المتصل، جهلٌ بما تحوزُه النفسُ وتحملهُ من معانٍ، ومعادن، وجواهر نفيسة وكريمة، جهلٌ بالتأمُّل، والتفكُّر، والتعقُّل، والتدبُّر، جهلٌ بالمُساءلةِ، والمقارنةِ، والاستدلال، والاستقراء، والتحليل، والنظر، والملاحظة” (الشهاوي، 2019). فيمكن أن يكون المرءُ متعلمًا دارسًا في الجامعة، وتجده شديدَ الجهل بنفسه، وبمن حوله جهلا كاملا أو جهلا مركَّبًا، وبأمور أخرى كثيرة من المفترض أن يكون عارفًا بها ومُحيطًا (الشهاوي، 2019).

 وهذه هي الدلالة التي يذهب إليها الشاعر العراقي هاتف جنابي في تعريفه للأمية الثقافية في قوله: ” ترمز الأمية الثقافية إلى حالة من الافتقار إلى المرونة الثقافية فكرا وممارسة، وذلك في التعامل مع الذات ومع الآخر، مع الماضي الموروث ومع الحاضر ومستجداته، مع مفردات الحضارة ومنجزاتها (جنابي، 2005). ويصف معالمها بقوله: “من بين أهم معالم الأمية الثقافية هو التحجر الفكري والعقائدي، والتزمّت الديني والقومي، والأيديولوجي والمذهبي، وضيق الأفق بكافة أشكاله، والتعصب الأعمى لهذا الطرف دون سواه، مع بروز واضح للضحالة الفكرية والإبداعية، مصحوبة بمحدوديّة في التألق في مجال الممارسة الثقافية. إضافة إلى ظاهرة لافتة للنظر تتمثل في السلوك المشين المنافي لمنطق كلمة ثقافة أساسا” (جنابي، 2005).

وفي السياق نفسه، يحدد جنابي بعض مظاهر الأمية الثقافية مشيرا إلى التعصب الفكري والعقائدي، ويرى أنها تشكل مرتكزات الأمية الثقافية، ولاسيما التحجر الفكري والعقائدي، والتزمّت الديني والقومي، والأيديولوجي والمذهبي، وضيق الأفق بكافة أشكاله، والتعصب الأعمى لهذا الطرف دون سواه. ويركز هذا التعريف على سمة الغياب الواضح للفكر الحرّ والمنطق والعقلانية والروح الإبداعية كعنصر أساسي من عناصر مفهوم الأمية الثقافية. ويتضمن هذا التعريف حضور عنصر السلوك اللاأخلاقي المشين المنافي لكل معايير الثقافة وقيمها الإنسانية (جنابي، 2005).

ويذهب بعضهم إلى حصر الأميّة الثقافية في الافتقار إلى تكوين أدنى في مجال العلوم الإنسانية والفنون حصرا، ويعدّونه خللا خطيرا في البنية القاعديّة لشخصيّة المثقّف. ومن ذلك نظرة دلال ديب إلى الأمية الثقافية بوصفها خطرا كبيرا على الوجود الإنساني برمته، بناء على اعتبار أنّ الأمية الثقافية، في رأيها، تتمثّل في ” عدم حصول الشخص على الثقافة المتأتية من القراءة والعلوم الإنسانية، ومن متابعة الفنون على أنواعها، ما يجعل منه شخصاً مثقفاً وواعياً. ومفهوم “الأمية الثقافية” انتشر في الآونة الأخيرة بشكل غير مسبوق في دول الغرب، حيث يعاب على أي شخص متعلم وحائز على الشهادات العليا أنّه يفتقر للوعي بالواقع المحيط به وتعوزه النظرة الإبداعية إلى الحياة والكون” (ديب، 2019).

أمّا في البلاد العربيّة، فيرى خالد سعد النجار، في سياق رصده لمظاهر الأمية الثقافية، وتتبّع مختلف تجلّياتها، أن الأمية الثقافية “تنتشر في منطقتنا العربية بمعدلات مخيفة بين أوساط حملة الشهادات العلمية العالية، نتيجة الاقتصار على المقررات الدراسية الرسمية أو الأكاديمية وتجاهل التزود الثقافي الحر، سواء عن طريق القراءة الحرة والاطلاع المستمر، أو عن طريق متابعة المسارات الإعلامية والرقمية الهادفة والمتخصصة كل في مجاله، فضلا عن مواكبة التطور المعرفي العالمي اليومي سواء عن طريق وسائل الاتصال الحديثة كالإنترنت أو الفضائيات المعنية أو الصحف والمجلات الرصينة وحضور الندوات الفكرية والمعارض وغيرها من روافد الثقافة المعاصرة” (النجار، 2015).

 ويمكن أن نقول، عودا على بدء: إن تعريفا جامعا مانعا للأمية الثقافية أمر لا يخلو من الصعوبة، فالأمية الثقافية تعني ببساطة جهلا بالثقافة القائمة وأبعادها. ويمكن القول في هذا السياق بأن من لا يمتلك ثقافة حقيقية يعدّ أميا ثقافيا دون حرج. وهذا التبسيط ينطلق أيضا من البساطة التي تُعرَف بها الأمية الأبجدية وهي الجهل بأصول القراءة والكتابة وعدم معرفة الحروف، فمن تعلم الحروف، وعرف كيف يكتب، قيل عنه إنه تحرر من أميته. وكذلك الحال في تعريف الأمية الثقافية إذ إن انعدام الثقافة يشكل معيار الأمية الثقافية، وعلى هذا الأساس يعدّ كل جاهل بالمعايير والقيم والمعارف الثقافية السائدة في المجتمع أميّا ثقافيا. وهذه الأمية القائمة على الجهل بأصول الثقافة تنسحب على جميع الفئات والطبقات مهما يكن شأنها، ومهما علت منزلتها، ومهما بلغت درجة تحصيلها العلمي. فالمثقف يعبر بأشكال شتّى عن إلمامه بالثقافة التي ينتمي إليها، والإحاطة بمختلف جوانبها وتجلياتها الفكرية والمعرفية، أمّا الأمي الثقافي فيعرف بجهله للثقافة التي ينتمي إليها، وهذا ينسحب أيضا على الطبقة الأكاديمية في الجامعة التي تتشكل من أساتذة الجامعة العاملين في المؤسسات العلمية تدريسا وتأليفا وإنتاجا علميا.

3- في مفهوم الأمية الأكاديمية:

إذا كان من الصعوبة بمكان الاطمئنان إلى مرجع معياري لتعريف الأمية الثقافية، فإن الأصعب من ذلك هو تقديم تعريف جامع مانع لمفهوم الأمية الأكاديمية، وتنبع هذه الصعوبة من التعقيد الكبير للمفهوم الذي ينطوي على مدد هائل من الطبقات والإشكاليات والتضاريس البنيوية. وتبدو هذه الصعوبة على أشدّها عندما نريد تعريف الأمية الأكاديمية لدى من يفترض بهم أن يكونوا نخبة المجتمع ومستنيريه كأساتذة الجامعة الذين يفترض بهم أن يشكلوا الفئة الأكثر وعيا وتأثيرا في الحياة الثقافية والفكرية للمجتمع. فالأستاذ الجامعي يشكل – كما يفترض به أن يكون – منبرا للفكر، وملهما للثقافة ومبدعاً لها في آن معا، والأستاذ الجامعي بطاقته الإبداعية هذه يشكل رمزا للمعرفة ومنهلا للعلم والثقافة، إذ غالبا ما ينظر إلى الأستاذ الأكاديمي على أنه مكافئ لمفهوم العالم الفذّ العارف والحكيم البارع في ميدان الثقافة والمعرفة. ومكانة الأستاذ الجامعي غالبا ما تحيلنا إلى ذلك النمط من المثقفين والعلماء الموسوعيين الذي عرفتهم الإنسانية في تاريخ الجامعات العلمية العريقة عبر التاريخ.

ولا يخفى أنّ استخدام مفهوم الأمية الأكاديمية يجد امتعاضا إن لم يكن رفضا واضحا من قبل الأكاديميين الذين يرون في استخدام هذا المصطلح وتوظيفه، ليشمل هذه النخبة العليّة، امتهانا كبيرا لهذه الفئة التي تُجسّد أرستقراطية المعرفة ووجاهة امتلاك الحكمة واحتكار عطاءات العلم والثقافة. وهو أمر خبرناه أثناء تداول المفهوم بين زملائنا في الجامعات العربية، وقد ذهب بعضهم إلى أن استخدام مفهوم الأمية الثقافية في مستوى الأستاذ الجامعي أمر غير مشروع، وقد يثير حفيظة هذه الطبقة، ولاسيما أهل الفخار والجهل فيها. ولكن لم التحفّظ على حقيقة سوسيولوجية قد أصبحت اليوم واضحة وضوح الشموس في رابعة النهار؟ لماذا التعمية والتغطية على حقيقة نعيشها وتعيش بين ظهرانينا؟ أليس من واجب الباحثين والعلماء الكشف عن الحقائق الغامضة وتفنيدها وتحليل أبعادها ونقدها والكشف عن مضامينها والحفر في أكثر مناطقها صلابة ومناعة؟ أليست هذه هي وظيفة العلم ومهمته الأساسية منذ بدء التاريخ؟ لماذا تكون طبقة الأكاديميين استثناءً؟ لم يتهيّب الباحث أمام مكابرة هذه الطبقة فيضحّي بالحقيقة؟ أليست الحقيقة مهما كانت قسوتها أقدس من أن نحشرها في صناديق مقفلة؟ ألا تستحق منا أن نبحث عنها ونستكشف أسرارها وخفاياها؟ فالعلم لا يرى ولا يمكنه أن يرى حقائق تعلو بقداستها عن البحث والتحليل والنظر، وتلك هي وظيفة العلم تاريخيا. فالبحث العلمي عندما يغض النظر عن الحقائق لاعتبارات فوقيتها وقداستها، فإن العلم نفسه يفقد قدرته على المغامرة وطاقته على التقدّم والكشف، ويتحول إلى دجل وهرطقة. إذًا، لا ينبغي أن يرتفع شيء فوق المعرفة، إذ وظيفة العلم والبحث العلمي هي المعرفة مهما بلغت الموانع في وجهها من القداسة والتحريم.

إنّ البحث عن الحقيقة، أيا كانت وجهتها ومكانتها، فضيلة من فضائل العلم، ولطالما عرفنا من تاريخ العلوم أن العلماء لا يترددون في أن يخضعوا ذواتهم للبحث والنقد والتقصي دون خوف أو تحفّظ أو وجل. وهكذا يزداد تساؤلنا إلحاحا: كيف يكون البحث العلمي على ما يرام عندما يقوم الأكاديميون بدراسة كل الظواهر القائمة في الوجود، ثمّ يستثنون أنفسهم؟ في العلم لا قداسة لأحد ولا مكانة لنخبة، فكل الظواهر ميدان للبحث والتقصي والاستقصاء والنظر. والأكاديميون كظاهرة ليسوا استثناء في الكون ولا في ميدان الحقائق، فالممارسات الأكاديمية تستحق منا البحث والنظر ولا سيما هذه الظواهر السلبية المرضية في المجتمع التي تشكل خطرا على المجتمع والوجود.

وإذا كانت الظواهر الاجتماعية، مثل الفساد الاجتماعي والهجرة والزواج والظلم والقانون والحرب والتعصب والكراهية، ظواهر مهمة للبحث العلمي، فإن ظاهرة الفساد الأكاديمي، والأمّية جزء منها، هي الظواهر الأخطر والأمرّ. والأكثر هولا أنّ الأكاديميين هم الذين يفترض بهم العمل على صلاح المجتمع وحمايته من الزيغ والضلال، والعمل على تقدّمه وتنويره. أليس من الحكمة أن ننظر في أفعال رجال العلم ونسألهم كما سألهم سابقا الشاعر العربي أبو سفيان الثوري مخاطبا الصفوة من العلماء:

يا رجال العلم يا ملح البلد *** من يُصلِحُ الملحَ إذا الملحُ فسد؟!

ولا يقلّ وجاهة عمّا تقدّم أن نتساءل أيضا: لماذا يخشى بعض الأكاديميين استخدام مفهوم الأمية الأكاديمية في سياق بحث علمي، مع أن وسائط التواصل الاجتماعي تفيض بأطنان من التغريدات والمقالات حول فساد الأكاديمي وفساد السياسي والديني أيضا؟ وما علينا اليوم سوى إلقاء نظرة خاطفة في وسائط التواصل الاجتماعي، لنرى إلى أي حدّ بلغت الأوصاف السلبية التي تطلق على بعض أعضاء الهيئة الأكاديمية في الجامعات العربية، ولنرى إلى أي حد وصل التشنيع ببعض ممارساتهم المنافية للقيم الأخلاقية والإنسانية التي يجب أن يجسدوها مثل: التحرش الجنسي والفساد والرشوة وهستيريا التفوق وجنون العظمة والتسلط والانحطاط الأخلاقي والمعرفي!؟

ومن المهم في هذا السياق القول إن البحث العلمي لا يتضمن اتهاما أو ذما لفئة أو طبقة أو جماعة اجتماعية محددة، كما أنه لا يمكن للبحث أن ينطلق من اعتبارات ذاتية مشخصنة للباحث، إذ لا يمكن للبحث العلمي أن يهدف إلى أكثر من البحث عن الحقيقة في سياقها الموضوعي. فالأكاديميون يشكلون نخبة، ولهذه النخبة طبقاتها وتعيناتها وتمايزاتها، وهي بذاك تشتمل على العلماء والباحثين والمفكرين المميزين الجادين، وتضم، في المقابل، في صفوفها طبقة من الأكاديميين الذين يتصفون باللامبالاة وعدم القدرة على أداء دورهم،

وخلاصة القول إن البحث العلمي الجاد لا يأخذ بالمطلقات ولا يتعصب للفئات، فالتعصب يضاد العلم، ويناقضه، ويناهضه. والعلم الحق لا يلتقي مع أي صيغة من صيغ التعصب والانتماءات الفئوية والعصبوية لفئة معينة أو قطيع محدد. وباختصار، الأكاديميون ليسوا آلهة مقدسة، وليسوا بشرا فوق البشر، بل بشرا بين البشر، وإذا كانت مظاهر الوجود جميعها تخضع للبحث العلمي الرصين الجاد، فلا مناص من أن تخضع ممارسات الأستاذ الجامعي وسلوكاته للبحث العلمي قبل غيرها، لأن الأستاذ الجامعي بما يمثله من قيمة علمية وأخلاقية مؤثرة يشكل ظاهرة اجتماعية سوسيولوجية بالدرجة الأولى. ومن منطلق هذه الروح الموضوعية للبحث العلمي فإن هذه الدراسة ستكون بمثابة الوسيلة العلمية لإنصاف الأستاذ الجامعي الحقيقي، والتمييز فيما بينه وبين الأستاذ الجامعي الذي لا تتوفّر فيه السمات الأكاديمية المطلوبة، ولا يحظى بالتأهيل العلمي والثقافي والأخلاقي الذي يعفيه من الاتصاف بالأمية الأكاديمية،

وغنيّ عن البيان أنّ الأمية الأكاديمية ليست أبدا خصيصة فطرية خلقية نشأت في رحم الأمهات، بل هي نتاج اجتماعي أفرزها المجتمع، أو هي بعبارة أخرى، ظاهرة اجتماعية لها ما يبرر وجودها الموضوعي بما يحيط بها ويؤسس لها من ظروف اجتماعية ومتغيرات سياسية وأكاديمية سنبحثها في معظم تجلياتها لنبيّن بأكبر قدر ممكن من الوضوح ما للأستاذ الجامعي من مآثر وما عليه من مثالب.

 ومن الجدير بالذكر أن الكشف عن مواطن السلب والإيجاب في المجتمع عموما، إنّما يشكل تمهيدا سوسيولوجيا نحو بناء الحقيقة، إذ يمكّن من استجلاء المعوقات الأساسية لنهوض المجتمع، ويحدّد أبرز سمات ومظاهر التخلف التي يجب على المجتمع أن يعالجها ويواجهها وينتصر عليها.

وقد اعتدنا في منهج البحث السوسيولوجي على مواجهة الحقائق وتقصيها أينما كانت وفي أي مقام علت وتعالت، فالمجاهرة بالحقيقة والكشف عن ملابساتها مبدأ علمي لا حيدة عنه في السوسيولوجيا النقدية، وهي مسألة وظيفية لا يمكن لعالم الاجتماع أن يتجاهلها، أو يغض الطرف عنها. وهذا يعني أنه لا يمكن للمعرفة العلمية أن تتجاهل الحقائق مهما بلغت قداستها، ولا يستثنى من ذلك علو الطبقة الاجتماعية، واتساع نفوذها وشأنها. وبالرغم من وعينا التامّ بأن التعميم غير جائز، فإنّ الحقيقة التي لا تقبل النّقض هي أنّ طبقة واسعة من أساتذة الجامعة مصابون بمتلازمة الجفاف الثقافي والتصحّر الأخلاقي، ويتمثلان معا في آفة الأمية الثقافية الأكاديمية في أكثر أشكالها خطرا وضررا. وقد تكون هذه القضية من أخطر الظواهر الاجتماعية في مجتمعاتنا لأن الجهل الأكاديمي قد يشكل كارثة وطنية صاعقة تدمر المجتمع بكل ما ينطوي عليه من مقومات حضارية وإنسانية.

4- في تمحيص الأمية الأكاديمية ومعاييرها:

 لا يغيب عن ذهن الباحث الجادّ أن الظواهر السلبية في المجتمع تتضاعف بقدر ما تتنامى بواعثها وتتكاثر متغيراتها وتتعاظم مقدماتها وتشتد خلفياتها المجتمعية، وفي المقابل تتضاءل هذه الظواهر وتصغر كلما تراجعت أسبابها وانحسرت عللها وتقلصت متغيراتها وأسبابها. فالأمية الأكاديمية هي الوجه النقيض للثقافة الأكاديمية كما هو العلم نقيض للجهل. وفي سياق هذا التفاعل التنابذي بين قطبين متنافرين متناقضين بالحضور والغياب، يعمل كل قطب منهما على إقصاء الآخر واحتوائه، لا بل على تدمير معالمه والقضاء على أسباب وجوده، فحضور الثقافة الأكاديمية في شخص الأكاديمي يؤدي إلى تقليص ظاهرة الأمية الأكاديمية وتدمير بنيتها، وفي المقابل يشكل نموّ الأمية الأكاديمية تدميرا منظما وممنهجا للثقافة الأكاديمية في حاملها المثقف الأكاديمي.

يعتمد هذا المعيار على محك النفي والإثبات في قوانين الديالكتيك، ولا سيما قانونا الثالث المرفوع (The law of excluded middle or third) وعدم التناقض؛ إذ لا يمكن للمثقف إلا أن يكون مثقفا وفق قانون الهوية، ولا يمكنه أن يكون مثقفا وجاهلا في الآن الواحد وفق قانون التناقض. فالمبدأ الفلسفي يقول إذا صدقت قضية أو صدق نقيضها فلا مكان للحد الأوسط بينهما، إذ لا يمكن أن تكون القضية خاطئة وصحيحة في وقت واحد. وطبقا لذلك إما أن يكون المثقف مثقفا، وإما ألا يكون، ولا حد وسطا بينهما. فعلى سبيل المثال، إما أن يكون سقراط حيا أو لا يكون، إما أن يكون سقراط حيا أو ميتا إذ هو بين حدي الموت والحياة ولا ثالث بينهما، لأنهما قضيتان متناقضتان في الحضور والغياب، بحيث إذا صحت الأولى كذبت الثانية، والعكس بالعكس، ولا ثالث بينهما بوصفهما حدّين متناقضين.

ويبدو لنا أنّ إخوان الصفاء وخلان الوفاء قد اعتمدوا هذا المبدأ في التمييز بين العلم ونقيضه، أي الجهل، فقالوا: “العلم إنما هو صورة المعلوم في نفس العالم، وضده الجهل فهو عدم تلك الصورة من النفس” (إخوان الصفا، 2011، 263). ولو اعتمدنا منهج إخوان الصفاء لقلنا في تعريفنا للمثقف الأكاديمي: المثقف الأكاديمي إنما هو صورة الثقافة في نفس المثقف، وضده الأمي الأكاديمي وهو انعدام تلك الصورة (=الثقافة) في نفسه. فالمثقف الأكاديمي يعرف بأنه يمتلك سمات المثقف في ذاته، وضده الأمي الأكاديمي الذي تنعدم فيه السمات والصفات التي يجب أن تتوافر في المثقف الأكاديمي. وبعبارة أخرى أن الأمي الأكاديمي هو هذا الذي تنعدم فيه سمات الثقافة الأكاديمية بخصائصها ومتغيراتها.

وهنا لا بد لنا من أن نحدد إجرائيا صورة الثقافة الأكاديمية التي يكون غيابها أو انعدامها صورة للأمية الأكاديمية في نفس صاحبها. وضمن هذه الصورة الإجرائية لا يكون الأكاديمي مثقفا إلا إذا توافرت فيه الشروط الثقافية التي يجب أن يتّصف بها وفقا لمؤشراتنا الإجرائية للثقافة الأكاديمية. وهذا يعني أن الأكاديمي الذي يفتقر إلى السمات الثقافية للثقافة الأكاديمية المفترضة سيُنظر إليه على أنه من أرباب الأمية الأكاديمية.

بعد قيامنا بتحديد السمات والخصائص الأساسية للمثقف الأكاديمي، يسهل علينا تعريف الأمية الأكاديمية التي يمكن تحديدها بالمفاضلة الواضحة مع السمات الثقافية الإجرائية، ومن الواضح أن غياب المؤشرات الثقافية الأكاديمية، التي أشرنا إليها بوصفها مؤشرات الأمية الأكاديمية في تعريفنا الإجرائي يعني الحضور الطّاغي للأمية الأكاديمية. ويمكن مناقشة حدود هذه العطالة الثقافية في ضوء تلك السمات. وسنلاحظ في غالب الأحيان أن غياب عنصر واحد قد يؤدي إلى غياب مجموعة العناصر الأخرى بطريقة تفاضلية تفرضها المنهجية الخوارزمية. فعلى سبيل المثال: عندما لا يكون الأكاديمي منتجا ومبدعا في مجال اختصاصه، فإن ذلك يعني أنه لا يمكنه أن يكون مبدعا في أي مجال فكري آخر. وهكذا يمكن لنا تعريف العطالة الثقافية بأنها عدم قدرة الأكاديمي على أداء دور حيوي ثقافي أو معرفي في مؤسّسته الجامعية حيث يعمل، أو في مجتمعه من خلال الإنتاج والإبداع العلميين.

 ويمكننا تعريف الأمية الأكاديمية في الوسط الجامعي أيضا بأنها عدم قدرة أعضاء الهيئة التدريسية على التفاعل الفكري الإنساني في الوسط الأكاديمي، الذي يترافق عمليا بعدمية الإنتاج العلمي، وغياب إمكانات التفاعل والتخاصب بين الذّات والآخر في الوسط الأكاديمي وفي محيطه الخارجي، كما تعني عدم القدرة على مواكبة مستجدات المعرفة الإنسانية الحيَة في مختلف جوانب الحياة الإنسانية، وعدم القدرة على التجاوب المعرفي والأخلاقي مع معطيات الحضارة ومنجزاتها الإنسانية. وتمثل هذه الأمية نسقا من سمات التصلب الفكريّ والجمود العقائدي، وهيمنة اللامبالاة وضيق الأفق، مع ضعف وتيرة الإنجازات العلمية في ميدان التخصص، وغياب الإبداع في المجال الثقافي والمعرفي العام. وهذا يعني أن الأمية الثقافية في الوسط الجامعي تمثل حالة تصلّب عدمية تضع الأستاذ الجامعي خارج السياق التاريخي للمعرفة الإنسانية الخلاقة. وحضور هذه الحالة العدمية يعود، بلا شكّ، إلى معطيات ثقافية وحضارية واجتماعية تعتمل في قلب المجتمع وفي عمق مؤسساته التعليمية والأكاديمية.

ويتضح من خلال المعالجة المنهجية وجود علاقة جوهرية معقدة بين مفهومي الأمية الثقافية والأمية الأكاديمية. فالأمية الأكاديمية أوسع من الأمية الثقافية وأكثر شمولا وأعظم تعقيدا. ومن أجل الفصل بين المفهومين نقول إن الأمية الأكاديمية تشتمل على الأمية الثقافية في الوسط الأكاديمي وتتجاوزها، والأمية الثقافية في الوسط الأكاديمي أكثر تعقيدا من هذه التي توجد خارجه. ووجه الاختلاف أن الأمية الأكاديمية تضيف إلى الأمية الثقافية جمودا علميا وجهلا بمقومات الحياة الأكاديمية وضعفا في مستوى ممارسة الحياة الأكاديمية معرفيا وعلميا وإنتاجيا في الجامعة. ويمكن القول أيضا: إن الأمية الأكاديمية تتضمن صيغة مركبة؛ فهي أمية أخلاقية ثقافية علمية معرفية تمارس في الوسط المهني الأكاديمي. وأبرز ما في هذه الصيغة أن هذه المؤشرات متكاملة متفاعلة متعاضدة يتمم أحدها الآخر، كما أن وجود بعضها يؤكد وجود بعضها الآخر ويلزم حضوره.

فعلى سبيل المثال نقول: إن الأستاذ الجامعي الذي لا يتقن لغته العربية كتابة ونطقا يعاني من الأمية الأكاديمية في أخطر مؤشراتها، وبالتالي لا يمكن لمن لا يتقن لغته الأم أن يتقن لغة أجنبية أخرى. وغياب القدرة على استخدام اللغة يشكل دالة على غياب القدرة على تقديم المحاضرات والكتابة والإبداع، وكذلك فإنّ غياب الإنتاجية العلمية يشكّل أحد وجوه هذه الأمية الذي يستقطب ضعفا ثقافيا ووهنا معرفيا. فكل عنصر من المؤشرات يترابط، حضورا أو غيابا، ترابطا تكامليا مع العناصر الأخرى. وقد تجتمع في الأستاذ الواحد عدة مؤشرات مثل: ضعف القدرة على استخدام اللغة الأم، وضعف الإنتاج العلمي، وعدم الاطلاع على مستجدات الاختصاص العلمي، وعدم الاطلاع على القضايا الحيوية في المجتمع والمشاركة في نقدها، وغياب الروح النقدية، وعدم القدرة على التجديد والإبداع في ميدانه. ويمكن فعليا أن نجد طبقة من الأساتذة الجامعيين الذي يعانون من نقص كبير في مختلف هذه المؤشرات مجتمعة أو متفرقة. وفي المجمل يمكن أن نقول إن الأمية الثقافية في الوسط الأكاديمي هي جوهر الأمية الأكاديمية، كما يمكن وصف الأمية الأكاديمية بأنها أمية ثقافية في الوسط الأكاديمي.

5- تفشي الأمية الثقافية:

يحسن بنا، قبل أن نبدأ في تقصي أوضاع الجمود الثقافي في الجامعات العربية، أن نرسم الإطار المجتمعي لظاهرة الأمية والأمية الثقافية في العالم العربي. فالبلدان العربية تعاني من التخلف الشامل في مختلف الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وينسحب هذا على البحث العلمي، مثلما ينسحب على الديمقراطيات وعلى مختلف تكوينات المجتمعات العربية. فالأمية الثقافية المتفشية في مجتمعاتنا تشكل خطرا داهما ومدمرا في الحياة الاجتماعية، وهي في جوهرها لا تنفصل عن الأمية الحضارية للمجتمع، بل هي تعبير دقيق عما يعانيه المجتمع العربي من تخلف ثقافي أقل ما يمكن أن يقال عنه بأنه مخيف مريع.

لقد بيّنت تجارب الحياة وأحداثها المؤلمة – ولاسيما بعد الأحداث الدموية لما يسمى بالربيع العربي- أن الأمية الثقافية تنخر فاهمة “المثقفين” العرب، ونحن نضع كلمة المثقف بين مزدوجتين تعبيرا عن تشككنا في الدلالة الثقافية لهذه الكلمة عندما نطلقها على أشباه المثقفين العرب الذي يعيثون في الأرض تعصبا وفسادا وجورا.

وإنه لمن الصعوبة بمكان رصد مدى انتشار الأمية الثقافية في مجتمع ما ولا سيما في العالم العربي الذي تغيب فيه إمكانية الرصد الثقافي وتحديد مؤشراته. ومع ذلك فإنّ الباحثين والمفكرين والمهتمين بقضايا الثقافة العربية يؤكدون انتشار الأمية الثقافية بدرجات مخيفة، ويصفون هذا الانتشار “بالبشاعة والشناعة والكارثية، ولاسيما في ظل تدني مستوى الخدمات التعليمية في كثير من المناطق، إضافة إلى عوامل التوترات السياسة والاختناقات الاقتصادية” (النجار، 2015).

وقد وصف كثير من المفكرين العرب، شعراء وكتابا، الواقع المؤلم لانتشار الأمية الثقافية في وسط المتعلمين العرب وصفا دقيقا مؤلما، ومنه هذا الوصف الذي رسم ملامحه الشاعر العراقي هاتف جنابي، الذي يميز بين المثقفين الحقيقيين والمثقفين الجهلة بقوله: “تفيض البلدان العربية بشعراء وكتاب وفنانين وأكاديميين وسياسيين ورجال دين وفقهاء جهلة ومغفلين يتناسلون مثل الكمأة في الغابات والصحاري، عددهم يبدو لي أضعافا مضاعفة لما نراه، مقارنة بنسبة المثقفين الحقيقيين، ومقارنة بما لدى الشعوب الأخرى. لا يوجد شعب بدون دجالين على صعيد الثقافة والسياسة، لكن سرعان ما يُفتضح أمرهم حينما يوضعون على المحك، بينما الأمر مختلف مع الأميين من المثقفين في البلدان العربية، فهم يتناسلون” (جنابي، 2005).

ويعبر أحمد الشهاوي عن هذه الوضعية، أي: وضعية انتشار الأمية الثقافية فيقول: “ولعل ما يحيرني، ويحبطني أحيانًا بل كثيرًا، ويُحيل حياتي جحيمًا، أن تجد حولك جهلة كثيرون (كذا!) يزيدون ولا ينقصُون، هم فئةٌ من الجهلة لا تعرف، ولا تدرك، ولا تعلم، ولا تزنُ الأمور، ولا تقرأ ما يكتبه الآخرون، ولا تسلِّم بجهلها مهما تكُن الأمور، تعيش على الكفاف من النتش القرائيِّ في الصُحف والمجلات وأغلفة الكتب، وقراءة الفهارس، والنُبذ الموجُودة على الأغلفة الأخيرة للكتب، ولا تنسى أن تحفظها جيدًا، كي تطرشها على المقاهي وفى الندوات واللقاءات العامة أو الخاصة، هؤلاء الذين يعيشون على السَّماع، ويزعجهم أن يقرأ ويكتب غيرهم، وهم من قال فيهم طه حسين وهو يقدم كتابه (الأيام ): ” إلى الذين لا يعملون، ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس.. أهدي هذا الكتاب” (الشهاوي، 2019).

إنه لمن المدهش حقا أن نرى أساتذة جامعيين يحملون شهادات جامعية عالية في مختلف التخصصات الأكاديمية، وهم رغم ذلك يشاركون أبسط العامة من الناس في تصوراتهم الخرافية والأسطورية، ويجارونهم في اعتناق هذا النمط من التفكير الخرافي اللاعقلاني واللامنطقي، كالإيمان بالعفاريت والجن والحكايات الخيالية. والأخطر من ذلك هو تعصبهم الفائق لمعتقداتهم الأسطورية، واستعدادهم لخوض المعارك الضارية ضدّ كل من يرفض أفكارهم وتصوراتهم الميتافيريائية. وهذه هي الفئة من الأميين التي تناولها سامح عبود بالوصف في قوله: “أصبحت لا أندهش حين أرى أناس (كذا!) على قدر واسع من الذكاء والمعلومات يحملون في عقولهم بجانب معلوماتهم العميقة أفكارا غاية في السذاجة والتخلف والجهالة، وأصبحت لا أصدم حين أرى هؤلاء النبهاء وهم يبررون أوهامهم الغبية بمنطق التعسف والتعصب الذي لا يليق بذكائهم، ولا يستقيم مع علمهم“(عبود، 2002).

وقد سبق للمفكر المغربي محمد عابد الجابري تناول هذه القضية بحكمته ورؤيته النقدية المضيئة، وذلك عندما كان يتأمل زيف المثقفين العرب وقصورهم وانصرافهم عن الممارسة النقدية الحرة للثقافة في كتابه (تكوين العقل العربي). وقد تحدث عن الضحالة الثقافيّة لديهم والقصور المعرفي في تكوينهم، إذ يقول “الحقيقة لدى كثير من المثقفين العرب، وكثير من الباحثين والكتاب هي، ما يقوله آخر كتاب قرؤوه، وربما آخر حديث سمعوه، وهذا يدل على رسوخ الاستعداد للتلقي وغياب الروح النقدية في نشاط العقل العربي المعاصر” (الجابري، 1988، 44).

وتصف دلال ديب الانتشار الكبير للأمية الثقافية في لبنان وفي العالم العربي قائلة: “نجد حولنا في لبنان والدول العربية أناساً، وعددهم ليس بقليل، من بين الحاصلين على شهادات جامعية ولكن غير ملمّين بأولويات المعرفة والثقافة، إضافة إلى السطحية الشديدة في معلوماتهم العامة، حتى تكاد معلوماتهم تقتصر على نطاق عملهم المهني فقط ولا تخرج عنه (طبيب – مهندس – محام – الخ). فإذا خرج الحديث إلى مواقع لا تتعلق بمجال تخصصه، ولكنها ذات عمق ولو بسيط، تجد هذا الشخص عاجزاً عن توفير إجابة أو رأي” (ديب، 2019). وتؤكد ديب في هذا السّياق أيضا على أهمية الخروج من الأفق الضيق للتخصص العلمي والانطلاق إلى رحاب الثقافة الإنسانية فتقول: “حتى لو كنا حقاً نعيش عصر التخصصات بل وفي أدق التخصصات، هذا لا يمنع من سعي الفرد للإلمام بمواضيع الثقافة خارج اختصاصه، ومتابعة أحداث العالم وتطوراته في الأدب والموسيقا والرسم والسينما، إضافة إلى الأحداث السياسية والاقتصادية” (ديب، 2019).

ويصف مصطفى عبد الغني هذه الوضعية، ويقارن بين واقع انتشار الأمية الأبجدية والأمية الثقافية، فيقول: “ومع أهمية وخطورة انتشار الأمية الهجائية التي تمتد لتحتل مساحات شاسعة من العقل العربي (تزيد على 21%) فإن الأمية الثقافية تمتد في مساحات أكثر شراسة وأشرس وضعا في العقل العربي المعاصر إلى مسافات بعيدة، إنهم أصحاب الأمية الثقافية التي ابتليّ بها كثير من متعلمينا ومثقفينا” (عبد الغني، 2018).

وتبين الدراسات الجارية أن الأمية الثقافية تتفشى بمقاييس غير مسبوقة ومخيفة في العالم العربي. وتتمركز هذه الأمية الثقافية بين حملة الشهادات العلمية، كنتيجة طبيعية لنمط التعليم التقليدي الذي يعتمد على المقررات الدراسية الرسمية أو الأكاديمية التي تفتقر إلى البعد الثقافي والإنساني، فخريجو الجامعة في الغالب يعانون من الأمية الثقافية، إذ قلّما يطالعون أو يتابعون التطورات العلمية والفكرية في مجالات اختصاصاتهم.

 ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى دراسة الشاعر العراقي هاتف جنابي “حول الأمية الثقافية في العالم العربي” التي تؤكد “على حضور الأمية الثقافية في مختلف المؤسسات الفكرية العربية ولا سيما المؤسسات الرسمية فيقول: “لا توجد مؤسسة عربية رسمية ثقافية واحدة تنأى بنفسها عن الأمية الثقافية، بما في ذلك الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب الذي تحوّل ومنذ سنوات طويلة (بغض النظر عن وجود بعض الشرفاء فيه) إلى منتجع للتقليد وأداة من أدوات السلطات العربية” (جنابي، 2005). نعم، هي الحقيقة التي يفرضها الواقع في مختلف تجلّياته الثقافية في عالمنا العربي المحكوم بالجهل والتسلط.

ويقدّم الأديب والروائي الحبيب الدائم ربي أمثلة ملموسة محسوسة عن الصورة المشوهة للأمية الثقافية المنتجة بواسطة الجامعات العربية مثل: “مهندس زراعي لا يعرف شراء بطيخة أو رمانة اعتمادا على المراجع النظرية التي بنى عليها بحث تخرجه، طبيب بيطري يغشه شخص أمي في كبش بمناسبة العيد، وهي ليست المرة الأولى على أية حال لأنه لا يعرف انتقاء فرّوج فبالأحرى اقتناء كبش، أستاذ رياضيات يستعين بخدمات شخص- لم ير المدرسة في حياته قط -في تقسيم أرض على الورثة حسب أسهم معلومة، بحيث يكتفي مدرس الرياضيات والهندسة بإمساك الحبل بينما يتولى البدوي الأمي القسمة والضرب والطرح” (ربي، 2019). ويتابع الدائم ربي رصد هذه الأمية الثقافية المنتجة أكاديميا، ويذكر في هذا السياق أن طالبة جامعية مجازة في اللغة والآداب، بميزة، تلجأ إلى كاتب عمومي، هو في الواقع تلميذ مطرود من الإعدادية ليكتب لها طلبا للعمل أو اجتياز مباراة، شاعر، يدبج القصائد على اليمين وعلى الشمال وبفصاحة لا يحسد عليها، دون دراية بأبجديات النحو والصرف ناهيك عن العروض والبلاغة وكتابة الهمزة حتى. ويذكر الكاتب عشرات الأمثلة المضحكة المبكية التي تؤكد، بالأدلّة المفحمة، على الحضور الكارثي للأمية الأكاديمية في عالمنا العربي (ربي، 2019).

ويصف الباحث علاء أبو زينة سمات وخصائص الأكاديمي المصاب بآفة الأمية الأكاديمية فيقول: “عرفنا في خبرتنا “أساتذة” جامعيين يفعلون ما يلي: يفتحون الكتاب المقرر ويقرأون عليك، أو عنك، وحسب؛ أو يصحبون إلى القاعة دفتراً مهترئاً من استعماله نفسه 20 سنة، ويملون عليك “التلخيص” -خلاصة المقرر- حتى لا يتعبوا أنفسهم ويتعبوك في النقاش والأخذ والردّ. عظيم! هؤلاء السادة “الخبراء” في حقولهم، هم الذين يصفهم أستاذ الإنسانيات الأميركي، مايك روز بأنهم “… لا يفكرون عادة في الذهاب فيما وراء عرض موضوعاتهم إلى التنمية الفكرية للطلبة الجامعيين أمامهم، بغية تحسين الطريقة التي يتعلمون بها ويشكلون معنى للعالم” (أبو زينة، 2013).

 ومثل هذه الأمثلة المروية من قبل أدباء ومثقفين لا تعدّ ولا تحصى، وربما تحتاج إلى مجلدات ضخمة. وما يعزز هذه الأمثلة التراجيدية بعض الدراسات والأبحاث الجارية في هذا المجال. وفي هذا المقام يورد الكاتب محجوب آدم بأنه تقدم في مصر أكثر من (2000) من خريجي الجامعات للعمل مذيعين ومترجمين ومحررين؛ ولم ينجح واحد منهم في الاختبار، مع أن الأسئلة كانت تدور حول المعلومات العامة. وذكر أن إجاباتهم حملت العجب العجاب، منها أن إنجلترا عاصمة بريطانيا، ومنابع نهر النيل تبدأ من دلتا مصر، والسد العالي أنشئ بعد حرب أكتوبر 1973م (آدم، 2017).

 ويبين استطلاع أجرته صحيفة الرأي العام الكويتية على مجموعة من الشباب لقياس مستوى ثقافتهم، أنّ هؤلاء الشباب لديهم معلومات جيدة عن الممثلين واللاّعبين وعروض الأزياء والموضة، ولكن معلوماتهم تنحدر كثيرا في قضايا الفكر والسياسة والثقافة، لقد أعلن 59% من أفراد العينة بأن كوفي عنان حارس مرمى منتخب الكاميرون، وبعضهم قال إنه منظر شيوعي، في حين لم يتعرف إلى عمله الحقيقي أميناً عاماً للأمم المتحدة سوى 23 بالمئة. وفي سؤال عن وظيفة المفكر الكبير روجيه غارودي، أجاب 16% من أفراد العينة أنه لاعب في منتخب فرنسا 1998، في حين لم يتعرف إليه سوى 23% من الشباب، أما الشيخ أحمد ياسين زعيم حركة حماس فقد عده الأغلبية أنه شقيق الممثل الكوميدي إسماعيل ياسين (آدم، 2017).

ولا تكاد توجد دولة في العالم “إلا ولديها معاناة بشكل ما أو درجة ما من درجات الأمية الثقافية. فالفرنسيون يشكون ويضجون من انحدار ثقافة الطالب الجامعي إلى مستويات اعتبرتها صحيفة لوموند “مرعبة”. كما تزخر الصحف الأميركية بالعديد من الإحصاءات التي تذهب نفس المذهب” (النجار، 2015).

وفي مقارنة لحالنا الثقافي مع الوضع في الغرب، يقول الأستاذ حسين الوحيلي: إنّ “أوجه المقارنة تزداد تباعدا عندما تصل هذه الأمية الثقافية إلى الدراسات الأكاديمية ومستوى الأساتذة والطلبة على حد سواء. ففي الغرب -كما يعلم الجميع- معايير صارمة لمنح الشهادات الثانوية والجامعية، ولا يمكن أن ينحط مستوى التعليم إلى ما دون هذه المعايير وإلا تحول الغرب أو بعض دوله إلى دولة من العالم الثالث تستطيع أن تتحايل على نفسها فتنشئ عدة جامعات وأكاديميات ثم تستورد المهندسين والأطباء الأكفاء من الخارج، وذلك عين ما يحدث في بلادنا وبقية البلدان العربية” (النجار، 2015).

6- الأمية الثقافية في الوسط الأكاديمي:

تعاني الأكاديميات العربية في أغلبها من ظاهرة الأمية الأكاديمية التي تتفشى على نطاق واسع في كثير من الجامعات والمؤسسات العلمية الأكاديمية، وغالبا ما تصيب الأمية الأكاديمية الأساتذة الجامعيين الحاصلين على شهادة الدكتوراه الذين يعانون من نقص كبير في مستوياتهم الثقافية والفكرية. وتنجم هذه الظاهرة عن وجود قطيعة بين هؤلاء الأساتذة وبين ثقافة الفكر والحياة. وقد بينت بعض الملاحظات أن فريقا كبيرا من الأساتذة الجامعيين ينقطعون عن البحث العلمي والمطالعة والإنتاج منذ اللحظة التي يحصلون فيها على ترقياتهم العلمية. وغالبا ما تكون الأبحاث العلمية التي قدموها سابقا للترقية أبحاثا شكلية مفرغة من أيّ مضمون حقيقيّ أو قيمة علمية تذكر.

 غالبا ما يتم تعريف المثقف الجامعي الحقيقي بأنه هو الأكاديمي الذي يعرف كل شيء ممكن عن الاختصاص الذي يعمل فيه، وهو التخصص الدقيق الذي أعدّ له، وهو الأكاديمي الذي يعرف شيئا ما عن كل شيء ممكن ليستطيع أن يستكمل حضوره الإنساني والأكاديمي على نحو ثقافي تنتفي فيه صفة الأمية الثقافية (النجار، 2015).

وهذا يعني بالضرورة أن يكون المثقف الأكاديمي حاصلا على معطيات الثقافة الفكرية الضرورية للحياة الأكاديمية الفاعلة في عملية البناء الحضاري. والمشكلة أن كثيرا من الأكاديميين العرب وغيرهم يتحركون ضمن دوائر اختصاصاتهم الضيقة دونما توسّع أو تعمّق ثقافي، ومع أهمية التخصص والتعمق فيه، فإنه، نعني، التخصص، لا يمنحهم سمة الحضور الثقافي أو صفة المثقف، فالأكاديمي المثقف يجب أن يتشكل على نحو ثقافي، وأن يكون واسع الاطلاع ويمتلك القدرة على توظيف النقد والإبداع الفكري ممارسة وتنظيرا.

 فالأكاديمي، كما يفترض، يحتاج كي يكون أكاديميا مثقفا بحقّ إلى أن يمتلك جناحي طائر، يتمثل الأول في المعرفة العلمية في مجال الاختصاص، ويأخذ الثاني صورة الأكاديمي الموسوعي الذي يأخذ بأطراف العلم والثقافة بالقدر الذي يستطيعه، ولا تكتمل صورته الثقافية إلا إذا تحولت هذه الطاقة الثقافية إلى ممارسة عملية وأخلاقية في آن واحد، إذ لا يكفي للأكاديمي أبدا أن يمتلك ثقافة، بل يجب أن تتجلى هذه الثقافة أيضا في فعل الممارسة والتأثير عبر الأعمال الثقافية والمحاضرات والندوات الفكرية. ويمكن لهذا الأثر أن يتجلى في ممارسته التدريسية مع طلبته فيؤثر فيهم ثقافيا وعلميا في آن معا، فيعمل على استنهاض الوعي النقدي والتنويري في نفوسهم، ويشوّقهم إلى الاطلاع الفكري، ويطور ذائقتهم الثقافية والفكرية في مختلف جوانب الحياة الإنسانية. وهنا يجب أن نلفت الانتباه أيضا إلى أن الأكاديمي المثقف لن يكون مثقفا أيضا مهما حاول دون التعمق في اختصاصه العلمي بالإضافة إلى تحصيله الثقافي الحر الخارج عن التقاليد الأكاديمية الصارمة. فالثقافة لا تعطي للأكاديمي سمة المثقف ما لم يمتلك القدرة على الخوض في مجاله العلمي خوضا علميا بعيد المدى والأغوار. وهذا يعني في النهاية أن الأكاديمي الحقيقي يجب أن يكون بارعا في اختصاصه العلمي فاعلا ومنتجا في المجال الثقافي والفكري ليستطيع أن يحلق في أجواء العلم والثقافة، ومن دون ذلك فإن الأكاديمي لا يمكنه أبدا أن يحلّق بجناح واحد أو بجناحين مكسورين ضعيفين، كأن يكون الأكاديمي ضعيفا في اختصاصه العلمي وضعيفا في الوقت نفسه في المجال الثقافي.

ومن المؤسف جدا أن كثيرا من الأكاديميين العرب اليوم، إن لم نقل معظمهم، لا يستطيعون التحليق في عالم الفكر والثقافة، لأن أجنحتهم المتكسرة لم تنم كفاية للتحليق في أجواء هذا العالم الأكاديمي الذي يفيض بأوكسجين المعرفة ونسائم الحرية وعواصف التحدي الأخلاقي. فمعظم الأكاديميين العرب المعاصرين لم يستطيعوا الحضور العلمي الإبداعي في اختصاصاتهم العلمية الدقيقة، وذلك في الوقت الذي لا يمتلكون فيه الطاقة التنويرية النقدية في مجال الثقافة والفكر والحياة الثقافية.

فالأمّية الثّقافيّة في الوسط الأكاديميّ، كما أسلفنا، تتجلّى بوضوح في عجز الأستاذ الجامعي عن تحقيق التّفاعل الفكري والثقافي في الوسط الجامعي وفي المجتمع، وتتمثل في ضعف القدرة على تحقيق وتيرة نوعية في مجال الإنتاج العلمي، كما في مجال التواصل الفعال مع الذّات ومع الآخر، وعدم القدرة على مواكبة مستجدات المعرفة الإنسانية الحيَة في مختلف جوانب الحياة الإنسانية، والعجز عن التجاوب المعرفي والأخلاقي مع معطيات الحضارة ومنجزاتها الإنسانية. وتتمثل هذه الأمية في سمات التعصب التصلب الفكريّ وهيمنة اللامبالاة، وضيق الأفق مع غياب الإبداع، وفقر الإنجازات في ميدان التخصّص وغياب الإبداع في المجال الثقافي والمعرفي.

ولا حرج، برأينا، في القول إنّ الأمية الأكاديمية تنتشر في صفوف الأكاديميين العرب انتشار النار في هشيم العشب ورميم الخشب، وما يذهل ويخيف في حياتنا الاجتماعية والثقافية المعاصرة أنّ كثيرا من أصحاب الشهادات العليا والألقاب العليّة يعانون من حالة ذهنية عدمية وفراغ ثقافي مخيف، وليس أدلّ على ذلك من أنّك ما إن تدخل في حوار مع بعضهم، أو كثير منهم، حتى تكتشف حجم المأساة الثقافية، فترى بأمّ العين هول الافتقار إلى الثقافة الحقيقية والمعرفة العلمية. وقد تسمع بوضوح ضجيج الأفكار الخرافية وعجيج التصورات الهوامية التي تصول وتجول في فضاء من الجهل والأوهام والتعصب الذي يتحرّك في عقول كثير من أساتذة الجامعة اليوم، الذين يعانون من غياب مخيف ومروّع لكل أشكال التفكير الموضوعي والـتأمل النقدي في مختلف قضايا الكون ومظاهر الحياة والوجود. إنهم يعانون من حالة خصاء ثقافية مهولة شاملة، ضَمُر فيها العقل إلى حدوده المجهرية، وتضاءل المنطق إلى حدّ الغياب والتلاشي، وتضخم فيها الوهم إلى حدوده الكونية، وانتشى فيها التخريف إلى حدوده الجارفة. إنها حالة شاملة من الاستلاب الذهني والاغتراب الثقافي الدوغماتي التي ضربت عقول هذه الفئة من الأكاديميين العرب المعاصرين.

وتأخذ هذه الظاهرة اليوم أبعادا عالمية تتكاثف في كثير من بلدان العالم الثالث وفي بعض أنحاء العالم المتقدم، وهذا الأمر يجد صداه في كتاب فوريدي المعروف (أين ذهب كل المثقفين؟) وفيه يطرح مسألة تحجيم دور المثقف الأكاديمي وتراجعه وانفصاله عن الثقافة الإنسانية الفاعلة بقوله: “بعد أن كانت الجامعات في الماضي بؤرة إبداعية وثقافية، أصبحت اليوم مكاناً يضم الأذكياء رفيعي التعليم، وأكاديميين مهنيين، لكنهم بالتأكيد لا يعدون ضمن الطبقة المثقفة المؤثرة” (أحمد، 2018).

وحينما ندقق النظّر نجد أنّ الأكاديمي في العالم العربي يعاني اليوم إكراهاتٍ شديدةَ الوطأة بتعسفها، ثقيلة الوقع بمطارقها في فضاء الحياة الأكاديمية والشروط الاجتماعية للوجود. ومع ذلك فإنّ عليه أن يواجه كلّ هذه التحديات التي فرضت عليه نوعا من الانكفاء الثقافي، ووضعته في أقفاص من الحصار المستمر، ولاسيما هذا النمط من الحصار الذي يواجه الفكر ويقمع الفلسفة في الفضاء الثقافي الأكاديمي العربي. وقد نجم عن هذا الحصار الشامل إصابة الأكاديمي العربي بالجمود الذهني، والتصدع الأخلاقي، فتحول إلى كتلة صماء من الفراغ الثقافي والإنساني. وهو واقع سجّله بوسريف بوضوح ودقّة في قوله: “يعيش المثقف الجامعي في الجامعة التي فيها وُلِدَ، وفيها نَشَأَ، وعَقْلُه أصْبَح أسِيرَ اخْتِصاصٍ ضَيِّقٍ ومُغْلَقٍ، ولَمْ يَعُد يَقْبَل التَّوَسُّعَ، أو الخُرُوجِ من الحَقْل الذي أَنْبَتَه، إلى غيره من الحُقُول التي يراها بَعِيدَةً عنه، أو تُشَوِّش اخْتِصاصَه، وتُبَلْبِله، أو رُبَّما تُزَعْزِع أسْوارَهُ التي أسَرَ نَفْسَه داخِلَها، والتي من ورائِها يَنْظُر إلى الكَوْنِ، بدُونَ أن يكونَ طلِيقاً، يُواجِه الرِّيحَ بما يَكْفِي من مجادِيف، مهما كانتْ طبيعَة اللُّجِّ، أو عُلُوّ المَوْج” (بوسريف، 2016). وقد وعبر المفكر الكبير إدوارد سعيد عن ظاهرة انغلاق الأكاديمي على نفسه، والذوبان في أوهامه العلمية بالقول: “إن المثقف الأكاديمي اليوم أصبح أستاذ أدب منغلقا على نفسه، لا يستهويه التعاطي مع العالم الأبعد من حدود حجرة التدريس. وأمثال هذا الأكاديمي ممن يكتبون كلاماً مملاً، ومبهماً، ومقتصراً على فئة قليلة، ومتنافياً مع العصرية، غرضه الأساس التقدم الأكاديمي لا التغيير الاجتماعي ” (يونس، 2018).

ولا يمكننا اليوم الاعتماد على إحصائيات تحدد مدى انتشار ظاهرة الأمية الأكاديمية في الجامعات العربية أو غيرها، لأنّ الكشف الإحصائي عن كثافتها ومدى حضورها أمر يتجاوز قدرة الباحثين والدارسين، فالموضوع معقّد بل هو في منتهى التعقيد، ولاسيما أنه لا يوجد اتفاق واضح بين المفكرين على مفهوم الأمية الثقافية، وهو إن وجد، فإنه لمن الصعوبة بمكان تصنيف أساتذة الجامعة وفقا لهذه المعايير. فالقضية تحمل في جوانبها تبعات معنوية كبيرة؛ فهي نوعية في جوهرها، معقدة في بنيتها، حساسة جدا عند تأمّلها، إذ لا نستطيع أن نعلن بصورة إحصائية مقننة عدد هؤلاء الذين يعانون من هذا الداء الخطير في جامعاتنا ومؤسساتنا التعليمية. فالإحصائيات الجارية في التعليم العامّ تدلّنا على عمق واتساع ظاهرة الأمية في المجتمع، ولكن يصعب جدا إحصاء هذا الأمر في مجال الأمية الثقافية المتجذّرة في المجتمع والجامعات. ومع “أننا لا نمتلك رصدا دقيقا لمدى تفشي الأمية الثقافية في الوطن العربي إلا أن المراقبين لا يسعهم إلا وصف الأمر بالبشاعة والشناعة والكارثية”(النجار، 2015).

والأخطر من ذلك كله أن الأمية الثقافية لا تسود في أوساط العامة من الناس وخريجي المدارس، كما يقول الباحث محمد عبد العزيز ربيع: “بل تتفشى في صفوف كافة فئات المجتمع العربي، فالأغلبية الساحقة من خريجي الجامعات العربية ومعظم أساتذة المدارس، والكثير من أساتذة الجامعات والقيادات التقليدية والعاملين في المجالات الثقافية والاجتماعية والسياسية والإعلامية والاقتصادية يعانون من الأمية الثقافية” (ربيع، 2018، 75). فكثير من أساتذة الجامعات لديهم تخصّصات دقيقة لكنهم انغلقوا على أنفسهم في زاوية التخصص، وابتعدوا عن الأخذ بمفاهيم الحياة المختلفة وتمثلها، الأمر الذي جعلهم غير قادرين على مواكبة الحياة ومواجهة تحدياتها، فهم يتعمقون في مجال تخصصهم لكنهم يجهلون أبجديات التعامل مع الحياة وفهمها بمكوناتها الثقافية (النجار، 2015).

وهذا هو الأمر المخيف الذي يؤكده عبد الله القفاري، إذ يرى أن الواقع يؤكد حضور هذه الظاهرة في وسط الأكاديميين. ويرى أن الأمية الثقافية منتشرة بين حملة شهادات الدكتوراه في العالم العربي. ويجمل ذلك كلّه في قوله: “إن التخصص المهني والتحصيل العلمي لا يصنع وحده مثقفاً، ولا حتى القراءة الدائبة دون منظومة تجعل القراءة والاطلاع عملاً محرضاً للعقل وإعادة النظر والتفكير النقدي المستمر.. بما يؤدي للارتقاء بالوعي، الذي يُمكِّن الفرد من رؤية المجتمع وقضاياه من زاوية أوسع، ومن تحليل تلك القضايا على مستوى نظري متماسك” (القفاري، 2018).

ويرى الكاتب الجزائري كرايس الجيلالي أنّ المجتمعات العربية مصابة بداء الجهل، وهو “جهل تطور وانتقل من الأمية التي فرضتها الظروف الاستعمارية، إلى أمية من نوع آخر…. لا أقصد أمية المتعلمين، بل أمية الجامعيين الأكاديميين، وهي أخطر أنواع الأمية، والجهل الذي نعاني منه اليوم، وهو في طريق الانتشار والاتساع، وهو جهل يلتهم في كل يوم المزيد من الأكاديميين المزيّفين، وفي كل يوم يتم الإعلان عن تتويج دكتور جديد لكن في حقيقة الأمر هو أمي جديد يختبئ وراء حرف الدال الذي لن يفارق اسمه حتى يوم رحيله” (الجيلالي، 2020).

ويطلق المفكر السعودي عبد الله السعوي صفة الجهل المقنع على الأمية الأكاديمية، إذ يقول: “أقصد بالجهل المقنع هنا، هو ذاك الذي يحمل صاحبه شهادة دراسية عليا، ماجستير – دكتوراه، وقد يتجاوز إلى أعلى درجة في السلم الأكاديمي، ولكنه مع ذلك لا يقارب مستوى الوعي في مفهومه المعرفي، الإثرائي، بل يعيش في غيبوبة من الجهل، على نحو يشي بأن الوعي المعرفي كمفهوم بات يفقد في هذا السياق كل مصداقية المعنى ودلالته” (السعوي، 2004). وهذا الجهل في منظور السعوي ليس حالة فردية، بل يأخذ مداه في صورة ظاهرة اجتماعية ضاربة الجذور، ويعني بذلك أن الأمية الثقافية في الوسط الأكاديمي بدأت بالانتشار بقوة في الفضاء الأكاديمي وفي مختلف الأكاديميات العربية دون استثناء. ويؤكد السعوي في هذا السياق على أنّ الشهادة الدراسية لا تمنح صاحبها حصانة ضد وباء الجهل، ولا تكسبه مناعة تنفي عنه ما يسمّى بالأمية، ولكنّ وجه الخطورة في هذه الشهادات أنها تستخدم كأقنعة “تحجب حقيقة الذات المسكونة بسلطة الجهل، بوصفه – في هذا السياق – الكائن الملهم لها باستمرار ” (السعوي، 2004).

وقد دفعت هذه الوضعية الثقافية العدمية وزير التعليم العالي الأردني وليد المعاني إلى قرع أجراس الخطر بتصريحه المشهور، في لقاء له مع التلفزيون الأردني في سبتمبر من عام 2010، قائلا ” هنالك أساتذة جامعات كان يجب ألاّ يسمح لهم بدخول أبوابها” (أبو رمان، 2010). وهو يشير بذلك إلى عدم أهلية هؤلاء الأساتذة وعدم تمكّنهم علميا أو ثقافيا من مواكبة الحياة الأكاديمية. ويصف الشاعر المغربي المعروف صلاح بوسريف تفشي الأمية الثقافية في الجامعات العربية بكثير من التفصيل، إذ يقول:

” فالجامِعَة عندنا، امْتَلأتْ بكثير ممَّن لا يَعْمَلُون، لا يبحثون، لا يكتُبون، لا بالمعنى السقراطي المُتَحرِّر من قيود “الأكاديمية” وأسوارها، ولا بالمعنى الأفلاطُوني، المنضبط لأسوار الجامعة وقيودها، وهؤلاء، هُم “من يؤْذِيهِم أن يعمل النَّاس”. فمن هُم هؤلاء إذن، وما الذي يُلَقِّنُونه للطَّلَبَة، ومن أين تأتي أفكارُهُم، إذا كانت لهُم أفكار، وهل دَخَلُوا الجامِعَة بمشاريع وأطاريح وأفكار، ماذا يحملون في رؤُوسهم، وكيف يفهمون عمل الجامعة، ودورها، وعلاقة الجامعة بالمجتمع، والمهام التي ينبغي أن تلعبها في التغيير، والتثوير، وفي إعادة ابتكار المفاهيم، ومناهج الدراسة والبحث، رغم وُجود الأسوار؟” (بوسريف، 2016).

وهكذا عمّت التّفاهة والسطحيّة وسادت روح الادّعاء الأجوف، وتدهورت الحياة الجامعيّة، وباتت روحا بلا جسد، حتّى أصبح العلم “اليوم صوراً وألقاباً، وأفرغ من جوهره ومحتواه، ترى الرجل يحمل مؤهلاً أكاديمياً عالياً يسرده لك في سطر ونصف، فهو: الأستاذ الدكتور. دكتور، أستاذ مشارك، أستاذ مساعد، أستاذ مادة كذا وكذا، في جامعة كذا وكذا، الحاصل على زمالة جمعية كذا وكذا، وهكذا وهكذا …. الخ، أما جوهر العلم والفكر فتفاجأ بقدراته وهشاشتها” (أبو هاشم، 2005).

ولا يتردد أبو هاشم في أن يعلن أمية الأكاديمي الجامعي من خلال التساؤل عن الأسباب التي أدت إلى ذلك بقوله: “لماذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه من أميَّة الأكاديمي وعدم ثقافته؟ ويجيب مستأنفا: “السبب هو: ترك العلم بعد الظفر بالشهادة أو المنصب، ويصبح البون شاسعاً بين الدكتور وبين العلم، هذا إن كان قد تعلم في البداية من حصوله على الشهادة، أو قل وهو يحضر للشهادة، أو قل وهو يتلقى الشهادة” (أبو هاشم، 2005). ثم يتابع أبو هاشم فيشير إلى مخاطر هذه الظاهرة ودورها التدميري في المجتمع بقوله: “هؤلاء الدكاترة كان ينبغي أن يكونوا شعلة نور يضيئون الطريق، ويتركون بصماتهم على العلم والثقافة، ولكن وللأسف، أصبحوا معاول هدم للتعليم العالي وللثقافة، همهم تحصيل ريع الملازم، والكتب، والملخصات، والمستنسخات، والممسوخات، عن أصولها غير المتسلسلات” (أبو هاشم، 2005).

وعلى صعيد الأنشطة الثقافية والاجتماعية والسياسية، “تجدهم أقل الناس مساهمة في المجال الثقافي والاجتماعي، همهم الحصول على الترقيات من خلال كتابة بعض الورقيات الركيكات الموسومة زعماً بالمحكمة أكاديمياً، وهي في أغلبها لو أرسلت لأي نشرة في مؤسسة علمية تحترم نفسها لرفضت؛ لضعفها وركاكتها ورطانتها وعدم بلاغتها، وخطأ صياغتها، ولكن الأمر فيه مجاملة أكثر من الحقيقة، مع إدراكي لجدية بعض الدراسات المحكمة” (أبو هاشم، 2005).

ويرصد حميد يونس المنحى الانتهازي في هذه القضية، وانقطاع الصّلة بين الأكاديمي وطلب العلم لذاته، مؤكّدا بذلك الصورة القاتمة للأكاديميين العرب إذ يقول: “كثير من الأكاديميين العرب يتعاملون مع البحوث لأجل التحصيل الوظيفي، و”الشهاداتوي”، والارتقاء بالراتب، وزيادة العلاوات والترفيعات لا أكثر. ولذلك نجد الكثير من المثقفين أكاديميين، وليس الكثير من الأكاديميين مثقفين” (يونس، 2018).

ولا يتوانى أحمد برقاوي عن إطلاق صفة الجهل على طبقة من الأساتذة الجامعيين وهو إذ ذاك يميز بين الأكاديمي المحترف وبين الأستاذ الأمي الجاهل الذي من شأنه تدمير المعرفة الأكاديمية إذ يقول: ” الأكاديمي المحترف الذي يتابع اختصاصه بكلّ جديده، ويقدّمه لطلابه على أكمل وجه، يقدّم خدمةً جليلةً لهم. لكنّ الطامة الكبرى، إذا امتلأت الجامعة بجمهور من “الأساتذة” الذين لا علاقة لهم بالحياة المعرفية الأكاديمية، ويحملون كمية من الجهل تكفي لتدمير الحياة الجامعية كلّها” (برقاوي، 2018).

وهذه الصورة تأخذ طابعا تراجيديا عند صلاح بوسريف الذي يصف الأستاذ الجامعي بالمثقف التبريري أو المثقف الببغاء، حيث يقول: ” كثيرة ومتنوعة إذن، هي الوجوه والأقنعة، التي باتت تطبع المثقف العربي فالساحة العربية تفيض بأطياف من المثقفين فهناك: “المثقف التبريري الذي لا ينتج أفكارا، بقدر ما يعمل على تسويغ أفكار الآخرين”، وهو نموذج الأستاذ الجامعي أو فيما اسميه شخصيا بالمثقف الببغاء، الذي يعيد إنتاج واجترار نفس الأفكار والمناهج والنظريات منذ تعيينه في الجامعة قبل 20 سنة إلى اليوم، هذا النوع في مغربنا الراهن ما زال يعيش في كهف أفلاطون (الأكاديمية)، فالجامعة أصبحت بسببه اليوم تعيش خارج الفكر والثقافة (بمفهومها الأنثروبولوجي عند إدوارد تايلر)، لأنها أصبحت تقتات وتعيش على ماضي هذه الثقافة، التي ليست هي نفسها الموجودة اليوم في واقعنا الثقافي العربي، إلى المثقف التبشيري أو الداعية، الذي يحتكم في أفكاره للمرجعية الدينية“(بوسريف، 2016).

فالأمية الأكاديمية تعني في جوهرها أن يتحول الأكاديمي مع دورة الزمن إلى كائن جاهل بقضايا الثقافة والحياة، وعلى هذا النحو يأخذ الجهل صورة العلم، ويلبس الجاهل لبوس العالم. وهذا هو الأمر الذي يشكل خطرا داهما على الحضارة والوجود والثقافة في المجتمع، وهذا ما يحذرنا منه أمين الزاوي عندما يقول: “لكن أن يأخذ الجهل شكل العلم، وأن يأخذ الجاهل صورة العالم، وأن يكون الجاهل حاملا للقب دكتور يشتغل في مؤسسة جامعية عريقة أو في معهد عال، فهذا هو الغريب والمخيف في مجتمعاتنا العربية” (الزاوي، 2018). إن الخطر الكبير على أيّ مجتمع هو أن يصبح “المتعالم” “جاهلا” مقدسا، وجهل المتعالم أكثر خطورة على المجتمع من الجاهل، وأخطر من ذلك حين يكون هذا المتعالم يعيش في مجتمع كالمجتمع العربي أو المغاربي الذي اكتسحته كل مظاهر الفقر والأمية والخرافة (الزاوي، 2018).

يخبرنا الحبيب الدائم ربي “أن جيمس تريفل أورد في كتابه “لماذا العلم؟” الصادر باللغة الإنجليزية سنة 2008 واحدة من القصص الطريفة التي رواها له أحد أصدقائه بخصوص دكتورين جامعيين تجادلا بشأن عدد الأسنان في فم الفرس. ولأنهما كانا على طرفي نقيض في مرجعياتهما، إذ إن أحدهما كان يستند إلى ما قاله القديس أوغسطين وآباء الكنيسة، في الموضوع، والآخر يعتمد على آراء أرسطو وفلاسفة اليونان، فقد اختلفا اختلافا شديدا حد العراك. وبينما هما يتساجلان وقف شاب بسيط في القاعة قائلا: “يوجد حصان في الخارج، لمَ لا نفكر في مجرد النظر إليه؟” حينها تجمهر من كان بالقاعة وأوسعوه شتما وضربا طاردين إياه من حظيرة “أهل العلم”، عاتبين على لجنة التنظيم السماح لـ “الدهماء” بالولوج إلى مثل هذه الفضاءات العلمية “المحترمة ” (ربي، 2019).

 ويعقب الحبيب الدائم ربي على هذه القصة بقوله: “قد لا تكون هذه القصة صحيحة، ولكن الجديد فيها أنها لم تقع في العصور الوسطى لدى السوكولائيين للتوفيق بين الفكر الإغريقي والمسيحية، وإنما حدثت- إن حدثت فعلا- وتحدث باستمرار في عصرنا هذا، الذي ما يزال فيه بعض “العلماء” يرجمون بالغيب في بعض القضايا التي لا يحتاج الواحد منا- نحن البسطاء- لفهمها إلا معاينتها بالعين المجردة وخارج قاعات الدرس وتحصيل “العلم”. والمشكلة أن بعض العلماء صاروا بفعل هذا “التقوقع” أكثر جهلا من عامة الناس، ليس في قضايا الحياة وإنما في تخصصاتهم نفسها، ظانين، عن وهْم، أن تخصصهم العلمي يُعفيهم من معاينة الواقع ويحصنهم من أخطاء العوام وذوي التخصصات الأدبية والإنسانية، ولكأن الذكاء المنطقي والرياضي هو الذكاء الأوحد والأصح وما تبقى من ذكاءات أخرى غير موجودة أو لا يعول عليها” (ربي، 2019).

7- مظاهر الأمية الأكاديمية ومؤشراتها:

تنتشر الأمية الأكاديمية بوصفها جهلا مقدسا في أرجاء الأكاديميات العربية، وتأخذ صورة جهل مركب مراوغ خفي مقنع بالشهادات والأوسمة العلمية الزائفة. وتشكل، بما تنطوي عليه من جهل وتجهيل، كابوساً يقض مضاجع المؤسسات الأكاديمية والقائمين عليها، وهي إذ ذاك يمكن وصفها بأنها داء الأدواء القاهر لكل بلسم أو دواء في حياتنا الثقافية والأكاديمية.

وتتنوع مظاهر الأمية الأكاديمية ضمن منظومة واسعة من المتغيرات والتصنيفات التي لا يمكن ضبطها وتصنيفها بشكل دقيق وتحديد منظومة العلاقات القائمة بينها بصورة آمنة واضحة. فالأمية الأكاديمية مفهوم شمولي في جوهر تكوين قضي عليه بأن يشمل جوانب متعددة أبرزها: أمية اللغة، والأمية الأخلاقية التي تتمثل في مختلف أشكال الفساد الأخلاقي والاجتماعي، وأمية التخصص العلمي والانغلاق في دهاليزه والانكفاء في زواياه المظلمة، وأخطر هذه الجوانب الأمية الثقافية المخيفة التي تجرد الأكاديمي من بعده الإنساني والأخلاقي.

وقد بدا لنا بوضوح أن الأمية الأكاديمية هي جماع تفاعل بين عدد من المتغيرات الكبرى التي تأخذ فيه الأسباب بعناق المسببات وتتفاعل فيه العلل تفاعلا ذوبانيا في المعلولات، فتختفي ملامح هذه المتغيرات والأسباب في دوامة سديمية مفسدة للأجواء. ومهما يكن حضور أو غياب هذه المتغيرات أو درجة تفاعلها، فإنها تسجل نفسها كسمات تلقي بظلالها في شخص الأستاذ الجامعي المنفعل بسمومها والمخدر بأوهامها. ولا يمكن للأكاديمي الحق أن ينفلت بسهولة من قبضة هذا الإعصار الوبائي للأمية الأكاديمية ما لم يستطع الانفلات بقوة ذاتية خارج أسراب هذه المتغيرات الجبارة التي تقود جموع الأكاديميين إلى دائرة الفراغ والعدمية والخواء. وهذا يعني أنه يجب على الأستاذ الجامعي الحقّ أن ينفلت من وهدة الأمية ليحقق صورته المفترضة المضيئة. ولا يكون ذلك إلا بالتزامه الضوابط العلمية والأخلاقية والإنسانية والثقافية التي يفترض أن يتحلى بها، وألاّ يحيد عنها في مسيرته الأكاديمية. ولا مراء في أن أي انتقاص في هذه الشروط يمكنه أن يدفع الأستاذ الجامعي ويضعه خارج مسار الرسالة التنويرية للأكاديمي الحقيقي الفاعل في الفضاءات العلمية والثقافية لجامعاته.

 فمظاهر الأمية الأكاديمية – كما أسلفنا- تتنوع بتنوع مؤشراها وتفاعل متغيراتها في دوران العلاقة المتبادلة بين العلل والمعلولات على صورة فعالية دائرية جدلية متعددة الأطراف في العلاقة بين الأسباب والنتائج، فالتلقين، على سبيل المثال، يشكل أحد الأسباب الرئيسية للأمية الأكاديمية، وهو في الوقت نفسه – أي التلقين- يشكل نتيجة طبيعة للأمية الثقافية. فالأستاذ الجامعي الذي يدرّس مثلا بطريقة التلقين يعزز ظاهرة الأمية الأكاديمية في نفسه وفي طلبته، وطريقته في التدريس التلقيني هي نتاج طبيعي لعملية التلقين التي تلقاها هو نفسه في دراسته الجامعية. وهذه العلاقة الدائرية، بين السبب والنتيجة، تنطبق على مختلف المؤشرات والمظاهر المتعلقة بالأمية الأكاديمية، فضعف اللغة العربية، على سبيل المثال وليس الحصر، يؤشر على الأمية الأكاديمية ويعززها، وهو في الوقت نفسه يشكل نتاجا لها، وهذه اللحظة التفاعلية تنسحب على جميع متغيرات الأمية الأكاديمية.

ولكن هذا التعقيد قد يتّخذ أبعادا واسعة، ويصل إلى أعلى درجاته عندما يشكل كل مظهر من مظاهر الأمية الأكاديمية وكل مؤشر من مؤشراتها نتاجا لمتغيرات الأمية الأكاديمية وعللا فيها في الوقت ذاته، فضعف اللغة العربية لدى الأستاذ الجامعي (وهو المثال الذي أوردناه آنفا)، يؤثر في مختلف مظاهر الأمية الأكاديمية ويتأثر بها، ويأتي في الوقت نفسه نتاجا لكل مؤشراتها. وهذا يعني أن مؤشرات الأمية الأكاديمية ومظاهرها ومتغيراتها تشكل نسيجا محكم التركيب والتعقيد، ولا يمكن فصل أي عنصر من عناصرها دون التأثير في التشكيلة البنيوية لنسيج الأمية الأكاديمية في نهاية الأمر. وبعبارة أخرى نقول: إن ظاهرة الأمية الأكاديمية ظاهرة بنيوية وظيفية مركبة ومتكاملة ولا يمكن فصل أحد عناصرها عن البنية التي ينتمي إليها على نحو شمولي. فكل عنصر يشكل سببا ونتيجة في ذاته وضمن دورة علاقته البنيوية بمختلف عناصر ومكونات هذه الأمية الأكاديمية.

ويبدو لنا أنه ليس من اليسير تناول مختلف متغيرات هذه البنية وتداخلاتها وعلاقتها الدائرية البنيوية بصورة واضحة، ومع ذلك فلا بدّ من محاولة تفكيك هذه البنية من خلال تحليل بعض مؤشراتها، ومن ثم سنحاول تفكيك هذه البنية من خلال استقراء وتحليل آراء أفراد العينة التي تبحث في جوانب هذه المسألة. وسنتناول في هذا الفضاء عدة مظاهر ومؤشرات منها: التلقين، والتعصّب، والبعد الأمني الانتهازي، والتصحّر الأخلاقي، وغيرها من العوامل والمتغيرات الفاعلة في هذه الظاهرة.

لقد بينت لنا تجربتنا في التعليم الجامعي، التي تمتد على مدى أربعة عقود، أن نسبة كبيرة جدا من أعضاء الهيئة التدريسية لا يتابعون ما يجري في مجال اختصاصهم – وأنا أشدد هنا على العلوم الإنسانية – وكثير منهم لا يجيد التكلم باللغة العربية أو الكتابة بها، كما أن أغلبهم يعتمد التلقين الساذج في عملية التدريس، ويستخدم أقصى أساليب التسلّط في تعامله مع الطلبة، كما أن أكثرهم لم يشارك قطّ في أي مؤتمر علمي، وكثير منهم لم يكتب مقالة فكرية أو بحثا علميّا في أي مجلة فكرية علمية. وبعضهم قضى حياته الجامعية في مرتبة مدرس، ولم يتقدم إلى الترقية بسبب عدم قدرته على إنجاز البحوث العلمية المطلوبة. فعلى سبيل المثال، وليس الحصر، بينت دراسة ميدانية لنا أن أكثر من 90% من أساتذة الجامعة لا يقدمون محاضراتهم باللغة العربية الفصحى. وتبين دراسات لا حصر لها أن أساتذة الجامعة يعتمدون على التلقين في ممارساتهم الأكاديمية. ونحن هنا لم نصل بعد إلى مناقشة اعتماد المذكرات العلمية البائدة، كما لم نناقش الشهادات المزورة، والأبحاث المسروقة، وغياب الأمانة العلمية، وانتشار الفوضى الأكاديمية التي تتمثل في الوساطة والمحسوبيات. وهذه الأمور تمثل مجتمعة أو متفرقة ما يمكن أن نسميه الفساد الأكاديمي الذي يفضي حتما إلى الأمية الثقافية الأكاديمية ويشكل عنصرا من عناصرها ونتيجة من نتائجها.

وفي كل الأحوال، فإنّ الأكاديميين، على خلاف الدور التنويري التنموي المطلوب وفي مقدّمته ترسيخ المفاهيم العلمية وتوخّي الحياد والموضوعيّة، يقومون ببثّ الخرافات والأوهام، وينشرون التعصب الفكري، ويضادّون كل مظاهر العلم والمعرفة العلمية. وكثير منهم يعانون من هيمنة القناعات الأيديولوجية الصارمة أو التصورات الخرافية المضادة للعلم والمعرفة، وهذا ما تؤكده تجارب الحياة والتفاعل مع هذا النمط من الأكاديميين الذي يفتقرون كليا إلى أبسط مبادئ المنطق والعلم والمعرفة.

ونحن لا نقول إن هذه المساوئ تتم بإرادتهم ورغبتهم، بل هي تحدث، في رأينا، تحت تأثير التخدير الثقافي والأكاديمي الذي يعانون منه. وهو تخدير ما يمكن أن نسميه بالجهل المركب أو المقنع، وهو ليس ناجما عن إرادتهم، بل عن أسباب موضوعيّة تفرز هذه الظاهرة. فالأستاذ هنا منتج متميز لعوامل الاستلاب التربوي والاجتماعي والثقافي. وهو بذلك لا يتحمل مسؤولية جهله، لأن الفعاليات التربوية السلبية أفرغته من عناصر الإحساس بالوجود الذاتي الثقافي وبالكينونة الواعية لما حوله، وممّا يجب عليه أن يقوم به في مهمّته العلمية والأكاديمية. وهذا يعني أن الأكاديمي المصاب بداء الأمية الأكاديمية يعيش في حالة استلاب واغتراب شامل لمختلف أبعاد الوجود الثقافي والأخلاقي.

هناك زملاء لنا في الجامعة وفي كليات العلوم – كما يقول الحبيب الدائم ربي- يستنكرون العلم، ويرفضون نتائجه، ويسخرون من دعاته، ويذهبون إلى إطلاق مفهوم “الخرافات العلمية” على كثير من الحقائق العلمية والطبية الكبرى، مثل: خرافة الفيتامينات والفيروسات والجينات والتطور الطبيعي للأنواع، بل ويعتبرون غزو الفضاء “أكذوبة كبرى” ومهزلة علمية، ويؤكدون، بل يبرهنون بأدلتهم القاصرة أنه من المستحيل علميا الوصول إلى القمر أو المريخ، وأن الوصول إلى هذه الكواكب لا يمكن أن يكون إلا للأنبياء والصدّيقين، ويستنكرون على زملائهم سرعة تصديق هذه الأوهام العلمية (ربي، 2019). ولعل كثيرا منهم قد اتّخذ من الفتاوى التقليدية المضادة للعلم منهجا، فذهبوا لرفض أقوال العلماء بأن الشمس ثابتة وأن الأرض دائرة، وأدانوا هذا القول واستنكروه بوصفه قولا شنيعا منكرا، وهاجموا من يقول بدوران الأرض حول الشمس، وحكموا عليه بالزندقة والكفر والضلال، وأوجبوا عليه التوبة، وهذا ما يبثّونه بين طلبتهم وتلامذتهم، ويرسخونه في عقولهم.

وهناك أكاديميون يحملون الألقاب العالية يهاجمون أينشتاين ونظريته النسبية، ويصفونه باليهودي الذي ملأ الأرض ترهات وخزعبلات وأوهاما. وهناك من أساتذة العلوم والرياضيات الذين ما زالوا يزورون أضرحة الأولياء الصالحين طلبا للعافية والشفاء. وهناك رؤساء جامعات يزورون هذه الأضرحة ويقبلون جدرانها وأصنامها كما يفعل الجاهلون والأميون، والأدهى من ذلك أن بعضهم يقبل أيادي المشائخ ورجال الدين الأميين الذي لم يتعلموا في مدرسة ولا يحملون حتى شهادة ابتدائية. طبعا يمكن كتابة مجلدات عن هذه الأنماط من الأساتذة الجامعيين الأميين الذي يحملون في ذواتهم مخزونا أسطوريّا من الأوهام، ويمتلكون القدرة على الترويج للأساطير ومعاندة المنطق العلمي ومحاربة العقل وأحكامه، كما يحاربون نتائج العلم الكبرى في الجاذبية والدوران.

وإنه لمن الخطورة بمكان أن تكون الجامعة متخمة بأنصاف المثقفين والأكاديميين الأميين الذي جعلوا من شهاداتهم ومناصبهم الأكاديمية سواتر يختبئون وراءها، ويخفون عيوبهم الثقافية والعلمية تحت ستار الأقنعة المزيفة من شهادات علمية لا صلة لها بالثقافة. وهي ظاهرة خطرة يؤكدها السعوي ويصفها بقوله: “تتعاظم هذه الإشكالية عندما يكون هذا النموذج الأكاديمي الأمي المقنع منتمياً إلى إحدى الجامعات فهنا تكمن الخطورة، لأن الجامعة كمؤسسة أكاديمية، تعتبر مركزاً تنويرياً، وقوة استقطابية، متضمنة – أو هكذا يفترض- للمعنى الذي أنشئت من أجله وهو تشكيل ملامح الوعي العام، فإذا كان أحد المنتمين إليها بهذا المستوى المتدني، فهذا يعني أن ثمة تهميشاً لدور الجامعة، تقليصاً لفعاليتها، وتضئيلاً للجغرافيا القيمية التي تحتلها، لأن الأستاذ هنا يبيت مصدراً من مصادر تفسّخ الوعي وإرباكه” (السعوي، 2004).

ويتناول المفكر الكبير فهمي جدعان هذه الظاهرة المخيفة بالنقد والرفض، وفي سياق هذا التناول يغمز من طرف خفي من قناة الأكاديميين العرب، ولا يعيرهم إلا قليلا من الاهتمام، إذ لا يرى فيهم أكثر من حملة شهادات علمية براقة يضعونها كأقنعة مزيفة ليغطّوا بها ضحالتهم الفكرية وجهلهم وأميتهم الثاوية في الأعماق، وقد جاء وصفهم في كتابه: (الطريق إلى المستقبل) بأنهم “يغرقون في شبر من الماء” (جدعان، 1996).

ويطلق الكاتب السعودي سلطان الحويطي على الأمية الأكاديمية للجامعيين العرب صفة ” الجهل المتوهم علما “. ويؤكد على خطورتها المتنامية في المشهد الأكاديمي العربي العام، فيقول: أصبح “المثقفون” و”الأكاديميون ” العرب – في جلهم – قلاعا حصينة استوطنها الجهل (الحويطي، 2021). وضمن هذه القلاع الحصينة يبحث كثير من الأكاديميين العرب اليوم عن المظاهر الخادعة والأوهام الأكاديمية المضللة لهم، وهي التي يمكن أن تتجسد في مكتب فخم أو في سيارة فاخرة، أو في حفل عامر، أو في وسام جديد، أو منصب تليد. وهذه الأوهام الأكاديمية كلها ترمز وتجسد حالة العدمية الثقافية والفراغ العلمي والتهالك المعرفي الثقافي عند الأكاديمي المصاب بداء الجهل والأمية الأكاديمية، وتشكل هذه الأوهام الخادعة والمظاهر الفارغة التي يوظفها الأكاديمي وسيلة من ضمن وسائل أخرى لإخفاء عجزه وجهله وأميته الراسخة.

فالأكاديميون الذين تنطبق عليهم أوصاف الأمية الأكاديمية يغلب أن يكونوا قد تخرجوا من جامعات مترهلة متهالكة، ودرسوا بمناهج التلقين وطرائق القرون الوسطى في التربية والتعليم، وهم الذين كانوا وما زالوا ضحية هذا التلقين الذي يعتمد المذكرات المنسوخة والأمالي البائسة التي تحرض الذاكرة دون العقل والنقل دون التفكير، وهم في كل الأحوال قد تشكلوا بطريقة سطحية هامشية لا عمق فيها ولا ثقافة حقيقية أو تحريضا ذهنيّا. هؤلاء الأكاديميون الأميون الذين ينتشرون في جامعاتنا انتشار النار في الهشيم يقدمون لطلبتهم معلومات مغلقة مشوهة متشبعة بديماغوجيات أسطورية متوهمة، وهذا لأنهم لا يملكون في حقيقة الأمر الحدّ الأدنى من الإعداد الفكري البيداغوجي الذي يمكنهم من أداء دورهم التنويري المفترض. وهذا الوضعية القائمة تشكل تهديدا خطرا على الحياة الأكاديمية وتدميرا ممنهجا للعلم والمعرفة والثقافة في مجتمعاتنا البائسة.

8- الخاتمة:

يعتقد كثير من الأكاديميين، إن لم يكن معظمهم، أن الحصول على الشهادات العلمية العالية يمنح أصحابها مشروعية الانتماء إلى النخبة الأكاديمية المثقفة، وفي هذا الأمر مغالطة كبيرة جدا تقوم على وهم العلاقة بين الشهادة العلمية والثقافة، إذ لا يمكن للشهادة مهما علا شأنها، أو بلغت درجتها، أن تمنح صاحبها شرف الانتماء إلى الثقافة أو إلى النخب الثقافية في المجتمع. فالشهادة خطوة أولية مساعدة قد تفتح لصاحبها سبل الارتقاء في مدرجات الحضور الثقافي، كما أنها قد تكون عائقا كبيرا – وهذا ما يحدث في الأغلب – لحامليها من الوصول إلى أبراج الثقافة والمعرفة العليا، وذلك لأن اعتقاد حامل الشهادة بأنه قد وصل إلى غاية العلم يولد في نفسه كبرا وجهالة ما بعدها جهالة، فالحصول على الشهادة يدفع أصحابها إلى الاستكانة والخلود إلى حصن الشهادة العلمية، فيتوقف عن الجهد والتحصيل والبحث العلمي والانصقال الثقافي، ومع الزمن يتراجع المستوى المعرفي والثقافي لحامل الشهادة إلى حالة من الضّحالة الفكرية والعدمية الثقافية. وما يؤسف له أن هذا الوهم “الشهادتوي” يهيمن على أصحاب الشهادات كما يهيمن في الوقت نفسه على عقول الناس وتفكيرهم، وذلك لأن مجرد حصول أحدهم على شهادة الدكتوراه، يحمل الآخرين على الاعتقاد أن صاحبها قد بلغ شأنا عظيما في مجال الفكر والثقافة والمعرفة.

لقد بينت دراسات الأمية أن أيّ متعلم يتوقف عن التعليم ينحطّ مستواه التعليمي حتى أدنى الدركات وصولا إلى الأمية، وهذا ما يتجلّى واضحا في قول ابن قتيبة عندما يقول: ” لا يزال المرء عالما ما دام في طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد بدأ جهله “. فحملة الشهادات الثانوية وغيرها عندما يتوقفون عن المتابعة والتحصيل لفترة طويلة ينسون حتى الأحرف الأبجدية ويعودون من جديد إلى صفوف الأميين. وتشكل هذه العودة السلبية أحد عوامل انتشار الأمية في العالم. وهذا يعني أن التوقّف عن التحصيل يشكّل عاملا من عوامل ارتفاع مستوى الأمية الأبجدية أيضا، وهذا ينسحب أيضا على المسألة الثقافية، فمن لا يتابع التحصيل والكدّ الثقافي معرض باستمرار للعودة إلى نقطة البداية التي تتمثل في حالة الجهالة والعدمية.

إنّ الثقافة معركة مستمرة يخوضها المثقف في مواجهة جهله، من أجل خفض مستويات الجهالة الكامنة في خلده. لقد علمونا في جامعاتنا الغربية التي تخرجنا منها هذه الحكمة التي تقول: إن الحصول على الشهادة، شهادة الدكتوراه، هو نقطة البداية في رحلة العلم والمعرفة، وردّدوها مرارا وتكرارا على مسامعنا كي لا يأخذنا العُجب بأنفسنا عند حصولنا على الشهادة المنتظرة؛ كان أساتذتنا يقولون لنا عندما تحصلون على الشهادة الكبرى، عليكم منذ لحظتها أن تبرهنوا على أنكم تحملون هذه الشهادة بشرف، والشرف هنا سيكون بالعمل والبحث والكد والإنتاج والمغامرة الثقافية، ومن غير ذلك فإنكم تحكمون على أنفسكم بالفراغ والعدم وعدم الأهلية، ثم يقولون لنا: أثبتوا للآخرين أنكم تستحقون ما حصلتم عليه من شهادات عليا.

وهذا ما ذهب إليه عميد الأدب العربي طه حسين، بقوله، لحظة حصوله على شهادة الدكتوراه: “الآن بدأت”. وما كان لطه حسين وغيره أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه من علم ومعرفة وحضور ثقافي كبير لو اكتفوا بمهابة شهاداتهم العلمية وعظمة درجاتهم الأكاديمية، ولكنهم وظفوا أنفسهم وقدراتهم على مدى السنين في العمل الفكري والعلمي حتى استطاعوا أن يصقلوا أنفسهم وأن يبلغوا ما بلغوه من علم ومعرفة، وما حققوه من إنجازات ثقافية على مدى حياتهم القصيرة. فالعلم كما يقال لا يعطيك بعضه إن لم تعطه كلّك، وهذا يعني أن الثقافة معادلة خطرة تقتضي من طلبتها نوعا من التبادل، فالثقافة تقول أعطني كلك سأعطيك بضعا مني، وهو شرطي المطلق. وعلى هذا النحو يتشكل المثقف بالمثابرة والصراع والتحدي والنضال اليومي في مجال العلم والمعرفة.

وجاء في التراث أنه قيل للـصحابي عبد الله بن عباس: كيف حصلت على هذا العلم؟ قال: ” بتوسد ردائي في القيلولة، والريح تَسُفُّ على وجهي، وتهب عليه من الرمل ومن وهج الصحراء ثلاثين سنة” (أبو غدة، 2009، 376). وقيل ـ لعطاء بن أبي رباح [1]: “كيف حصلت على هذا العلم؟ قال: بتوسدي فراشي في المسجد الحرام ثلاثين سنة”. أي إنّه لا يعرف بيته ثلاثين سنة، وهو يطلب العلم. وأحدنا يدخل في الكلية سنتين أو ثلاثاً ثم يخرج وهو جاهل، ثم يرى أنه إمام الدنيا، وحافظ العصر، وخاتمة المجددين!! (القرني، 2020). ويروي عبد الفتاح أبو غدة في كتابه المشهور (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل) قصصا وحكايات عن التضحيات الكبرى للعلماء بالنفس والمال والزمن في سبيل تحصيل العلم والمعرفة (أبو غدة، 2009). ورحم الله سقراط عندما كان يردد شعاره المشهور ” إنني أعرف شيئا واحدا وهو أنني لا أعرف شيئا “، فأين نحن اليوم من هؤلاء المفكرين والباحثين والرحالة والعلماء الذي قضوا حياتهم بكل تفاصيلها في العمل والكد والبحث والعمل في التحصيل العلمي والثقافي؟

وحال أساتذتنا اليوم، كما يبدو، حال هؤلاء الذين اعتمدوا على ما حصلوه من شهادات واكتفوا بما حققوه من ألقاب وحان وقت الحصاد، حان وقت الحصول على المكانة والسيادة والمواقع والمسؤوليات والمكافآت، وهم بذلك، ومع الزمن، يرتدّون إلى ما كانوا عليه من أمية وجهل وجهالة، فتتعاظم أوهامهم مع الزمن، وتتراكم في أنفسهم مشاعر الاستعلاء، حتى لا يبقى في أعماقهم سوى الفراغ الثقافي والجهل المعرفي؛ لأن الجهل يتعاظم بالإهمال بنفس الدرجة التي تتعاظم فيها المعرفة بالجد والعمل والكسب والتضحية. ومن هنا نقول على وجه التأكيد بـأن الشهادة الجامعية والشهادات العليا ليست نهاية المطاف المعرفي، بل هي البداية والخطوة الأولى نحو العلم والمعرفة، أو نحو الجهل والجهالة بمعانيها المختلفة.

وفي البحث عن أسباب ظاهرة الأمية الثقافية يرى سامح عبود: “أن هؤلاء الأذكياء والمثقفين والعلماء إما أن لهم مصلحة فيما يدعون، أو أن ثمة عيبا ما في طريقة تفكيرهم أو خللا ما في طريقة تعلمهم وتثقفهم، أو أنهم شخصيات مأزومة نفسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا. ولذلك تجد راحتها وحل مشاكلها في الإيمان بالخرافات والأوهام والهرب إلى دفء الخيال، والانغلاق حول ذواتهم المتعبة والقلقة هربا من وطأة الواقع المرعب والحياة القاسية، أو أنهم أشخاص يجدون سهولة في أن يجمعوا في آن واحد بين العقل العلمي الموضوعي والعواطف الوهمية الذاتية، أو أخيرا هم يعبرون بشكل غير مباشر عن الأزمة الحضارية للرأسمالية في طور هبوطها التاريخي، والتي أخذت العقول المثقفة والمتعلمة للطبقات السائدة فيها تتبنى المواقف غير العلمية بعدما كانت تأخذ بالمواقف العكسية في لحظة صعودها التاريخي” (عبود، 2002).

ومع أننا نرفض التفسيرات الأنوية التي تحيل هذه الظاهرة إلى عوامل سيكولوجية، فإنّنا نصرّ على تعليل هذه الظاهرة تعليلا موضوعيا يستند إلى العوامل والمتغيرات التاريخية والمجتمعية التي أحاطت بعملية التشكل الأكاديمي لأساتذة الجامعة ضمن منظومة متكاملة من الظروف والعوامل والمتغيرات التي أفرزت هذه الظاهرة وأدت إلى ترسيخها وانتشارها وهيمنتها في الأكاديميات العربية المعاصرة.

 فالأمية الثقافية تتحرك عمليا ومنهجيا في عدة فضاءات سياسية واجتماعية وثقافية وحضارية. ونزمع في هذا الكتاب تناول مختلف هذه الفضاءات بما تنطوي عليه من متغيرات لتحليل هذه الظاهرة بالعودة إلى عواملها الموضوعية الحقيقية.

ويغلب على ظنّنا أنّ الأمية الأكاديمية لا يمكن أن تنجم عن تقصير “ذاتاني” مشخصن للأكاديمي، ذلك أنّه، بما ينطوي عليه من قدرات وإمكانات، يتشكل على منوال الظروف الثقافية والتاريخية التي أحاطت به من مرحلة الطفولة، وفي ظلال التعليم في مختلف مراحله وضمن صيرورة الظروف الثقافية والتراثية التي تهيمن في المجتمع. وضمن هذه الرؤية يمكن أن نتحدث عن متغيرات مدرسية تربوية، ثم عن متغيرات ثقافية وأخرى سياسية واجتماعية متعددة. وتجتمع هذه المتغيرات في تفاعلها لإنتاج ذهنية الأستاذ الجامعي بما هو عليه من محاسن ومساوئ أكاديمية.

إنّ العوامل التربوية عديدة وهي تعتمد حركة دائرية منتجة لما يسمى بالأمية والجهل الأكاديمي. فالأستاذ الجامعي لا يسقط إلى العمل الأكاديمي من عَل، بل هو نبت طبيعي نما وترعرع في ظل الظروف التربوية والثقافية التي أحاطت به منذ طفولته حتى صيرورته أستاذا جامعيا. ونظامنا التربوي التلقيني، فيشكل المنبت التربوي للأكاديميين العاملين في الجامعات العربية، ومثل هذا المناخ يترك انطباعات التي لا تمحى في سيكولوجية الفرد وتكوينه العلمي. وكما نعرف أن النظام التربوي برمته من الروضة إلى الجامعة يحيي طقوس التلقين بمفرداته التسلطية المدمرة للعقل. وهو نظام “يزكى أسباب النجاح الدراسي لطالب العلم في حفظ واستعادة المعلومات دون الاهتمام بمضمونها، ويحارب الإبداع ويقتل المبادهة، ويضع العقل في زنزانات الجمود والسقوط والانحدار. واستطاعت هذه الأنظمة، كما تفعل اليوم، تخدير العقول وتمدير كل أدوات الفهم والنقد والتحليل والتساؤل والاستقراء والفهم. ومن هنا نشأ المناخ الذي هيأ هذا الجمود العقلي والذهني للفرد وإن يكن أستاذا جامعيا” (العدل، 2006).

وفي المدرسة نجد غالبا نمطا من الثقافة التي تحقر القيم الثقافية الحقة وتقلل من شأنها وترفضها على أنها موبقات وفجور ومكفرات تعمل على تدمير الأخلاق والقيم. فالموسيقا حرام، والشعر والرياضة إفك وفجور، والرواية والأدب تشجيع على الفجور، والخيال كذب ودجل، والمسرح بما فيه قذف وتقذيف في المجهول. وهذا يعني أن مدارسنا ترفض عمليا كل الجوانب المضيئة في الثقافة الإنسانية مثل الموسيقا والقصة والمسرح والأدب والشعر والرسم والنحت والتصوير، وينظر إلى كل هذه السمات والمظاهر بوصفها مدعاة للكفر والزندقة والمجون. وهي العوامل التي تشيد الشخصية الإنسانية وتجعل من الإنسان إنسانا. وضمن هذا الكفر والتكفير بالأدب والشعر والموسيقا يولد التوحش الثقافي ويتخلى الإنسان عن أجمل ما يمكن للنفس الإنسانية أن تكونه من جمال وأنسنة وإبداع وقيم أخلاقية. وفي هذه الأجواء ينشأ ويترعرع الأستاذ الجامعي فتموت مشاعره الحسية وحسّه الأخلاقي وذوقه الفني دون أن يبقى فيه سوى قليل من الصلف والعجب والغرور الأجوف، والقدرة على المداهنة والمراوغة في مجتمعات أسقطت عنها وشاح الجمال وارتدت أقنعة الجهل والمداهنة والمناورة. فلا غرابة أن نجد هذا الأكاديمي وقد انبرى يدافع عن الجهل وتكريس الأوهام في نفوس الناشئة والشباب. إنها دورة تربوية يقع فيها الجميع، جميع أفراد المجتمع، ولا تستثني أحدا إلا من شاء ربك.

 وتأتي العوامل الثقافية التي تهيمن في المجتمع وتقمع كل أشكال المبادهات وكل أنماط التفكير الحر، وهي تشكل مناخا مناسبا لانتشار الخرافات والأوهام والعدمية الأخلاقية والفكرية. والعقليات السائدة في هذه الثقافة تحرض الفرد وتفرض أنماطا من التفكير التي تصيب العقل في مقتل، فتأتي على كل أشكال العقلانية والتفكير الحر لتجعل من الفرد مجرد فرد في القطيع المبرمج على الطاعة والخنوع ورفض كل أشكال العقلانية والحرية العقلية. وفي هذه الأجواء أيضا يتشكل الأستاذ الجامعي بوصفه فردا في المجتمع وواحدا في قطعانه المترامية في فضاءات الوجود الإنساني. ومن هنا نرى أن الأستاذ الجامعي قد تمّ ترويضه وتطويعه ثقافيا قبل حتى أن يعرف الجامعة والمدرسة، فتتصلب الآراء وتتكاثف في عقله المطلقات وتتمكّن من ذهنه الخرافات والأساطير. ومن هنا تأتي الفضاءات الثقافية لتقوم بعملية التدمير الممنهج للعقل والعقلانية في الفرد الذي سيغدو أستاذا جامعيا يمارس دوره لاحقا في عملية إنتاج الجهل والأوهام.

وفي هذا الفضاء تموت في نفس الأكاديمي المستقبلي كل الأحاسيس النبيلة المتعلقة بالمطالعة والقراءة والبحث والتقصّي، فإذ هو يرفض الموسيقا والرياضة والحب والجمال والشعر والأدب التي تأخذ مكانها في الثقافة التقليدية بوصفها موبقات وفجورا وعدمية أخلاقية يحاسب عليها الفرد ويعاقب. وفي الوقت نفسه فإن الفرد في القطيع سيكون دائما مكتفيا بذاته القطيعية، فلا يستطيع أن يرى بعينيه خارج منظور القطيع الذي نشأ فيه وترعرع. ومن ثمّ، وفيما بعد الحصول على الشهادة والمركز، ينبري الأكاديمي للدفاع عن عقلية القطيع ثم يعمل لاحقا على ترسيخها بكل ما فيها من مغالطات وأوهام وأسقام، ويتحول إلى كائن رسولي يبشر بالخوف والجهل والعمى الثقافي الذي تمثله في دائرة المدرسة تارة، وفي فضاء القطيع الاجتماعي الثقافي تارة أخرى (العدل، 2006).

وفي الجامعة تكتمل القضية، إذ تضرب مطارق البؤس العقل الثقافي للطالب فتدمّر ما بقيت له من تطلعات ثقافية، إن كان في الوجدان من بقية. وترتسم الجامعة في صورة حفظ وتلقين وسعي للحصول على الوظيفة والشهادات، وهكذا تكون الجامعات قد أصبحت مصانع حقيقية للجهل والتلقين فغابت فيها قيم المعرفة والمثابرة، وغارت فيها المعاني الأخلاقية بما تنطوي عليه من فساد دائم وإفساد مستمرّ: التلقين، السرقات العلمية، الغش، الشهادات المزورة، الأستاذ القطيعي، المقررات العرجاء، التطبيع السياسي، والترويض العقائدي، الأيديولوجيات الرهيبة، والأوهام الكبيرة والفساد الأكاديمي الخ… كل هذه الأمور تشكل الفضاء الذي يعمل على تشكيل شخصية الأستاذ الجامعي المستقبلي، الذي سيكون منتَجا ومنتِجا للثقافة الأكاديمية التي تلقاها في ثقافة القطيع الجامعية. حتى إنّنا قد نجد الأستاذ الذي لا يقرأ كتابا خارج تخصصه، ويرفض أن يحضر حفلة موسيقية واحدة في تاريخه الأكاديمي، ويرى أن الموسيقا كفر وإلحاد وزندقة والمسرح وبالا أخلاقيا، ويتصور أن المتاحف مكان يحضره الأفاكون المنحرفون، وهذا كله يعني أن الأستاذ الجامعي قد فقد روحه الإنسانية وقدرته على تذوق الفن والحياة والموسيقا والحب والجمال، ولم يبق له من إنسانيته سوى صراخ الطلبة وبقية دفاتر وأقلام باهتة مشوهة الملامح، ومذكرات يتلوها على طلبته آناء الليل وأطراف النهار. وفي الجانب الآخر من هذه الحياة الجامعية التي يجب أن تشكل للطلبة تنويرا يتم تشكيل العقول فيها ظلاميا، فالغالبية من أساتذتنا يتبنّون شعارات مضادة للعقل والفلسفة وفق المبدأ المستهلك: كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أو وفقا للشعار الظلاميّ: كل من تفلسف تمنطق ومن تنمطق تزندق وكل زنديق في النار. وهكذا، وفي هذه الجامعات تعلن الحرب على العقل والعقلانية والكرامة الإنسانية. وفي هذه الأجواء الموبوءة ينشأ الطالب ويتشكل عقله. وعندما يجتاز الاختبارات ويحظى بالشهادات ويرتقي أستاذا جامعيا فلا ريب أن سيكون منتجا بامتياز للثقافة التي شكلته وللجامعة التي أنتجته.

وفي هذه الأجواء من إنتاج وإعادة إنتاج الثقافة الأكاديمية والثقافة السائدة في المجتمع، وهما في توافق كلي، يتم إنتاج الإنسان وإنتاج الأستاذ الجامعي أيضا الذي يتحول إلى ربان السفينة في عملية إنتاج وإعادة إنتاج للوهم والجهل والخرافات والأساطير، دون أن يدري بقدرته التدميرية، ودون أن يعرف حتى مدى التأثير السلبي الكبير الذي يحدثه في طلبته والأجيال. والمشكلة كما أسلفنا تكمن في أن الجهل المركب هو جهل جاهل لا يدري أنه يجهل.

 في هذه الأجواء لا غرابة إذًا في أن تخرّج جامعاتنا طلبة سيئي التأهيل كما يقول أو زينة، ذلك أنّها جامعات اغترابية مغتربة استلابية مستلبة منتجة للجهل والأمية، والفاعلون فيها أيضا منتجون للجهل ونتاج لعملية هذا التجهيل الأكاديمي الذي يأخذ مداه طيلة المراحل الجامعية العليا بعد أن يكون قد ترسّخ في المراحل الدراسية ما قبل الجامعية. وهذا يعني أننا في جامعاتنا نعاني من غياب الأستاذ التنويري الذي يمتلك أدوات النقد والتفكير الحرّ، وإن وجد في جامعاتنا، فإنه كالصدف البحرية التي يصعب أن تجدها في قيعان البحار وشواطئ الأنهار. ” وثمّة فارق أكيد بين طالب يتتلمذ على مفكّر متفتح العقل، واضح المنهج والجديّة في توليد المعرفة الجذّابة وتحريض العقل، وبين آخر يجلس إلى أستاذ بلا هيبة، يُلقي عليه منهاجاً محفوظاً عفا عليه الزمن، ويكرره طوال عقود من عمله في بعض الأحيان، ويجهل قطعاً أين وصل العالم في الحقل الذي يُفترض أنه متخصص فيه” (أبو زينة، 2012).

 هكذا نخلص إلى أنّ الأمية الأكاديمية، أو ما يمكن أن نسميه الجهل المقنع أو ” الجهل المتوهم علما” قد أفضى بنا إلى الوقوف على أنّ معظم الأكاديميين العرب، الذي كان يُفترض أن يعوّل على علمهم وحكمتهم ورجاحة عقولهم في الأزمات وفي المنعطفات التاريخية، قد أصيبوا بالجهل الأكاديمي، أو بالمعرفة المتوهمة علما. وقد بينت التجارب المريعة، التي شهدتها المنطقة العربية، ولاسيما في سوريا ولبنان واليمن وليبيا وغيرها من البلدان المنكوبة، أن كثيرا من الأكاديميين انحدروا إلى الدرك الأسفل من السّلوك الغرائزي الطّائفي والعرقيّ والمذهبي الأرعن، وانضمّوا إلى القطيع الذي ينوء بأثقال التخلّف والجهل. ولم يستطع كثير منهم أن يُخْفُوا هذا التدفّق السادي المهووس والمدجن بقيم التخلف والسقوط في مستنقع الأوهام النزوية الماضوية التي تجد صداها في أعمق طبقة من طبقات الوعي والوجدان، فانضمّوا إلى القطيع يردّدون أناشيد التعصّب، ويتمايلون على إيقاع التمذهب، ويهزجون بكل خرافات الماضي وأباطيل التّقاليد التي لا يمكن أن تصمد أمام العقل والمنطق والبرهان.


المراجع:

  • أبو رمان، محمد (2010). من سرق الجامعة، موقع خبرني، لتاريخ: 2010-09-27. http://bitly.ws/9rC9
  • أبو زينة، علاء الدين (2012). أين الأكاديميون؟! الغد، فبراير 16, 2012. http://bitly.ws/dC45
  • أبو زينة، علاء الدين (2013). أيّ أستاذ جامعة…! الغد، 31/3/ 2013. http://bitly.ws/dJVj
  • أبو غدة، عبد الفتاح (2009). صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل، حلب: مكتبة المطبوعات الإسلامية.
  • أبو هاشم، عبد اللطيف زكي (2005). ماذا جنى علينا الدكاترة.. العلاقة بين أمية الأكاديمي ولا أكاديمية المثقف، 2/8/ 2005. https://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2005/08/02/26021.html
  • أحمد، جهاد (2018). رغم تزايد الأكاديميين.. «المثقف الحقيقي» مهدد بالانقراض، الاقتصادية، الخميس 14 يونيو 2018. http://www.aleqt.com/2018/06/14/article_1404131.html
  • إخوان الصفا (2011). رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا، المجلد 1، ط 3، بيروت: دار صادر.
  • آدم، محجوب (2017). الواقع الثقافي: أمية ثقافية عالية بين طلاب الجامعات العربية، التحرير، 03 أبريل 2017. https://www.alttahrer.com/archives/202
  • برقاوي، أحمد (2018). الحاجة إلى الأكاديمي المثقف، لا إلى الأكاديمي الصنم!، حفريات، 2018-01-31. https://www.hafryat.com/en/node/1083
  • بوسريف، صلاح (2016). المُـثـقَّف الجامِعِـيّ أو أَسْرَى كَهْف أفلاطون، القدس 8 – يوليو – 2016. http://bitly.ws/9rC6
  • تركماني، عبد الله (2010). الأنظمة العربية وتكريس ثقافة إقصاء الآخر وعزله، القدس العربي، لندن 6/5/2010.
  • الجابري، محمد عابد (1988). تكوين العقل العربي، الجزء الأول نقد العقل العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
  • جدعان، فهمي (1996). الطريق إلى المستقبل، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
  • جنابي، هاتف (2005). الأمية الثقافية في العالم العربي، إيلاف، الثلاثاء 13 سبتمبر 2005. https://elaph.com/Web/ElaphWriter/2005/9/90086.html
  • الجيلالي، كرايس (2020). القراء الجدد وإشكالية الجهل المؤسس، روافد بوست، 1 يوليو 2020. https://www.rawafidpost.com/archives/10465
  • الحويطي، سلطان (2021). الجهل المُتوهم علماً، صحيفة صدى تبوك الإلكترونية، 31/5/ 2021. https://sada-tabuk.com/articles-action-show-id-1652.htm
  • ديب، دلال ذهب (2019). زمن فك الحرف ووصل عصر “الأمية الثقافية”، اللواء، 27 شباط/فبراير 2019. http://bitly.ws/9rC4
  • ربي، الحبيب الدائم (2019). ما يشبه الفضيحة، المنار الثقافية الدولية يوليو 08, 2019. https://almanarjournal2.blogspot.com/2019/07/blog-post_102.html
  • ربيع، محمد عبد العزيز (2018). تأملات في الإشكالية الثقافية: محنة الثقافة العربية، عمان: دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع.
  • الزاوي، أمين (2018). التوحش الثقافي، العرب، الأحد 2018/09/30. http://bitly.ws/cfRv-
  • السعوي، عبد الله بن محمد (2004). الجهل المقَنّع: رؤية من الداخل، الجزيرة، العدد 12631، 29/7/2004. https://www.al-jazirah.com/2007/20070429/ar2.htm
  • الشهاوي، أحمد (2019). أهلُ الجهل، المصري اليوم، 14/2/2019.

 https://www.almasryalyoum.com/news/details/1370206

  • عائض بن عبد الله (2020). دروس للشيخ عائض القرني: مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية، الدرس – 398. http://islamport.com/w/amm/Web/1539/520.htm
  • عبد الغني، مصطفى (2018). الأمية الثقافية والرقمية، الأهرام، السنة 142، العدد 47901، الاثنين 12 من جمادى الأولى 1439 هــ 29 يناير 2018.
  • عبود، سامح سعيد (2002). تقدم علمي تأخر فكري: فيض المعرفة اللامتناهي، الحوار المتمدن-العدد: 331، 8/12/2002، شوهد 15/2/2020:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=4261&r=0

  • القفاري، عبد الله (2018). الشهادات العلمية لا تصنع مثقفاً!!، العربية، 23 يوليو 2018. http://bitly.ws/dFtD
  • محرر البيان (2015). التلقين منهجية طغت في الجامعات العربية فقتلت الابتكار والإبداع، البيان، استطلاع الرأي، التاريخ: 02 أبريل 2015، https://www.albayan.ae/five-senses/culture/2015-04-02-1.2345328
  • النجار، خالد سعد (2015). أزمة الثقافة العربية المعاصرة، موقع إسلام ويب، تاريخ النشر: 04/10/2015 http://bitly.ws/9rC8
  • Hirsch, E.D., Jr. (1988). Cultural Literacy: What Every American Needs to Know.” New York: Vintage

[1] – أبو محمد عطاء بن أبي رباح أسلم بن صفوان، فقيه وعالم حديث، وهو من الفقهاء والتابعين في القرن الأول والثاني الهجري.


* المقال مأخوذ من كتابنا: الأمية الأكاديمية في الفضاء العربي الجامعي، الكويت، مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية، ط1، 2021. (الفصل الثاني).

اترك ردا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قراءة المزيد