التربية والثورة الرقمية

علي أسعد وطفة
1.3k مشاهدات
التربية والثورة الرقمية

ترجمة علي أسعد وطفة 

ليس خافيا على العارفين والدارسين بأن استخدام الوسائل الرقمية في التعليم كان قد بدأ منذ أربعة عقود  في مختلف أرجاء المعمورة، وقد ترافق ذلك بعملية دمجها المستمر في العملية التربوية. وقد أدرك المسؤولون في مجال التربية والتعلم أن الدمج الرقمي في المدرسة كان وما زال يشكل ضرورة حيوية في مجال العملية التربوية. ورغم الأهمية التي رسخها المفكرون حول ضرورة الدمج الرقمي في التعليم فإن تطور عملية الدمج الرقمي ما زالت بطيئة ، فالمدرسة لم تتغير كثيرا والمعلمون ما زالوا يحافظون على المسافة العريضة التي تفصلهم عن عالم الرقمية، وما زالت الرقمية إلى حدّ كبير بعيدة المنال، ولم تحقق تطلعات المفكرين والمربين في هذا الميدان. وفي مقابل ذلك يلاحظ وجود تراكم نوعي في مجال التجارب والتجديدات والنتائج في مجال استخدام الوسائل الرقمية وتوظيفاتها التربوية وذلك من أجل التعلم والتعليم، كما يلاحظ وجود كم كبير من المصادر الرقمية التي توظف من أجل التعلم عن بعد. فالمشهد ينطوي على تناقضات كبيرة ما بين أرجاء البلد الواحد وكذلك ما بين مختلف الدول على المستوى الدولي ما بين مختلف الدول في مختلف أرجاء المعمورة حيث يكون الدمج الرقمي مختلفا ومتنوعا ومتناقضا في مختلف مستوياته.

يمكن القول إن التطورات الرقمية في التربية قد اتخذت طابعا تكنولوجيا متطورا في البدايات، وتدريجيا بدأت الوسائل الرقمية المعلوماتية بالحضور في فضاء التعليم، ومع بداية هذا الحضور المعلوماتي انطلق التساؤل حول الأسباب التي تفرض على المدرسة استخدام الوسائل الرقمية وعن الكيفية التي تستخدم فيها في التربية: لماذا ولما تستخدم المعلوماتية في المدرسة؟ وكيف نتمكن من استخدامها؟ وقد بدأت هذه الظاهرة مع استخدام عدد كبير من الوسائل والأدوات الرقمية التي ما انفكت تظهر وتتجدد باستمرار مثل: الحاسوب المحمول (ordinateurs portables= Laptop)، والحاسبات ( desktop computers)، والسبورات الذكية (tableaux interactifs)، والهواتف اللوحية (Tablets) والهواتف الذكية (Smartphones) .

 وقد ترافقت هذه الظاهرة الرقمية بانتشار عدد كبير من الخبرات والنشرات العلمية حول كيفيات استخدام هذه التكنولوجيا الذكية في الوسط المدرسي، ومع ذلك ورغم هذه الجدة في استخدام التكنولوجيا الذكية لا تشهد الساحة تقدما كبيرا ملموسا في التدريب على استخدام هذه الوسائل الجديدة. وإذا كانت هذه الوسائل قد اكتسحت عالم المدرسة فإنه لا يوجد هناك مؤشرات واضحة حول تأثيرها في العملية التربوية أو استخدامها بصورة فعالة من قبل المعلمين والمدرسين في الوسط المدرسي، أو لنقل أن بعض الوضعيات التربوية تبدوا متناقضة مع المعلوماتية بأبعادها الرقمية. فعلى سبيل المثال تنزع البيئة الرقمية إلى تشجيع العمل التعاوني وهو نشاط لا يتوافق مع توجهات التربية التقليدية التي تنظر إلى الطفل أو المتعلم من زاوية فردية أي أنها تنظر إلى المتعلم بوصفه فردا وخارج سياق التعاون الذي تميل إليه التربية بالوسائل الرقمية. ويضاف إلى ذلك أن التكنولوجيا التربوية التي فرضت نفسها في المدرسة غالبا ما ينظر إليها كعبء ثقيل الوقع على المدرسة لأنها كثيرة التطلب حيث تقوم على أدوات ومواد متعددة ومصادر متنوعة، وتحتاج إلى الوقت والمساحة الكبيرة في الصالات والفصول. وهنا علينا ألا نصاب بالدهشة لأن تعميم التجربة الرقمية في المدارس المنتظر لم يتحقق حتى الآن.

هذا وتبين الدراسات الجارية في هذا المضمار أن الدول التي استطاعت أن تحقق تطورا كبيرا في عملية الدمج الرقمي في المدرسة مثل كوريا الجنوبية، وهولندا، وأستراليا، هي الدول التي استطاعت أن تعالج مسألة التقانة الرقمية من منظور تربوي دون أن تتردد في الوقت ذاته من طرح هذه القضية ضمن تصورات ثورية حول أهمية التجديد في وظيفة النظام التربوي برمته، وقد عرفت هذه البلدان بإرادة التطوير التربوي الكبير المعزز بإرادة سياسية صارمة وعزيمة اجتماعية دائمة.

إن الاهتمام بالتربية وإعطائها الأولية يعني الاهتمام بعملية التعليم والتدريب، ولا تكمن الأهمية هنا في توظيف كم هائل من التكنولوجيا الرقمية في الوسط المدرسي بل بعملية اغناء التربية وتطويرها من خلال التكنولوجيا حيث يترك للتربية أن تغتني بمعطيات التكنولوجيا وفوائدها وأن نجعل من توظيفها نشاطا تربويا جديدا. فالأهداف من توظيف التكنولوجيا يجب أن تكون تربوية بالدرجة الأولى وكذلك الطموحات يجب أن تكتسي حلتها التربوية.

وهذا يتطلب أن تقودنا الطريقة التي نتأمل بها ونتعامل بها مع التكنولوجيا إلى تحقيق الغايات التربوية المنشودة، وعلى هذه الصورة يكن لحقل الممكنات أن يزداد ويتضاعف في مجال العمل التربوي. وهذا بدوره يحمل المعلمين دورت مركزيا ومسؤولية كبيرة حيث يتوجب عليه أن يحظى هو نفسه بالكفاءة والقدرة على الإبداع في مجال العمل التربوي ولك من خلال استخدامه المميز لكل الوسائط التربوي الممكنة في الوسط المدرسي.

تفرض الثورة الرقمية حضورها المظفر في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية وابعادها. لقد باتت عملية إعداد التلامذة والمتعلمين ليكونوا مواطني المستقبل رهن عملية اكتسابهم للمعارف والخبرات والمهارات الضرورية في مجتمع يتدفق بالمعلوماتية والرقمية. وهذا يعني أنه لا يمكن للمجتمع أن يستمر في نقل المعلومات التقليدية بطرائق التربية الكلاسيكية التي انتهى عصرها وولى زمنها حيث أصبحنا الآن في عصر المعلوماتية التي طبعت الحياة بسماتها الرقمية. وهنا يتوجب على المجتمع وعلى خلاف ذاك أن يقوم بإعداد المتعلمين وتنشئتهم على المعرفة الرقمية لعالم الغد. ومثل هذه الرؤية وهذا السبق التربوي يشكل أولوية مركزية في سياسات البلدان التي حققت تطورها الكبير حضاريا وإنسانيا.

فالمعارف الإنسانية تتطور بطريقة مذهلة، حيث تسجل التقانة الرقمية حضورها المكثف في ميدان من ميادين العلم وفي كل حقل من حقول المعرفة. ولكن الأمر الذي يجب علينا أن نأخذه بعين الاعتبار فالمدرسة الرقمية لا تكتفي بتزويد الطلبة بما هو ضروري من المعرفة للقرن الحالي الحادي والعشرين فحسب بل تأخذ بعين الاعتبار عملية تأهيل الطلاب على سيناريوهات المعرفة المتوقعة في المستقبل بشقيه القريب والبعيد، وتعمل على اكساب المتعلمين القدرة على استشرافها وتمثلها من منطلق الاحتمالات والتوقعات، ومن خلال وضع سيناريوهات متقنة لصورة المستقبل المحتملة ومآلاته. فالمعرفة تشهد حالة تغير متسارع وانفجار مستمر وتلك هي حقيقة دامغة في العصر الذي نعيشه. وهنا يتأصل الحديث الدائم عن المجتمعات الذكية التي تأخذ فيها المعرفة طابعا اقتصاديا وسياسيا. فالمعرفة كما أشرنا تتجدد وتتجلى دائما على صورة إبداعات يومية مستمرة، وهذا يعني بالضرورة أن المدرسة ليست هي المصدر الوحيد للمعرفة، وبالتالي فإن وظيفتها لا يمكن أن تنتهي عند حدود نقل المعرفة فحسب، أو أن تتقلص إلى مجرد عملية اكتساب للمعرفة التقليدية، فالمدرسة اليوم معنية بتنمية المعرفة بما تنطوي عليه من ذكاءات ومهارات وخبرات وإمكانيات معرفية، وهي ضمن مقتضيات هذا الدور تنتقل من طور مدرسة المعلومات إلى مدرسة المعرفة أو الذكاء المعرفي. وهذا يعني أنه يتوجب عليها أن تعنى منذ اللحظة بالكيفيات التي تجعل المتعلمين منتجين للمعرفة لا مجرد مكتسبين لها. فالقدرة الحقيقة لأي نظام تعليمي تكمن اليوم في قدرته على دمج المعرفة الذكية في التعليم إبداعا وانتاجا، وفي قدرته على تمثل معطيات عالم المعرفة تجاوزا لعالم المعلومات، وهذا يشكل شرطا أساسيا من شروط النجاح في السياسيات التربوية في أي مجتمع من المجتمعات المعاصرة.

فالمجتمع المعرفي هو صيغة اجتماعية للمجتمع الذكي التي تتمثل في قدرته على تمكين افراده من الوصول السريع إلى المعرفة والمعلومات عبر التواصل الفعال مع المعرفة وفيما بينهم، كما يمكنهم في النهاية من القدرة على العمل التعاوني المبدع في جماعات وضمن مؤسسات. فالشبكات الإليكترونية في مجتمعات المعرفة والمعلوماتية تساعد جوهريا في عملية بناء المعرفة الشاملة، وهي تعمل بالتالي على كسر الطبقية التقليدية وتهشيمها، كما تعمل على تغيير المؤسسات الكلاسيكية، وهذا يشمل النظام التربوي برمته. ومن هذه الزاوية يتوجب على النظام التربوي أن يتغير فعليا ويغير تحت تأثير المنظومات الشبكية الجديدة في المجتمع.

فالمدارس التقليدية تتميز بطابعها الفردي، إذ غالبا ما تعمل على نقل المعلومات والمعارف على نحو فردي، وتقوم في الآن الواحد بتطوير الذكاء الفردي والذاكرة الفردية، وهذا ينسحب على المعلمين أنفسهم الذي يواظبون على الممارسة الفردية. وعلى خلاف هذه الصورة فإن المدارس الرقمية المعاصرة تتطلب وبشكل متزايد المهارات التعاونية الجمعية كما تتطلب القدرة على العمل مع الآخرين والتفاعل معهم فالعمل الجماعي التعاوني المثمر هو خصيصة جوهرية في بنية المجتمعات الحديثة، وهذه الروح التعاونية توجد في أصل نجاح هذه المجتمعات وتطورها. وفي عمق الصيرورة للتعاون الاجتماعي في المجتمعات الحديثة فإن الرقمية تعزز الذكاء الاجتماعي، وتنهض بالذاكرة الجمعية. وهذا يعني أنه يتوجب على الأنظمة التعليمية أن تأخذ بعين الاعتبار هذا الطابع الجديد وتلك الروح المتجددة التي تتسم بها المجتمعات الحديثة التي حققت تقدمها الملحوظ في مجال الأنفوميديا الرقمية.

وهنا يتعين على التكنولوجيا الرقمية الجديدة، وضمن سياقاتها الاجتماعية المحددة، أن تؤسس لرؤية جديدة في مجال التربية والأنظمة التربوية على حد سواء، وذلك لأن التربية التقليدية لا تستطيع أن تؤدي دورها في مجتمع المعلوماتية الرقمية. فالتعلم من خلال الهواتف اللوحية الذكية لا يتم بالطريقة نفسها التي يتم فها توظيف الكمبيوتر المكتبي، وهذا يعني أن إدماج الرقمية في التربية يتم وفق مخططات استراتيجية تربوية معدة على نحو علمي: علينا الأخذ بعين الاعتبار السياق الزمني والمكاني لعملية الادماج الرقمي ومتطلباته، مثل: التنسيق بين التعليم الفردي والتعليم التعاوني، التكيف مع الوسائط الإليكترونية النقالة، التمكين، التعليم عبر الشبكات ومن خلالها، توجيه التربية لتأكيد العوامل الفردية، أو ما يسمى بتفريد التعليم، أي الأخذ بالسمات والخصائص الفردية لكل متعلم بعين الاعتبار، ثم الـتأكيد على مبدأ التعليم والتعلم مدى الحياة، وهنا يترتب على الأنظمة التربوية في ظل هذه الرؤية أن تعمل على استحضار جوهري لمختلف أشكال التربية الحديثة.

السؤال المركزي الذي يطرح نفسه في هذا السياق: كيف يتأتى لنا أن نقوم بإعداد التلامذة وتأهيلهم وفق المعايير الثقافية لثقافة العقود الجديدة القادمة من القرن الحادي والعشرين بأبعادها الرقمية؟ وهنا يتجلى أمامنا خيار أساسي يتمثل في تأهيل المتعلمين رقميا عبر واحد أو أكثر من الفروع المعرفية مثل التربية العابرة للاختصاصات العلمية. ففي كوريا الجنبية عى سبيل المثال تم ادخال التعليم الرقمي عبر مقرر اجباري تحت مسمى المعلوماتية (Informatique) في مختلف مستويات النظام التعليمي. ويركز هذا المقرر على التفكير حول المعلوماتية في العالم الحقيقي ويسمح للطلاب بعملية البحث عن حلول لمشكلات التقانة الرقمية عبر تمثلهم لمختلف القواعد والرمزيات التي تتصل بهذا المقرر ويمكنهم من القدرة الحقيقة على تنمية قدراتهم وتطوير ذكائهم الرقمي في مجال المعلوماتية. ومثل هذه الممارسة التربوية للرقمية والمعلوماتية نجدها في استراليا حيث يتابع الطلاب تحصيلهم الرقمي وفق مقررين يطلق على الأول تصورات تكنولوجية وعلى الثاني التكنولوجيا الرقمية. وتتنوع هذه السياقات المنهجية ما بين بلد وآخر ولكننا نلاحظ أن مقررات المعلوماتية الرقمية تأخذ دورا محوريا ومركزيا في البلدان المتقدمة بصورة عامة بينما ما تزال صورتها غامضة وقاتمة في كثر من البلدان النامية.

ومن موقع هذا التساؤل حول دور التربية في إعداد الفرد للمستقبل الرقمي يتوجب علينا أن ننظر إلى الجوانب التي تتعلق بالتأهيل العقلي وكذلك المدني والاجتماعي للمتعلمين عبر التربية الرقمية. فأهمية الدمج الفعال النقدي للفرد في مجتمع المعلوماتية في المستقبل ليست أبدا موضعا للشك. وفي هذا المقام يقول هوجينبارك (P. Hogenbirk) ” إنه لمن الصعوبة بمكان البرهان على ما إذا كان استخدام التكنولوجيا الرقمية يحسن الأداء التعليمي في المدرسة “. وكما يرى كيم HJ Kim لا توجد “أمثلة مقنعة بما فيه الكفاية حول الكفايات والمهارات المستقبلية، مثل: اتخاذ القرار المستند إلى البيانات، وحل المشكلات المعلوماتية، والتفكير المعلوماتي، والتمثل الإبداعي “. وبالتالي فإن هذه الأمور الغامضة يمكنها أن تتضح في تجارب المدارس الرقمية التي يمكنها أن تقدم لنا تصورات مهمة حول الصيغة التي تتجلى فيها التربية الرقمية في المستقبل القريب أو البعيد.

ويضاف إلى ما طرحناه من تشاكلات حول دور المدرسة الرقمية في تشكيل الفرد، مسألة التأهيل المهني للمعلمين في العصر الرقمي القادم، ومما لا شك فيه أن الثورة الرقمية لن تؤدي إلى إلغاء مهنة المعلمين ولكنها تتطلب تغييرات جوهرية في أدوارهم المهنية. فالثورة الرقمية نفسها تحتاج المعلمين المتميزين أصحاب الكفاءات والمهارات التربوية بوصفهم الأكثر جدارة وقدرة على مجاراة الثورة الرقمية في لدن الأنظمة التربوية المهيأة للتغيير الرقمي. وهذا يعني المدرسة الرقمية تؤكد أهمية الحاجة إلى المعلمين الخبراء في مجال التربية والتعليم الذين يعول عليهم في عملية تأهيل الطلاب بالمهارات والخبرات التربوية الضرورية التي تسمح لهم بشق طريقهم في عالم شديد التعقيد في عصر الثورة الرقمية المنتظرة.

ومن الطبيعي القول في هذا المسار بوجود تباينات ومفارقات وفجوات رقمية مختلفة وفقا لمستويات التطور الملاحظ في مختلف الدول وفي مختلف الأزمنة، ولكن هذا التطور المذهل للرقمية في أتون المدرسة وفي غيرها من المؤسسات الاجتماعية سيضع الإنسانية في عصر يصفه برويارد É. Bruillard, ” بزمن نهاية اليقين” « la fin des certitudes ».

وإذا كانت الأجيال الجديدة قادرة على مجاراة الثورة الرقمية لتطوير علاقات جديدة في الحياة مع المعلوماتية ومع المجتمع، فإن المدرسة لا يمكنها أن تتكيف لتجاري هذا التطور بسهولة وعفوية، فالأجيال الجديدة تتفاعل مع التكنولوجيا الرقمية بسهولة، وعلى خلاف ذلك فإن الأنظمة التعليمية التقليدية تقاوم التغيرات الرقمية وهي تحتاج إلى جهود كبيرة لتمثل التحولات الرقمية الجديدة كما تحتاج إلى منظومة من التغيرات البنيوية التي تمكن في نهاية الأمر من تمثل معطيات الثورة الرقمية ودمجها في الحياة الأكاديمية المدرسية. وفي كل الأحوال فإن الدمج الرقمي في المدرسة لن يكون إلا عبر جهود كبيرة مثمرة تبذلها الدولة في حقل الأنظمة التربوية.

وتجدر الإشارة هنا الى تضاؤل الدور الحيوي للمدرسة ووظيفتها في العصر الرقمي حيث لا يمكنها أن تبقى على حالها بوصفها المصدر المركزي للمعرفة، أو بوصفها المؤسسة التي تحتكر المعرفة ومصادرها بامتياز، حيث يبشر المجتمع الرقمي بظهور مؤسسات هائلة تقوم بعملية نشر المعرفة وفقا للحاجات الاجتماعية المتزايدة في مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية. وهذا يوجب على المدرسة أن تركز على مهماتها الأساسية التي تستطيع أن تؤديها فعليا ولاسيما العمل على تأصيل الثقافة الرقمية بين المتعلمين. والتركيز على تأصيل القيم الأخلاقية والاجتماعية التي يحددها المجتمع لنفسه، وترسيخ المنظومات القيمية الجديدة التي تتعلق بالمساواة المدرسية، ومبدأ تكافؤ الفرص التعلمية، وعدالة الوصول إلى المعرفة.

إنها المدرسة التي يجب أن تضمن مشروعية المعلومات والمعرفة ومدى ملاءمتها مع قدرات الطلاب واحتياجاتهم، وهي المدرسة التي ترسخ المعرفة الصميمية والتعلم العميق وتحديد أولوياتها وذلك عبر قدرتها على تنظيم هذه المعرفة وتصنيفها ومن ثم العمل على توظيفها في مجال الحياة بوصفها معرفة حية مثمرة، وهذا كله لا يستثني قدرتها على ترسيخ مبدأ التعلم والتعليم المستمرين مدى الحياة. إنها المدرسة التي يتعلم فيها الأطفال والناشئة استخدام الشبكات والإنترنت وأدوات الاتصال الذكية بحنكة ودراسة وذكاء. إنها المدرسة التي تبقى بوصفها المركز الأول للتنشئة الاجتماعية للأطفال والحاضن الاجتماعي لعملية بناء المواطن الرقمي المستقبلي. إنها المدرسة التي يجب أن تنظم التفاعل بين التلميذ والمعرفة وبينه وبين المعلم في مختلف أوجه النشاط والحياة في المدرسة، نعم هي المدرسة التي ننشد ونرغب في العصر الرقمي الجديد.

فمسألة دور المدرسة ووظيفتها التربوية في العصر ما زالت تطرح اليوم بوصفها مسألة شائكة ومعقدة في مختلف البلدان. وهي تشكل موضوعا للحوار والجدل بين هؤلاء الذين يرون ضرورة التغير الشامل في التربية والمدرسة دورا ووظيفة ومنهجا وممارسة وبين هؤلاء الذيم يرون بأن المدرسة يجب أن تحافظ على كينونتها ملاذا ضد كل أوجه التغيير وبعيدا عن التطورات الحادثة في المجتمع ولاسيما التحولات التكنولوجية والرقمية فيه. ويمكن لهذه المساءلة والخلاف أن يجد طريقه إلى الحل والحسم عبر الخيارات السياسية لكل دولة ومجتمع.

ومما لا شك فيه اليوم أن الثورة الرقمية تضع دور المعلمين ومهمتهم موضع التساؤل، فالتحديد الجديد لمهنتهم يطرح مع ضرورة تأكيد نوع من التأهيل النوعي المتقدم لهم في مختلف المستويات وهو تأهيل رقمي جديد يجب أن يشمل جميع المعلمين دون استثناء، وهذا الأمر يشكل دائما قضية حيوية بالنسبة للسياسيات التربوية التي ترمي إلى تحقيق عملية الدمج الرقمي. وهنا يتوجب القول بأن الثورة الرقمية ضمن الأنساق التربوية تتطلب خيارات سياسية. ومن الطبيعي أن تتغاير هذه الخيارات السياسية بين بلد وآخر ليست مجرد رهان مادي بل سيكون الأهم من ذلك قدرة هذه السياسيات على الاستبصار التربوي عبر رؤية استراتيجية للعلاقة بين المجتمع والمدرسة في عصر رقمي. فالرقمية في المدرسة تشكل ثورة حقيقة ولكنها ليست انفجارًا كبيرًا مدمرا بل هي ثورة تتمثل في تغيرات جوهرية تغطي مختلف أوجه الحياة المدرسية في مستويات المعلومات والمعرفة والمهارات والخبرات والمناهج وهذا يشمل دور المدرسة نفسها ووظيفتها ووظيفة المعلمين ودورهم في مجتمع رقمي بآفاق تربوية ثورية. وفي النهاية نقول نحن في البداية فقط وأمام الإنسانية طريق طويل بعيد المدى والكل من الدول مدعو للسفر على هذا الطريق ولكن لكل أجندته التي تحدد له وقت الانطلاق وسرعته ومداه.

المصدر :

Pédagogie et révolution numérique Introduction Le numérique et l’éducation dans un monde qui change: une révolution ? Bernard Cornu Jean-Pierre Véran 

اترك تعليقا

* باستخدام هذا النموذج ، فإنك توافق على تخزين ومعالجة بياناتك بواسطة هذا الموقع.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قراءة المزيد