مراد غريبي يحاور المفكر والأكاديمي د. علي أسعد وطفة في مرايا فكرية (1)

علي أسعد وطفة
23 مشاهدات
علي أسعد وطفة

خاص: المثقف تستضيف المفكر والأكاديمي الدكتور علي أسعد وطفة ضمن مرايا فكرية، وحوار شامل  أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول التربية وعلوم الاجتماع، فأهلا وسهلا بهما:

مراد غريبي: يأتي هذا الحوار في حلقات ضمن سلسلة مرايا حوارية  حول آفاق  الفكر التجديدي وأبعاده  عبر تفكيك إشكالات ومشكلات مفاهيم كالتربية والثقافة والهوية والتنمية وأدوار المثقف في البحث عن المنهجية الدقيقة للنهوض بالوعي الحضاري لدى إنساننا العربي. وسنحاول من خلال هذا الحوار مع الأكاديمي والمهتم بالشأن التربوي والمعرفي والثقافي الحضاري الدكتور علي أسعد وطفة مناقشة العناصر الهامة للتربية والثقافة والهوية ومسؤولية المثقف كحاجة لقراءة متجددة  ومقاربة موضوعية على ضوء معطيات العلم والواقع بحسب نتاجات فعل النقد والتحرير والتنوير في إعادة فهم التجديد وتحديد مفاهيمه الأساسية ودوره، متجاوزين التفسير الواحد والرؤية الوحيدة وتوسيعا  لنطاق الوعي وتغيير النهج وتطوير التصور والخطاب والعمل بما يغني التطلع ويرفد القيمة ويرسخ القناعة بأن النهضة إرادة وعي وجد واجتهاد وإحسان وسداد..

س1: مراد غريبي: السيد الدكتور علي أسعد وطفة، كيف يقدم شخصه الكريم لقارئ صحيفة المثقف؟

ج1: د. علي أسعد وطفة: يسرني في بداية هذا الحوار أن أوجه الشكر والتقدير إلى الأستاذ الكبير المبدع ماجد الغرباوي رئيس تحرير المثقف الذي كرس نفسه على مدى عقود لخدمة الفكر والثقافة في العالم العربي عبر “المثقف” ومن خلال عطاياه الفكرية المتمثلة بأعماله الجليلة في مجال الفكر والثقافة العربية. كما أنني أتوجه بالشكر إليكم شخصيا على تكريمكم لنا بالدعوة إلى هذا الحوار الفكري حول التربية والثقافة والعلوم في عالمنا العربي المعاصر، وأرجو لهذا الحوار أن يكون مفيدا ومثمرا للقراء المهتمين بقضايا التربية العربية بهمومها وشجونها، كما أرجو أن يواكب الرسالة الثقافية لمقام سلسلتكم العليّة “مرايا حوارية “.

مما لا شك فيه أن سؤال الهوية على الرغم من البساطة التي ينطوي عليها يتميز بدرجة عالية من التعقيد والصعوبة، وذلك عندما نأخذ بعين الاعتبار البعد الفلسفي الذي ينطوي عليها.

وسؤالكم الكريم: كيف تقدم نفسك لقراء المثقف؟ سؤال ثقافي يتجاوز حدود التعريفات البسيطة التي تتعلق بمكان الولادة والاسم والجنسية ومكان الإقامة وحالة الزواج، لأن مثل هذه الحدود لا يمكنها أن تشكل مطلبا من مطالب الحوار الثقافي المناسب لمقام مجلتكم الثقافية العامرة. ولعمري فإن هذا السؤال يدور في فلكه الثقافي رغم طرحه الأولي البسيط، وقد ينطوي بذاته على اختبار ثقافي نأمل أن ننجح فيه. وعندما نريد تجاوز الصيغة البسيطة لسؤال الهوية والانتقال إلى صيغته الثقافية، فإن شعورا بالقلق والحيرة يتملكنا، لأنه لا يوجد هناك ما هو أصعب من أن يخضع المرء ذاته للفحص والتقويم، وهذا الأمر يتضمن مخاطرة في تقديم الذات على نحو موضوعي، لأن المشاعر الذاتية قد تشكل قوة ضاغطة تدفعنا إلى تقديم صورة مغايرة عن الذات لا نريدها لأنفسنا أو لغيرنا. ومما لا شك فيه أن سؤال الهوية هنا يضعنا في مواجهة صعبة، وذلك لأن تقديم الذات وصوغ الهوية الذاتية، أي: تلك التي يراها الإنسان متجسدة في ذاته ومتبلورة في أعماقه – أمر ينطوي على صعوبة وتعقيد كبير.

وفي هذه المواجهة مع الذات ضمن مطلب تقديم صورة الذات إلى الآخر، يجد الإنسان نفسه مطالبا بالتفكير ملياً، وكأنها المرة الأولى التي يبحث فيها في هويته الذاتية وفي قدرته على صوغها ضمن مطلب محدد يتمثل ربما فيما يريد أن يكونه في وعي الآخرين. فالهوية قد تأخذ طابع تماثل أو صيغة تمييز، وقد تجمع بينهما في آن واحد. وغالبا ما يبحث المرء عن الصيغة التي يُعرف بها ويتميز بها عن الآخر، وهنا تكمن المعضلة الكبرى في تحديد تخوم هذا التمايز وفي حضور هذا التجانس في الآن الواحد. فما يحسبه المرء تجانسا في الهوية والانتماء قد يكون عين التماثل الجامع بين كثيرين من البشر، وقد يؤدي هذ التجانس إلى تغييب حدود الهوية ويغلق منافذها. ومن أجل الخروج من هذا المأزق سأحاول أن أتجاهل حدود التمايز والتجانس كليهما، وانطلق لأقدم نفسي على نحو ثقافي واقعي شعوري ضمن حدود المشاعر والأحاسيس التي تتملكني والتي أشعر بأنني أنطوي عليها.

وهذا التعريف الذي أقصده يتمثل في الهوية الفكرية التي تشكلني وأتشكل بها، فلست مأخوذا بشعور الانتماء إلى سوريا الحبيبة في كلية الآداب بجامعة دمشق، أو حاملا لشهادة الدكتوراه من جامعة كان الفرنسية، وعائدا للعمل مدرسا ثم أستاذا في جامعة دمشق، ومن بعدها جامعة الكويت، فتلك هي مقدمة بسيطة لا تعرّف بالهوية الثقافية التي أشعر بها وتمتلك كياني. فالهوية التي أبحث عنها وأشعر بها تتجاوز هذه الحدود المكانية الزمانية الجامدة، لأن الحدود الحقيقية للإنسان بوصفه كائنا غائيا لا تكون إلا في أحضان هذا الكوكب بأبعاده الكونية. فالإنسان عندما تضعه أقداره في هذا الكون العظيم يتلقفه المجتمع ويرسم له حدود هويته ووجوده فيفرض عليه دون إرادته أن يعتنق مذاهب وأديانا وأفكارا وتصورات ويتشبع بثقافات جاهزة التكوين. وفي هذا كله تغييب للهوية الفردية التي بها يكون فردا لا جمعا أو وعيا يتفرد بذاته وينطلق إلى الحياة ليراها بمنظوره الخاص ورؤيته المفردة.

لذا يقال بأن الإنسان لحظة ولادته يفرض عليه أن يعتنق دينا وينتسب إلى مذهب ديني وأن يكتسب اسما وجنسيه وهوية مكانية، وأن عليه فيما بعد أن يدافع حتى الموت عن معتقداته ودينه وأفكاره وتصوراته واسمه، وهي أمور فرضت عليه ولم يختر أيا منها، وهنا تكمن كارثة ما نسميه التطبيع بالهوية أو التخلق القدري بمعنى أن يكون القدر نفسه هو الصانع للهوية والوجود، وهذه الهوية القدرية لا يمكن أن تكون الهوية الحقيقية التي نبحث عنها ونرنو إليها ونسعى إلى تمثلها.

فالهوية الحقيقية للإنسان تبدأ عندما يستطيع أن يخرج من هذه الدوائر المفروضة عليه؛ أي عندما يضعها موضع التساؤل ويخضعها للنقد والبحث والفحص والرفض والقبول، أي : عندما ينفتح الإنسان على صورة العالم الذي ينتمي إليه ويبحث فيه مستكشفا جماله مستلهما معانيه، وعندها نستطيع القول في هذه اللحظات بأن الإنسان قد بدأ بتشكيل هويته الذاتية على صورة جديدة تنتظم في رؤيته الفلسفية للعلاقة بين الأنا والعالم أو بين الكينونة الخاصة والوجود العام ؛ أي : عندما يستطيع المرء أن يخرج من الشرانق التي تشكل فيها والقوالب التي ارتسم في أعماقها، وهو الخروج الذي يجعله قادرا على صوغ هويته وتشكيل كينونته الوجودية في ضوء تفاعله مع العالم وذلك الكون الذي يعيش فيه. وأعني أن الهوية لا تتشكل عمليا إلا في دائرة التفاعل الإنساني الخلاق في أحضان الكون الذي ننتمي إليه.

ومن هنا أقول إن سؤال الهوية التقليدية، أي: سؤال الشرانق والنماذج لا يعنيني ولا يشكل هويتي الحقيقية التي أريد. وفي هذا المسار لا بد لي العمل على تفكيك الانتماءات القدرية بما تنطوي عليه من التصورات الانطباعية التي تركتها الثقافة الزائفة في أعماقي، ومع تحطيم هذه النماذج يراودني اليوم شعور عميق وشامل ورصين بأنني: كائن لا اسم له ينتمي إلى هذا الكون ويسعى في مناكبه بحثا عن الأمن الروحي والسلام الداخلي. وهويتي التي أريد أن أتقدم بها إلى قارئكم الكريم لا تعدو أن تكون سعيا إلى استكشاف المكان الذي يرتقي إليه شغفي في هذا الكون العظيم، فهويتي التي أريدها تكمن في هذا التفاعل الذهني المستمر مع مكونات هذا العالم الذي نعيش فيه، بكل ما ينطوي عليه من قيم وجمال ومعان وثقافات وديانات وأخلاق. وهذا التفاعل الذهني الدائم مع عناصر الكون والحياة، ما زال يشكلني ويشكل هويتي التي لاتزال قيد الصيرورة والتشكل، لأنها هوية متغيرة متحركة، لا تعرف صيغ الجمود والتصلب الثبات، وكأنني في كل يوم على حال جديدة، وهذا يمثل حالة الخروج من الدوائر المغلقة الضيقة للإحساس بالوجود والشعور بالهوية انفتاحا على العالم في خضم رؤية شمولية إنسانية خلاقة تحقيقا للبعد الإنساني في الشخصية وتأكيدا لجوهر الإنسان الحقيقي.

فالإنسان ضمن هذه الدائرة الجديدة لا يكون في جوهره أكثر من عقل وعاطفة إنسانية وغريزة بقاء أو حياة، والهوية الإنسانية لا تكون إلا بتحقيق التوازن بين عقل منفتح خلاق وبين عاطفة إنسانية جياشة مفعمة بالحب عميقة الشعور إحساسا بالكون، كذلك لا يكون إلا بغريزة متوثبة إلى الحياة فيها كثير من خصائص الجموح والجنون. والهوية الإنسانية الحقة الأصيلة لا تكون إلا في العمل على تحقيق هذا التفتح الذهني للعقل، وإزكاء هذا التوهج العاطفي الممكن بين الإنسان والطبيعة، وفي كبح جماح هذه الغرائز المتوحشة كي تبقى في حدود العقل ومشروعية العقلانية وسلام الإحساس المتوقد بوهج الجمال وتألق الضمير.

وهنا، وضمن هذا المعادلة أرى نفسي ساعيا إلى أن أكون كائنا عاقلا متوهجا بالحب الإنساني للوجود والإنسان، متأملا في معاني هذا الوجود مستوحيا عظمته وجماله، وفي كل هذا أقول إنني هكذا أرى نفسي وتلك هي هويتي: إنسان في طريق الإنجاز، وتلك هي الصورة التي أريد أن يراني فيها قارئكم الكريم.

فعقليتنا الثقافية يا سيدي قائمة على مبدأ الانشطار الوجودي.. أي: الانفصام إلى ثنائيات قبيحة الهيئة والمضمون، فكل مقولة أو فكر أو رأي أو حتى شعر أو نص أدبي يفسر في ثقافتنا أو في ثقافة المثقفين بروح أيديولوجية انشطارية شيطانية على وجه الإطلاق.. مؤمن أو كافر — علماني أو إسلامي..أسود أو أبيض.. وعلى أساس هذا المرتكز الانشطاري يتم تفسير العالم: مع أو ضد!!! عدو أو صديق — إذ لا وجود للحدود الوسطى.. لا وجود للتنوع والتعدد.. وتلك هي ثقافة التضاد والتنافر والانشطار.. وهذا يعني ذهنية التفكك والانحلال إذ لا توجد منطقة وسطى ما بين الجنة والنار كما يقول نزار قباني.

ومن منطلق الخروج على هذه العقليات الوحشية أعرف نفسي بما يلي: ليبرالي مؤمن بالله والإنسانية.. عربي أحب ثقافة الغرب الحضارية وإنجازاته الفكرية.. مسلم أحب بوذا ومالتوس وعلي وابن سينا وعمر وابن رشد وغيلان الدمشقي.. أعشق أدب الجاهلية وشعرها.. أحب الغرب وأكره سياساته.. أحترم أعدائي وأحب أصدقائي.. أعشق ابن عربي وأموت عشقا في ماركس وغاليلو وروسو.. أحب الجمال في الأساطير الأولى والأخيرة.. مؤمن أحترم كل المقدسات والأديان.. أرفض المذاهب والمذهبيات — أحتقر الأيديولوجيا والأيديولوجيات – أشعر بالانتماء إلى الكوكب وأغرق في حب الطبيعة.. وفي هذه التضاريس الشيء الكثير.. فلم العجب.. إذ لست ثنائيا ولا يمكن تصنيفي أبدا ضمن هذه الدوائر الانكسارية الصفراء، فأنا لا أصنف بين حدين ففي كياني طبقات كثيرة وكيانات متكسرة.. وانتماءات متنوعة.. فأنا كائن شديد التعقيد.. وألمس ذلك في نفسي.. فأنا أكون وسأكون خارج دائرة هذه الانكسارات التصنيفية البائدة.

وفي تفسير ما أريد قوله إنه يجب على الإنسان أن يكون صيرورة إنسانية تبحث عن ماهيتها في منارات العقل والعقلانية وتستكشف ذاتها في معاصم الرؤية الأخلاقية للكون المتوهجة بنبل المحبة للطبيعة والإنسان. وهذه هي الصورة التي أرى فيها نفسي وأريد أن أكون فقط كائنا مفيدا للكون لا يفسد في الطبيعة ويكون نفعه للإنسان والطبيعة أكثر من ضرره، وشوقه للمعرفة لا يمكن أن يتوقف.

س2: مراد غريبي: كل المصلحين والفلاسفة وعلماء الدين وغيرهم والمجددين يؤكدون على أهمية التربية في أي مشروع نهضوي، ماذا تعني التربية لغويا وإنسانيا وثقافيا؟

ج2: د. علي أسعد وطفة: لا أعتقد يا سيدي أننا في مقام التقديم لتعريفات عادية ساذجة للتربية وفق تشكلاتها اللغوية البسيطة. دعنا نلامس أغوار هذا التعريف بالقول: إن الإنسان صيرورة تربوية وإنه لا يكون إنسانا إلا بالتربية، فالإنسان كيان بيولوجي عقلي عاطفي متحرك دائما يتشكل في دائرة البحث عن الوجود والماهية. وهذا التعريف للتربية يماثل سؤال الهوية. فالتربية وفقا هذا التصور تسعى كي تمنح الإنسان هويته الخاصة؛ أن تحقق ماهيته وجوهره الإنساني.

نقول في تعريفنا لمفهوم التربية إن الإنسان هو الكائن الوحيد في مملكة الكائنات الحية الذي لا يمتلك برنامجا وراثيا بيولوجيا للتكيف والوجود. وهو فوق ذلك كله يكون أضعف الكائنات الحية وأقلها قدرة عند الميلاد. ويمكن القول بأنه يولد مجردا تقريبا من إمكانات الوجود والبقاء والاستمرار. فهو يستطيع بصعوبة أن يأخذ ثدي أمه عند الولادة ويكون واهيا عندما يأخذ رضعته الأولى، وهو كما نعرف جميعا لا يستطيع المشي أو الانتقال أو الكلام أو التمييز بين الأشياء. إنها حالة من الضعف المطلق الذي يعرف به الإنسان في طفولته. وما يحتاجه أبدا هو برنامج تربوي جديد يسجل له إمكانية الحركة والانطلاق والتكيف. وهذا يعني أن على التربية أن تأخذ بيده على اكتساب ما يمكن أن نطلق عليه السجل العصبي الثقافي للإنسان الذي يترامى في مناحي الحياة الاجتماعية للمجتمع. فالإنسان يحتاج أن يدرب لمدة عامين كي يكتسب القدرة على المشي ويكون قادرا على ضبط حاجاته البيولوجية، ويحتاج إلى ثلاثة أعوام ليطلق عباراته الأولى وإلى عشرين عاما اليوم كي يستطيع الاستقلال ومواصلة الحياة بناء على إمكاناته. وهو في كل مراحل حياته اللاحقة يحتاج إلى عامل التدريب والتربية والتعلم من أجل أن يكتسب هذه المهارات والقدرات التي تساعده على التكيف. وبعبارة أخرى يحتاج الإنسان إلى برنامج تربوي كامل على مدى الحياة ليستطيع التكيف مع متطلبات حياته الاجتماعية.

والإنسان وفقا لهذه الصيغة صيرورة تربوية وهذا ما يؤكده الفيلسوف الألماني كانط Kant في عبارته المشهورة التي يقول فيها: “إن الإنسان لا يصبح إنسانا إلا بالتربية وهو ليس أكثر مما جعلته التربية: وفي هذا الاتجاه يذهب عالم النفس الفرنسي هنري بييرون Henrie Piéron مؤكدا القدرة الكلية للتربية حيث يقول: “إن الطفل مرشح لأن يكون إنسانا وهو ليس أكثر من مرشح للارتقاء إلى هذا المستوى، وهو بالتالي لا يعدو أن يكون غير وجود بالقوة لإرث النوع الإنساني، ومن ثم فإن الانتقال به من صورة القوه إلى صورة الفعل، من وجود إنساني بالقوة، إلى وجود إنساني بالفعل، أمر مرهون بالفعل التربوي. فالإنسان ليس معطى يندفع إلى الوجود بصورة نهائية، إنه كيان ينمو ويتطور في سياق تفاعلات عميقة وشاملة بين قطبي الوجود المتمثلين في الشروط البيولوجية من جهة وفي الشروط الاجتماعية من جهة أخرى. ويجد هذا القول صداه عند المفكر الفرنسي أوليفيه ربول إذ يقول “لا يولد الإنسان إنسانا: إنها نقطة تجمع عليها العلوم الإنسانية كلها، ولا شيء من جوهر الإنسان أي اللغة والفكر والمشاعر والفن والأخلاق (..) قد انتقل إلى الإنسان عن طريق الوراثة، إنها عناصر تكتسب بالتربية والتربية وحدها”. وهذا يقتضي أن التربية جوهر إنساني ومن غيرها يفقد الإنسان خاصته الإنسانية.

تأخذ التربية عند المثاليين صيغة “جهد إنساني يهدف إلى هزيمة الشر وكمال العقل”. كانت التربية بالنسبة لسقراط “هي صياغة النفس الإنسانية وطبعها على الحق والخير والجمال وتحقيق مجتمع أفضل “وهي بالنسبة لأفلاطون “معرفة الخير وتنمية هذه المعرفة وطبع النفس الإنسانية على الحق والخير والجمال”. ويعرف أفلاطون التربية بقوله “التربية هي إعطاء الجسم والنفس كل جمال وكمال ممكن “.

ويرى أنصار النزعة الطبيعية في التربية أن التربية هي الحياة وأنها سعي مستمر لتفجير الطاقات الطبيعية الحيوية في الإنسان. والتربية هي هذه التي تؤصل في الإنسان الانطلاقات الطبيعية لوجوده وحركته. ومن هذا المنطلق يرى كانط أن الإنسان حر وخاضع للحتمية في آن واحد، فهو حر إلى الحد الذي يعد فيه روحا، وهو خاضع للحتمية إلى الحد الذي يكون فيه جسدا خاضعا للقانون الطبيعي. وهدف التربية عنده “أن تنمي عند الكائن كل ما يستطيعه من كمال “وهو كمال يفهمه كانط فهما أخلاقيا أكثر منه فيزيائيا. ويعرفها بأنها “عملية تكون وبناء للإنسان” وذلك لأنه لا يمكن للإنسان أن يصير إنسانا إلا بالتربية، إنه ما تصنع منه التربية “وإن غاية التربية هي تربية كائن يمتلك الحرية ويحافظ على كينونته الإنسانية الذاتية “.

يعرف المربي السويسري جوهان هنريك بستالوتزي التربية بأنها “النمو المتناسق لكل قوى الفرد النفسية “. فالتربية عند بستالوتزي هي عملية النمو لجميع قوى الإنسان وملكاته نموا طبيعيا. والمربي كما يعتقد بستالوتزي ليس هو الذي يغرس قوى جديدة في الإنسان أو ينفخ فيه روح الحياة، بل تكمن مهمته الأساسية في إزالة القوى الخارجية التي تقف في طريق النمو الطبيعي عند الفرد. وهذه القوى يجب أن تستمد جوهر وجودها من القوى الداخلية..

لقد أبدى دوركهايم انتقادات أصيلة لمفهوم التربية التقليدي الذي يركز على الجانب الفردي في التربية، وهو المفهوم الذي تبناه أسلافه، والذي نجده عند كانط وهيربارت  Herbart، وستيوارت ميل Stuart Mill وسبنسر Spencer. وعلى خلاف أسلافه جميعا ينظر دوركهايم إلى التربية بوصفها “شيئا اجتماعيا بالدرجة الأولى “. وانطلاقا من ذلك، يعرفها بأنها “تنشئة اجتماعية تمارسها الأجيال السابقة على الأجيال اللاحقة “. وفي سياق آخر انطلاقا من ملاحظة الوقائع ودراسة الأنظمة وتحليل البنى المعرفية يعرف دوركهايم التربية بأنها “الفعل الذي تمارسه الأجيال الراشدة على الأجيال التي لم ترشد بعد وذلك من أجل الحياة الاجتماعية “. ويكمن هدف التربية في تنمية الجوانب الفيزيائية، والعقلية، والأخلاقية عند الأطفال وتطويرها، وذلك على النحو الذي يحدده المجتمع السياسي بوصفه كلا متكاملا، ووفقا للصورة التي يعلنها الوسط الاجتماعي الخاص الذي ينتمي إليه الأطفال. وباختصار شديد “التربية عملية تنشئة اجتماعية منهجية للجيل الجديد “.

ولكن التربية بالمعنى الحصري الدقيق تشكل منظومة العمليات والفعاليات التي توظف في تحقيق الكمال الإنساني للطفل عبر تنمية مختلف القوى والقدرات والقابليات الإنسانية الكامنة فيه إلى أعلى حدّ ممكن. وتهدف التربية كما يقول ستيوارت ميل إلى تنمية مختلف القدرات والقابليات المضمرة في الإنسان من أجل أن يحقق أعلى درجة من درجات تكامله وكماله الإنساني المتجذر في ذاته. وفي حقيقة الأمر فإن الإنسان يحقق ذاته تربويا ليس بقوة الأشخاص والمربين الذين يحيطون به بل بتأثير مختلف الظروف والأحوال والقوة التي تحيط به وتشكله إنسانيا وأخلاقيا: القوانين والأعراف والتقاليد وظروف الحياة المتنوعة. وعندما يشب الطفل عن الطوق يقوم هو ذاتيا بتربية نفسه وتطويرها نحو الأفضل الممكن على مدى الحياة، لأن الإنسان يتميز بقابليته التربوية المستمرة وينزع إلى النمو المستمر نحو الأفضل من المهد إلى اللحد.

وتأسيسا على مختلف النظريات التي استعرضنا تصوراتها حول مفهوم التربية يمكننا القول بأن التربية صيغة تفاعل خلاق بين الإنسان والمجتمع الذي يعيش فيه بين الإنسان والبيئة الطبيعية التي ينشأ فيها، والإنسان لا يكون إلا نتاجا حقيقيا لهذا التفاعل الذي ما إن يكون صحيحا حتى يبلغ الإنسان غايته في عملية النضج الحضاري والإنساني. ويمكنني القول خارج دائرة التعريفات الكلاسيكية التي أعطيت للتربية بأن التربية صيغة تفاعل وجودي بين الإنسان والكون بين الإنسان وعناصر الوجود بين الإنسان والبيئة بكل ما تنطوي عليه من عناصر فيزيائية وثقافية وإنسانية.

2760 وطفة ومراد

س3: مراد غريبي: على أي أساس تطرح أهمية التربية لمستقبل المجتمعات؟

ج3: د. علي أسعد وطفة: وكيف لا تكون التربية مهمة وهي التي تصوغ المجتمع وترسم هويته وتحافظ على وجوده وتراثه. وهل يمكن لنا أن نتصور مجتمعا لا توجد فيه أنظمة تربوية؟ دعنا نتصور ذلك ولو للحظة؟ ماذا ستكون عليه حالة هذا المجتمع؟ إذ لا يمكن للإنسان أن يكتسب هويته وثقافته إلا من خلال التربية التي يتلقاه. وهذا يعني أن التربية نسق وجودي بالنسبة للإنسان والمجتمع. وفوق ذلك كله لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض حضاريا أو ثقافيا من غير تربية فاعلة نشطة تفجر القوى الكامنة في المجتمع أدبا وفنا وفلسفة وإبداعا وابتكارا. فالتربية في مختلف دلالاتها وسيلة لاستخراج وتنمية الطاقات الكامنة في أفراد المجتمع. وتلك هي اللحظة التي ينمي فيها المجتمع قوته وإرادته وحضارته.

فالتربية قبل كل شيء معنية بتحقيق السلام والعدالة الإنسانية والتكافل المجتمعي. ومن غير التربية يتحول الإنسان إلى حالة وحشية ويحل الدمار وتندلع الفتن في المجتمع. وكما عرفنا التربية سابقا فإن الإنسان من غير التربية يفقد جوهره الإنساني الذي لا يكون إلا بالتربية ومن خلالها، عدا أن التربية هي التي تمكن الإنسان من التكيف في الحياة ومعها ومن خلالها، وهي التي تزودنا بالقدرة على إنتاج الحياة والوجود مأكلا وملبسا وتفاعلا مع البيئة والطبيعة والإنسان.

فالتريبة معنية بعملية الاستثمار في رأس المال البشري، ورأس المال البشري هو أعظم الثراء بالنسبة للمجتمعات المعاصرة. فقوة المجتمعات اليوم تقاس برأسمالها البشري الاجتماعي أو بالقدرة على الاستثمار في البشر الذين يشكلون مصدر كل الثراء والقوة والحضارة.

ويبين آدم سميث Adam Smith في مؤلفه الشهير ثروة الأمم The Wealth of Nations الذي نشر سنة 1776، أهمية التربية والتعليم كعنصر فعال وحيوي لتحقيق استقرار المجتمع اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. وينظر إلى التربية بوصفها استثماراً في رأس المال البشري، ويبيّن الإمكانات الهائلة للتعليم في إثراء اقتصاد الأمم وتقدمها. وتنطوي نظرية سميث هذه على فكرتين أساسيتين: تتمثل الأولى في دور التعليم وأهمّيته في تحديد مستوى دخل الفرد وإنتاجيته، وتتمثل الثانية في تأثير النظام التعليمي في النظام الاقتصادي للدولة. وفي هذا المقام تشير نتائج إحدى الدراسات إلى أن «إنتاجية العامل الأمي ترتفع بنسبة 30 % بعد عام واحد من الدراسة الابتدائية، وحوالي 320 % بعد دراسة 13 عاما، وتصل إلى 600% بعد الدراسة الجامعية”.

ويبين دونيزون Denison في هذا السياق أن 23% من نسبة النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية تعود إلى تأثير التعليم. ويؤكد معظم الاقتصاديين وعلماء التربية أن التعليم يسهم في النمو الاقتصادي. ويرى آدم سميث في هذا السياق أن الاستثمار في رأس المال البشري يعطي مردودا اقتصاديا يعادل عشرة أضعاف المردود الاقتصادي للاستثمار في رؤوس الأموال الجامدة. وهكذا يتضاءل دور رأس المال الطبيعي والمالي أمام الأهمية المتعاظمة لأشكال رأس المال الإنساني المتعددة، المتركزة في البشر، أفراداً ومؤسسات ومجتمعات، باعتبارها عماد التقدم الإنساني قرب نهاية القرن العشرين. ومن هنا ينبع الاهتمام الفائق بالتعليم حيث “يصنع” رأس المال الإنساني ويشّكل.

وهنا أيضا فإن التعليم والتربية يسهمان في عمليات الابتكار والإبداع، وحل المشكلات وتطوير المجتمعات والنهوض بها، وتحقيق السلام والتكامل الحيوي بين أفراد المجتمع. وهذا كله يعني في معرض الإجابة عن سؤالكم أن مستقبل الأمم يرتبط بمستويات التعليم فيها وأن المجتمعات التي تفتقر إلى التعليم الجيد هي مجتمعات لا مستقبل لها أبدا. ومن هنا تسارع الدول المعنية بالتطور إلى تطوير أنظمتها التربوية والإنفاق عليها بصورة فلكية.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن كثيرا من الدول المتقدمة لا تمتلك ثروات طبيعية أو ثراء ماديا ومع ذلك استطاعت هذه الدول أن تتوج نفسها على قمة الدول المتقدمة وذلك عن طريق الاستثمار تربويا في البشر، كما هو حال اليابان التي تفتقر كليا إلى الموارد الطبيعية ومع ذلك فقد استطاعت أن تجعل من رأس المال البشري قوة حضارية لا تضاهى.

ومن المهم في هذا السياق ألا تختزل المدرسة أو التعليم إلى بعده الاقتصادي المحض، فالتعليم يؤدي دورا ثقافيا خطيرا في حياة المجتمعات والأمم ويرسم مصيرها الحضاري في مجال الفن والأخلاق والجمال والثقافة وحقوق الإنسان. ويشكل النسق المعنوي الثقافي للتعليم والتربية المنصة الحقيقية التي ينطلق منها أي مجتمع نحو المستقبل بأبعاده الحضارية والإنسانية. وماذا نقول هنا، نقول إن قوة الأنظمة التعليمية وتماسكها تحدد الإيقاع الحضاري لتطور الشعوب والأمم والدول، إذ لا يمكن لنا أبدا أن نقع على دولة متقدمة من غير نظام تربوي متقدم.

س4: مراد غريبي: حديث “أدبيات التربية”، الذي يشمل؛ كل ما راكمه الفلاسفة، والأدباء، والمثقفون على اختلاف تخصصاتهم، عن التربية بمعناها الواسع، ورغبة في تأسيس خطاب علمي تربوي يتجاوز عموميات أدبيات التربية، شرع الباحثون في هذا المجال يتحدثون عن “علم التربية”، ثم مع تدخل عدة تخصصات علمية في مجال التربية أصبحنا نسمع عن علوم التربية” كيف عرفت دراسة الظاهرة التربوية هذا التطور؟ وماهي أهم النظريات الفاعلة في الاجتماع الإنساني المعاصر؟

ج4: د. علي أسعد وطفة: أشكرك على هذا السؤال الذي يطرح بذاته إشكالية منهجية كبرى تتعلق بالأطر المعرفية للتريبة. فتحديد موقع التربية ما بين العلم والنظرية والممارسة والعلوم الرديفة مسألة في غاية التعقيد والأهمية. وهذا السؤال يحتاج في حقيقة الأمر إلى بحث كامل مستقل وذلك نظرا للغموض الكبير الذي يشوب هذه المسألة. ومما لا شك فيه أن الارتباط يصيب الباحثين عندما يقاربون هذه المسألة المشابكة: هل التربية فن أم علم أم علوم أم نظرية أم فلسفة أم ممارسة فلسفية؟ وقد شكلت هذه القضية موضوعا متواترا تناوله المفكرون، أمثال: دوركهايم في كتابه التربية والمجتمع الذي كان لنا شرف ترجمته إلى العربية، وهربرت سبنسر في بريطانيا، وألكسندر داغيت في سويسرا، وهنري ماريون في فرنسا، وغاستون ميالاريه في فرنسا أيضا. ونؤكد على أن هذا التساؤل يدور في أذهان أغلب المفكرين التربويين المهتمين بالمسألة التربوية وبعضهم يتناولها بعمق في حين يتجاوزها كثير من المربين دون الاهتمام بأبعادها.

ولهذه المسألة برأينا بعد تاريخي يتعلق بنشأة التربية كعلم أو كفن أو كمنهجية للمؤسسات المعنية بالتربية والتعليم. فالتربية (éducation) في الأصل نشاط مستمر عبر التاريخ ففي كل المجتمعات نجد أنظمة تربوية وتعليمية تعتمد في تربية الناشئة والأجيال. ومثل هذه الأنظمة التربوية لا تعتمد الطرائق العلمية التي نعرفها اليوم منهجا في التدريس والتعليم. وغالبا ما كان التعليم في المجتمعات القديمة يتم على نحو عفوي يستجيب للخبرات التاريخية المتناقلة في هذا الميدان. لذا كان دائما يطلق على الفعالية التعليمية تسمية تربية أو تعليم. ولم يكن المعلم يحتاج إلى إعداد تربوي في تلك العصور لأن التعليم على مدى العصور القديمة كان يشكل نوعا من التعليم التلقيني – نقل المعلومات – وهذا لم يكن يحتاج إلى مهارات علمية متقدمة. ولذا كان الحديث عن علم للتريبة ممتنعا بمعنى لا ضرورة له ولا أمر يقتضيه.

وكما يرى دوركهايم فإن العلم – بسماته الحديثة – لا ينشأ إلا إذا اقتضت الحاجة حضوره وضرورته. وفي تلك العصور القديمة حتى نهاية القرن الثامن عشر لم يكن هناك أي حضور لما يمكن أن نسميه بعلم التربية أو علوم التربية. ولكن الحاجة إلى توليد هذا العلم أو تلك العلوم بدأت مع بداية الثورة الصناعية وانتشار التعليم ضمن أنظمة حكومية مترامية الأبعاد والأطراف.

لذا دعونا نستقرئ ولادة علم التربية تدريجيا. في البداية نقع على ما يسمى بالنظريات التربوية مثل النظرية الطبيعية التي دعا إليها كل من ابن طفيل الأندلسي وجان جاك روسو ومن بعده رواد المدرسة الطبيعية أمثال بستالوتزي وغيره من المربين، وعلى الأثر ظهرت نظريات كثيرة مثل البرغماتية والوجودية والواقعية والمثالية. وتمثل هذه النظريات توجهات فلسفية في مجال التربية والتعليم. ومن الواضح أن هذه النظريات لا تقوم على أسس علمية راسخة. وهي ليست علما بالتأكيد.

ومع بداية القرن التاسع عشر وتطور الأنظمة التعليمية واتساع التعليم وتعاظمه بدأت معالم البيداغوجيا التربوية بالظهور. والبيداغوجيا (Pédagogie) مصطلح إشكالي يشير إلى علم التربية وأحيانا نظرية التربية ومرة أخرى إلى التربية بوصفها علما وفنا في آن واحد. ولكن الأمر الثابت أن البيداغوجيا هي علم التربية وهو العلم الذي يباشر عملية النمو الانفعالي والتربوي عند الطفل ويبحث في أفضل السبل للعملية التربوية. وكما يتضح من لفظ الكلمة فإن كلمة بيداغوجيا مشتقة من كلمة “بيداغوغ ” وهو العبد الذي كان يشرف على الأطفال في بلاد الإغريق القديمة.

والبيداغوجيا تعريب للكلمة الفرنسية Pédagogie وقد ترجمت إلى العربية بمعنى نظرية التربية أحيانا وعلم التربية أحيانا أخرى. ومن أجل تجاوز هذه الازدواجية تجري العادة على استخدام اللفظة الأجنبية “بيداغوجيا ” وهو المفهوم الذي يحاول دوركهايم تحديده وتحديد معالم تجانسه وتمايزه مع علم التربية Science de l’éducation ومفهوم التربية Education.

وغالبا ما يتداخل مفهوما التربية Education والبيداغوجيا Pédagogie ومع ذلك فإن الفصل بينهما بدقة وعناية أمر تقتضيه الضرورة المنهجية. فالتربية Education تعني الفعل الذي يمارسه الآباء والمعلمون على الأطفال، وهو فعل يتميز بديمومته وعموميته. إذ لا توجد مرحلة ما في الحياة الاجتماعية، إذا لم نقل لحظة من لحظات الحياة اليومية، لا يتعرض فيها الأطفال لعملية الاتصال مع الراشدين ولتأثيرهم التربوي.

فالتأثير التربوي لا يحدث في إطار اللحظات القصيرة فحسب، التي يتواصل فيها الآباء والمعلمون بشكل واع مع صغارهم عن طريق التعليم، والذي ينقلون من خلاله لهؤلاء الأطفال حاصل خبراتهم الحياتية.  إذ توجد هناك تربية غير مقصودة عرضية تتميز بخاصة الديمومة والاستمرار. وهذا يعني أننا – نحن الكبار – نمثل نموذجا تربويا يتجلى في أحاديثنا وأفعالنا التي نقوم بها في إطار حياتنا الاجتماعية. وهو نموذج نؤثر من خلاله في عقول أطفالنا بشكل دائم.

فالممارسات التربوية هي شيء آخر غير البيداغوجيا التي تتجسد في إطار متكامل من النظريات والآراء والأفكار التربوية، كما تتجسد في وجهات نظر تدور حول التربية وهي شيء آخر يختلف عن الممارسة التربوية العملية. ويمكن لنا في هذا السياق تحديد مفهوم البيداغوجيا بشكل جيد عندما تتم مقابلته مع مفهوم الممارسة التربوية. فالتربية التي يعلن عنها رابليه Râblais، وهذه التي يبديها روسو Rousseau، والتي رسمها بستالوتزي هي نظريات تتعارض مع التربية الواقعية التي كانت سائدة في أيامهم. فالتربية Education موضوع يخضع لدراسة البيداغوجيا Pédagogie التي تتمثل في بعض اتجاهات التفكير الخاصة بالقضايا التربوية.

فعلم التربية Science de l’éducation يسعى إلى معرفة التربية Education، وهو لا يتداخل مع النشاط الانفعالي للمربي أو مع نظرية التربية Pédagogie الذي تقوم بتوجيه النشاط التربوي. فالتربية تشكل موضوعا لعلم التربية Science de l’éducation وهذا يعني أن علم التربية لا يسعى إلى تحقيق الغايات نفسها التي تسعى إليها التربية، بل وعلى خلاف ذلك، يقدم للتربية مختلف المعلومات والمعارف المناسبة لعملية التربية. وهنا لا يعترض دوركهايم أبدا في أن يشكل علم النفس ركيزة لعلم التربية بالمعنى الواسع للكلمة. إذ يمكن لعلم النفس، وحده، باستناده إلى البيولوجيا والطب أن يدرك لماذا يحتاج الطفل إلى التربية، وكأننا بدوركهايم يتنبأ بعلم النفس التربوي الذي سيتشكل لاحقا كعلم رديف للتربية وأصيل فيها.

لقد حدد دوركهايم علم التربية Science de l’éducation على نحو بالغ الوضوح، بأنه علم اجتماعي. إن ما يعنيه دوركهايم بالبيداغوجيا ليس نشاطا تربويا أو علما تأمليا بل ما يعنيه بالبيداغوجيا هو تأثير الجانب الثاني التأمل في الجانب الأول النشاط، وهذا يعني أن المهمة الأساسية للتأمل الفكري تكون في عملية البحث، التي تجري في إطار معطيات علم النفس وعلم الاجتماع، عن المبادئ الأساسية للسلوك الإنساني. وتأسيسا على ذلك نقول إنه عندما تكون لدينا، في واقع الأمر، معرفة جيدة بطبيعة الأشياء فإن فرص استخدامها بشكل فعال تكون أكبر على المستوى العلمي. وعندما يقوم المربي بمعالجة اهتمام الأطفال فإنه سيكون أكثر قدرة على التحكم، إذا كان يعرف بدقة طبيعة الطفل. وهذا يعني أيضا أن علم النفس يشتمل على إجراءات تطبيقية، وأن علم التربية يقوم بتشكيل القواعد والمبادئ الأساسية للعمل التربوي وتهيئتها.

ولكن علم التربية لم يكن قد تشكل فعليا في زمن دوركهايم وما زال حتى اليوم في صيغة مشروع يمكن تحقيقه. وهذا يعني أنه يمكن لفروع علم الاجتماع أن تأخذ على عاتقها مساعدة “البيداغوجيا” على تحديد هدفها وتوجيه مناهجها. ويمكن أيضا لعلم النفس أن يؤدي دورا بالغ الأهمية في تحديد تفاصيل العملية التربوية وتوجيه مساراتها. ويبدو لنا هنا أن البيداغوجيا أصبحت لاحقا وثيقة الصلة بعلم النفس ولاسيما بعلم النفس التربوي، وقد شكل الاتحاد بينهما أشبه ما يكون بعلم التربية الحديث الذي لم يكتمل بعد.

وقد أشار دوركهايم إلى هذه القضية بوضوح في القاموس التربوي لفرديناند بويسون إذ يقول بأن البيداغوجيا أصبحت علمًا للتعليم ولكن ما زال علما لم يكتمل بعد ويتعين بناؤه بالكامل كي يصبح “العلم الذي يجعل من الممكن معرفة ما يجب أن يكون التعليم وذلك لمعرفة طبيعة التعليم وتحديد الشروط التي يجب أن يعتمد عليها ورسم القوانين التربوية التي يتوجب أن يهتدي بها”.

وكأن دوركهايم كان يتنبأ بالحديث عن علم أصول التدريس الذي نشأ واضحا بالاعتماد على معطيات علم النفس واستكشاف القوانين الفضل لعملية نقل المعلومات وتعليميها للطلبة. ومن هذا المنطلق يمكن تسمية علم أصول التدريس بعلم التربية ببساطة لأنه يحدد المعايير وأفضل السبل في توجيه العملية التعليمية. وهذا هو الأمر الذي أشار إليه هنري ماريون (1883)، خلال محاضرته الافتتاحية في جامعة السوربون في ندوة مخصصة لعلم أصول التدريس إذ يقول “هناك علم حيثما يوجد نظام مترابط ومتكامل من الحقائق والافتراضات الواقعية ووجود نسق متكامل من المفاهيم والتفسيرات الصحيحة التي يستند فيه إلى العقل والتجربة وتؤدي إلى نتائج إيجابية أثناء الممارسة والتطبيق “، وهذه هي الأصول التي يقوم عليها علم أصول التدريس أو ما يمكن تسميته بمناهج التدريس.

وعلينا الآن أن نأخذ بتطور التربية الحديث الذي ارتبط بتطور المناهج والطرائق والأصول، وضمن هذا السياق تآلفت مجموعة من العلوم التربوية التي تضافرت في مجال تأصيل العمل التربوي. في زمن دوركهايم كانت البيداغوجيا التي تطورت إلى علم التربية ممثلة في أصول التدريس، أما اليوم فيمكننا الحديث عن مجموعة متآزرة من العلوم التربوية – هذه المرة بصيغة الجمع – Sciences de l’éducation.

ووفقا لـجاستون ميالاريه تتكون علوم التربية من جميع التخصصات الأساسية التي نعرفها اليوم مثل: علم الاجتماع التربوي، وتاريخ التربية، واقتصاديات التعليم، وعلم النفس التربوي، والاثنولوجيا التربوية، والتربية المقارنة، وأصول التدريس، ومناهج البحث التربوي، وعلم الاجتماع المدرسي، والإدارة التربوية، وغيرها من العلوم التربوية. ويلاحظ في هذا السياق أن التربية تقوم على نسق من العلوم التربوية البينية المساندة التي أصبحت ضرورية وحاسمة في تطوير العملية التربوية. ويلاحظ في هذا السياق أن التربية ليست علما بالمعنى الدقيق للكلمة بل هي نشاط ضخم يعتمد على مجموعة من الأنساق العلمية المختلفة.

وبالعودة إلى زمن دوركهايم (نهاية القرن التاسع عشر)، كان الحديث يجري عن علم التربية ” بيداغوجيا ” الذي ارتبط بعلم النفس وهو العلم الوحيد الذي تم تأسيسه علميًا، ليكون قادرًا على تسليط الضوء على التعليم، من حيث نظريته وكذلك نظرية ممارسته. ولكن مع تطور العلوم الإنسانية وبعد فترات طويلة من التجارب المهمة والتطورات اللاحقة في الحقل التربوي تبين أنه يمكن التأسيس على عدد آخر من العلوم الإنسانية البينية كالتي أشرنا إليها آنفا.

وأخيرا وليس آخرا، تبين الممارسة التربوية لنا في كليات التربية أننا لا نقع أبدا على علم للتربية بل على عدة علوم وهي التي أشرنا إليها، وهذا الأمر يدل على أنه لا وجود لعلم التربية بالمفرد وأن التربية نسق معرفي يعتمد على عدة حقول متآزرة متكاملة في إضفاء الطابع العلمي على التربية بوصفها نشاطا وممارسة إنسانية.

س5: مراد غريبي: ماذا عن فلسفة التربية هل تندرج كنمط معرفي حديث ضمن علوم التربية أم أنها تظل مبحثا تأمليا تهتم بطرح الأسئلة الجوهرية والمقاصدية إن صح التعبير؟

ج5: د. علي أسعد وطفة: مما لا شك فيه أن الفلسفة تندرج ضمن الأنساق المعرفية للتربية ولا يمكن للتربية أن تنفصل عن الفلسفة إذ هي المعنية بتحديد التوجهات الغائية للحركة التربوية في مختلف نشاطاتها وفعالياتها. والفلسفة ليست ضرورية للتربية فحسب بل هي ضرورية لمختلف العلوم. ولهذا نمت في كل فرع علمي فلسفة رديفة تسانده وتوجه خطاه، مثل فلسفة العلوم وفلسفة التاريخ وفلسفة التربية وفلسفة القانون وفلسفة اللاهوت.. الخ. وإذا كانت الفلسفة ضرورية في كل علم فإنها تأخذ صيغة الضرورة القصوى في كل نسق تربوي. فالتربية نسق معرفي غائي، وهذه الغائية لا تتحقق إلا بشروط فلسفية محضة ولهذا كانت فلسفة التربية وثيقة الصلة بالتربية وعلومها، إذ تشكل منصة أساسية تعتمدها التربية في مختلف توجهاتها العملية. وقد تجلت الفلسفات التربوية في نظريات تربوية مهمة جدا مثل النزعة الطبيعية في التربية والبرغماتية والوجودية والمثالية والمادية وغير ذلك من النظريات التربوي التي تحمل طابعا فلسفيا في ثناياها وطواياها.

وإذا كانت كل فلسفة هي تعبيرا عن عصرها، فإن الفلسفة التربوية تفرض حضورها في أي فعالية تربوية. ومن هذا المنطلق كان ديوي يؤمن بدور الفلسفة في التعبير عن الواقع وفي تغييره. فالفلسفة يجب ألا تقف عند حدود تفسير العالم بل يجب أن تعمل على تغييره كما يرى ماركس. ومن ثم فإن كل فلسفة لا تؤدي إلى التغيير والفعل والتأثير هي فلسفة فارغة تفقد معناها وغايتها ودلالتها. ومن هذا المنطلق أراد ديوي لفلسفته أن تكون فاعلة ومؤثرة في الواقع، ومحركة للطموحات الإنسانية، وفاعلة في الثقافة وفي مجمل النشاطات الإنسانية الحيوية في عصره. ومن الأهمية بمكان الإشارة في هذا السياق إلى تأكيد ديوي على الدور التربوي للفلسفة، لأن الفلسفة هي منطلق التغيير والمواجهة والتحدي فخليق بها إذا أن تنحني لمعالجة القضايا التربوية التي تحتل مكان الصدارة في فلسفة ديوي، حيث كان يطابق بين الفلسفة والتربية، إذ يرى أن الفلسفة هي النظرية العامة للتربية، ومن ثم يجب على هذه الفلسفة التربوية الجديدة أن تكون مؤثرة فاعلة عملية ونشيطة في بناء نظام تربوي يستجيب لطموحات الأمة وغاياتها المجتمعية الكبرى.

وفي هذا السياق يعارض ديوي المفهوم الكلاسيكي القديم للفلسفة الذي يرى أن الفلسفة هي حب الحكمة والبحث عنها. فهذا التصور القديم للفلسفة ليس واردا في تصور ديوي؛ لأن الفلسفة أخذت اتجاها آخر في فلسفته يتمثل في معادلة الحياة التي تتمثل في ” التطبيق البصير لما نعرفه في السلوك وأمور الحياة”، ومن ثم فإن الفلسفة الجديدة التي شيدها ديوي تبحث في الغايات والقيم والاتجاهات التي توجه النشاط الإنساني بمختلف تجلياته الاجتماعية. لقد بيّن ديوي وأكد في هذا الاتجاه أن الفلسفة الحقيقية هي التي تتصل بالحياة وتعمل على تنظيمها وتوجيهها، وهي في هذه الصورة ليست شيئا آخر سوى التربية كما يؤكد في مختلف مقولاته. أما الفلسفة التي تنفصل عن الحياة فإنها تفقد معناها وتصبح فلسفة لفظية فارغة جوفاء لا معنى لها، ولاسيما تلك التي تأخذ من القضايا الميتافيزيقية موضعا مركزيا لها. فالتربية في منظور ديوي هي الفلسفة، والفلسفة هي النظرية العامة للتربية، والتفلسف يجب عليه أن يدور حول التربية بوصفها أكثر الاهتمامات الإنسانية ارتباطا بالفلسفة ذاتها. ومن هذا المنطلق نقول: بأن العلاقة بين الفلسفة والتربية علاقة كينونة ووجود. وإذا كانت التربية في حقيقة الأمر سعيا إلى تكوين ميول عقلية ووجدانية نحو الطبيعية والإنسان نفسه، فإن الفلسفة ستكون بالضرورة هي النظرية العامة في التربية كما يرى ديوي.

وأخيرا نقول إن الفلسفة ليست علما وكذلك هو حال الفلسفة التربوية، ومع ذلك فإن التربية لا تستقيم أبدا من غير الارتكاز على قاعدة متينة من التصورات الفلسفية العميقة التي توجه مسارها وحركتها نحو الغايات الإنسانية التي يحدده التطور الإنسانية في كل مرحلة وعصر.

س6: مراد غريبي: هل يمكن أن تحدثنا عن واقع علوم التربية عربيا وهل سبق للحضارة الإسلامية أن عرفت هذا المجال العلمي؟

ج6: د. علي أسعد وطفة: لقد أشرنا فيما سبق إلى أن علوم التربية حديثة العهد وقد نشأت وتطورت في بدايات القرن العشرين. ولكن عندما نأخذ التربية كسياق حضاري نجد أن الحضارة الإسلامية قدمت نماذج فكرية فلسفية مهمة في تاريخ الحضارة والتربية. ونحن نعرف جميعا أن العقيدة الإسلامية تتدفق بالمعطيات التربوية الفلسفية التي تأخذ طابعا أخلاقيا متميزا. وقد تضمن القرآن الكريم إشارات وتنبيهات تربوية ألمعية في توجهاتها، وجاءت السيرة النبوية الكريمة مفعمة بمختلف التوجهات التربوية الإسلامية. ومن ثم شهدنا تطورا كبيرا في الفكر التربوي الإسلامي على يد مفكرين جهابذة مثل الغزالي صاحب كتاب “أيها الولد”، وابن طفيل الأندلسي في قصته المشهورة “حي بن يقظان” التي وصفت بأنها قصة في فلسفة وفلسفة في قصة تربوية.

بنظرنا يعد ابن طفيل الأندلسي مؤسس النظرية الطبيعية بلا منازع وهو سابق على جان جاك روسو في هذا التأسيس. وقد شهدت الحضارة الإسلامية أيضا منابت نظريات تربوية جمة ومفكرين ألمعيين في هذا الميدان أمثال ابن باجة وابن سحنون وابن خلدون والغزالي والشافعي وابن طفيل والغزالي والقابسي وابن الحارث المحاسبي وابن القيم وغيرهم كثير. وقد أشار عبد الأمير شمس الدين في موسوعته التربوية إلى أهم المربين في الفكر الإسلامي ومنهم من أشرنا أليه آنفا مثل: ابن سحنون والقابسي والزرجوني والغزالي وابن جماعة والعاملي، وأشار إلى الفلاسفة المربين ومنهم الكندي وابن سينا وابن طفيل، وقطاع الكتاب والأدب يمثلهم الجاحظ وابن المقفع، وقطاع الصوفية يمثلهم الكلاباذي والسراج والطوسي وأبو نعيم الأصفهاني وأبو طالب المكي..

(يتبع)

اترك ردا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قراءة المزيد