قراءة نقدية في كتاب الدكتور محمود محمد علي- (جائحة كورونا بين نظرية المؤامرة وعفوية الطبيعة)

علي أسعد وطفة
946 مشاهدات
جائحة-كورونا-بين-نظرية-المؤامرة-وعفوية-الطبيعة-د.-محمود-محمد-علي

 

تقديم:

صدر مؤخراً عن دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر بالإسكندرية بجمهورية مصر العربية كتاب جديد للأستاذ الدكتور محمود محمد علي (أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بكلية الآداب بجامعة أسيوط بجمهورية مصر العربية)، يحمل عنوان “جائحة كورونا بين نظرية المؤامرة وعفوية الطبيعة”. ويأتي هذا الكتاب تتويجاً لمؤلفاته العديدة، اذ يمثّل بالنسبة إليه درّة الأعمال الإبداعيّة في إنتاجه الفكري، والذي نذكر منه على سبيل المثال لا الحصر: الأصول الشرقية للعلم اليوناني (1996)، والاتجاه التجريبي عند ليوناردو دافنشي (1998)، التّفكير العلمي ومستجدات الواقع المعاصر (2009)، وجماليات العلم (2013)، وتجديد الخطاب الديني (2014)، وحروب الجيل الثّالث ونظرية تفتيت الوطن العربي (2015)، وحروب الجيل الرابع وجدل الأنا والآخر (2016)، وحروب الجيل الخامس وخصخصة العنف (2019) الخ…

إن المتأمّل في عناوين المؤلّفات السابقة وموضوعاتها، وبالذات الأخيرة ، يجد أنّ هناك خيطاً رابطاً بينها وبين المؤلّف الجديد، جعل الدكتور محمود علي يتوخى تحقيق أهداف محدّدة من كتاباته، فمن تناوله لأجيال الحروب كظاهرة تنخر جسم الدّول إلى  تشخيص أسبابها، ثمّ تحليل الوضعية الاجتماعية المتعلقة بالإنسان العربي وما تنتجه من سيكولوجيّة تتسم بالقهر والإحباط، ممّا يطيل نهضة المجتمع وتطوره  إلى تحليل الدّور الذي تلعبه نظريّة المؤامرة في حياة الدّول والشّعوب، وكيف انعكس ذلك  على جائحة كورونا التي بزغت منذ (2019)، الأمر الذي جعل الدّكتور محمود علي يطرح هذا السؤال : “هل كورونا مؤامرة أم طبيعية؟”(1).

وأعتقد من خلال دراساتي حول جائحة كورونا أنّ الدّكتور محمود علي يتّفق معنا كما هو واضح من خلال ما كتبه في الكتاب الذي بين أيدينا، على أنّ جائحة كورونا (كما بيّنا في معظم كتاباتنا التي كتبناها عن تداعيات جائحة كورونا على التّعليم والهويّة)، قد صَعقت كيان الحضارة الإنسانية، وهزّت أوصالها، وصدمت وجدانها الأخلاقي، وفتحت منافذ جديدة للوعي الكوني الأعمق في مختلف مجالات الفكر والسياسة والفلسفة (2).

جاء كورونا اليوم ليهزّ كثيرا من المسلمات المعرفيّة الجديدة والأساطير الفكريّة القديمة، فأيقظ الإنسانيّة من غفوتها العنيفة الضاربة في الاستسلام للطمأنينة الحضارية الجارفة. وقد جاءت هذه الصّدمة لتسقط الطّروحات الأسطوريّة لنزعة ما بعد الإنسانية التي ترى في عالم الإنسان القادم ومستقبله الجديد صرحا للخلود الإنساني الحافل بالمعجزات الحضارية والمدهشات التّكنولوجية التي تعتمل في قلب الحضارة المعرفية والثّورة الرقميّة المعاصر. وقد لا يكون في الأمر مبالغة إذا قلنا بأن ّ“كورونا” شكّل صدمة أيقظت الإنسان من غفلته الحضارية ليهزم غروره الحضاري ويستحضر عجزه الكبير إزاء المصير المستقبلي الغامض(3).

وإذا كان كورونا في نظري قد صعق رجال الدّين وهزّ قداستهم، فإنّه لم يوفّر رجال السّياسة بحال من الأحوال فاقتحم مخادعهم وهزّ أسوار حصانتهم المنيعة على غيرهم من البشر فابتلاهم بوبائه وذوّقهم بعضا من عذاباته. صدم كورونا رجال المال والأعمال، وها هي الشّركات الاقتصادية في طريقها إلى الإفلاس، وميزانيات الدول في سبيلها إلى الانهيار، وما قد يأتي قد يكون أشد وقعا وأعظم هولا. ومع كورونا لم ينفع الأغنياء مالهم ولا الساسة حنكتهم، ولا الجيوش قوتهم، ولا المؤسّسات الدينيّة بهالتها المقدّسة، وما زال العلم– وهو الأمل الوحيد المتبقي – غير قادر بل وعاجز حتى اليوم عن مواجهة هذا التّحدي المرعب للمصير لفيروس متناهي الصغر لا يرى بالعين المجردة (4).

نعم. هو فيروس صغير ولكنّه كما نعتقد استطاع أن يشكّل بتأثيره الكبير صدمة وعي ثقافي جديد، تجعلنا نفكر من جديد في وزن الإنسان وفي مكانته المزعومة في هذا الكون بوصفه مركزا له وصانعا للحضارة وبانيا للقوة والمجد. ولا نريد أن نذهب أبدا إلى حدّ التّقليل من شأن العلم، بل نحن على ثقة بأنّ العلم سيجد الدواء لهذا الداء عاجلا أم آجلا، والذي قد ينقذ الإنسانيّة من هذا المصير المخيف. ومع ذلك يبقى علينا أن نثير السّؤال الخطير، وهو كم هو عدد الجائحات التي تنتظر الإنسانيّة في مستقبلها القريب والبعيد؟ وكم هو عدد الفيروسات الغافية الهاجعة في تضاريس الزّمن الغابر التي لم تستيقظ بعد، والتي قد تكون يوما ما أشد فتكاً وأعظم هولاً من كلّ الجائحات التي عرفتها الإنسانيّة عبر تاريخها المديد. فالعلماء يؤكدون بوجود جحافل من الفيروسات الرّهيبة الكامنة في تلافيف الجبال الجليديّة للقطب الشمالي المتجمّد، ويعتقدون أيضا أنّ طبقات السّماء العليا قد تحمل إلينا جائحات فيروسيّة أعظم واشد من كورونا بآلاف المرّات قد يحرّرها الاحتباس الحراري فتسقط على الأرض وبالا وكأنّها حجارة من سجيل. نعم، هناك الكثير من التّحديّات الهائلة التي تواجه المجتمع الإنساني، ويبقى السّؤال كيف سيكون المصير الحضاري للإنسانية؟ وأين هي مركزيّة الإنسان في هذا الزّمن الرّهيب مع تكاثف الأزمات الاقتصاديّة وتضافرها مع اندلاع الحروب المدمّرة، وزيادة درجة التّطرف والتّعصب والكراهيّة، وتفاقم أزمات البيئة، وتعاظم التّلوث في الأرض، والفساد في المجتمعات الإنسانيّة، تزامنا مع الحروب البيولوجية والجرثوميّة التي نراها اليوم تنذر بالكوارث التي لم يسبق للإنسانية أن رأت لها مثيلا، وكأنها بداية نهاية الإنسان والتاريخ الإنساني (5).

2- المؤلف وحضوره العلمي:

لم يستطع المفكرون المصريون الوقوف على جمار الصّمت إزاء هذه التحولات الساحقة التي فرضتها جائحة كورونا في مجال الفلسفة، فنفروا لمواجهة هذا التحدي واستنفروا لمواجهة هذا الخطر الداهم، ودقوا له ناقوس الخطر الداهم في مواجهة عولمة رهيبة شديدة التوحش، ومن بين النخب المصرية التي تصدت فكرياً للجائحة يتألق نجم المفكر المصري الكبير محمود محمد علي، بوصفه أكثر المفكرين المصريين حماسة إزاء تحديات كورونا وتداعياتها السياسية والطبية على العالم أجمع، واستطاع محمود علي في نضاله هذا أن يوظف عبقريته الفلسفية في إبداع أكثر الأعمال الفكرية نقدا لمخاطر جائحة كورونا وصونا للفلسفة، إيماناً منه بأنّ الفلسفة هي الحصن الحصين للحضارة الإنسانية المتدفقة بالعطاء.

ومن يتابع الأعمال الكبيرة لمحمود علي سيجد بأنّ الرجل كان وما يزال حاضراً في الشأن الفلسفي، وهو الذي كرّس جانباً كبيراً من حياته للدفاع عن الفلسفة في مصر والعالم العربي ضد المخاطر الكبرى التي تهدد وجودها في عالم المعرفة والميديا والانسحاق الإنساني أمام عجلات جائحة كورونا.

وعندما أتحدث عن محمود علي بقامته الشامخة لا بدّ لي أن أقف في محرابه مأخوذاً بما ينطوي عليه شخصه الكريم من تدفق أخلاقي صقل إيماناً برسالته الفلسفية ودورها في بناء الإنسان وتشكيله في معترك الإيمان بالحضارة والقيم الإنسانية العليا، ولا غرابة أبداً في أن نجد موقع “نقد وتنوير “يصفه بأنه “فيلسوف ومفكر مصري معروف بكتاباته وأعماله الفكرية”، وكذلك موقع مكتبة نور الالكترونية والذي يصفه بالمثقف المصري الشامل الذي ضرب بسهام وافرة في فروع الفلسفة، حيث يقول الموقع: كتب الدكتور محمود محمد علي في الفلسفة الإسلامية، والتصوف، وعلم الكلام ، والمنطق ومناهج البحث وفلسفة الابستمولوجيا، علاوة  على  اشتغاله بقضايا الفكر السياسي المعاصر ، وهو صاحب موسوعة أجيال الحروب والتي صدر منها  حتى الآن ثلاثة مجلدات، بدأ فيها من حروب الجيل الثالث إلى  حروب الجيل الخامس، علاوة على اهتمامه الشديد بقضايا الأوبئة والجوائح، ومقالاته المتعددة حول كوفيد 19، وكذلك مقالاته في القضايا الاجتماعية والسياسية والمنشورة بالصحف والمجلات العربية والمصرية.

وفيما يتعلق بالإنتاج العلمي والمعرفي، فحدث ولا حرج، فهو حاضر في مصر بطولها وعرضها، مشرق في كلّ مكان في العالم العربي، ومتألف في جميع أقطاره، فهو هنا وهناك في الآن الواحد، يتدفق معرفة، ويومض علماً، ويتوهج بفلسفته التي تتميز بالعمق والشمول، وعندما تريد الحديث عن الشأن العام الفلسفي في مصر، فهو يمثل عطاءً  متدفقا كنهر من تبر، وإني لفخور به كصديق لي في مصر والعالم العربي، ونفخر بأمثاله فيلسوفاً رائعاً، مبدعاً، خلاقاً،  غزير المعرفة والإنتاج، ومحمود علي دائماً بعقله، ويقظ بقلبه، وهو دائم الاستعداد للنّظر في كل الملفّات الفكريّة رصداً لمضامينها، وتوغلا في معانيها .

ولد “محمود محمد علي “في مدينة إخميم بمحافظة سوهاج، في الرابع والعشرين من شهر يوليو سنة 1966، ونشأ كعادة أبناء القرى على حفظ القرآن والأحاديث النبوية والشعر العربي. وفي نفس الوقت بدأ طريق التعليم فدخل مدرسة المجلس الابتدائية. واصل تعلميه ليحصل على الشهادة الابتدائية من المدرسة الإعدادية الجديدة بإخميم حسب النظام التعليمي الذي كان معمولاً به آنذاك، وقد حصل على هذه الشهادة عام 1977م، ثم واصل تعليمه الثانوي بمدينة إخميم أيضاً، فالتحق بمدرسة أخميم الثانوية ليحصل على شهادة إتمام الدراسة الثانوية عامة 1984م. وفي نفس العام انتقل إلى كلية الآداب بجامعة أسيوط واختار دراسة الفلسفة ليحصل على ليسانس الفلسفة متفوقاً على كل أقرانه عام 1988م.

وقبل أن يعيّن مدرساً مساعدا بكلية الآداب – جامعة حلون، حصل على السنة التّمهيدية للماجستير بقسم الفلسفة – جامعة القاهرة، ثم حصل على درجة الماجستير في الدّراسات المنطقيّة وكان موضوع البحث “المنطق الإشراقي عند السهر وردي المقتول في ضوء المنطق الأوربي الحديث ” عام 1990م بتقدير عام ممتاز ثم عُين مدرساً مساعداً بقسم الفلسفة – جامعة حلوان، وبدأ رحلة البحث في الدكتوراه بين جامعة جنوب الوادي وجامعة القاهرة حتى حصل عليها من جامعة جنوب الوادي تحت في موضوع “المنطق وعلاقته بالفقه عند الأشاعرة ” عام 1995م بمرتبة الشرف الأولى وعقب حصوله على  درجة الدكتوراه عُين مدرّسا للمنطق وفلسفة العلوم بكلية الآداب بجامعة حلوان، ثمّ حصل على  درجة أستاذ مساعد عام 2004م، وكذلك حصل على  درجة الأستاذية في عام 2012م.

اشتغل بالتدريس في عدة جامعات مصرية وعربية، حيث قام بالتدريس في جامعات حلوان وأسيوط، وجنوب الوادي، وفي جامعة السابع من أبريل بليبيا، وذلك قبل سقوط نظام معمر القذافي، كما سافر في مهمة علمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وحاضر بجامعة جورجيا الأمريكية في عام 2001م، التقي بالعديد من كبار فلاسفة العلم المعاصرين، من أمثل سكوت كلينر، ويوري بلاشوف، وستيفن تولمن وغيرهم، كما حضر الكثير من المؤتمرات العلمية الدولية والمحلية.

3- الكتاب وإشكالياته:

بلغة عربية انسيابية تتصف بجمالها ورشاقتها وقدرتها على التأثير في ذائقة القارئ يرسم الدكتور محمود علي معالم وحدود القضايا التي يتناولها في هذا الكتاب الشيق الذي بين أيدينا وهو بعنوان” جائحة كورونا بين نظرية المؤامرة وعفوية الطبيعة”، حيث يجد القارئ تحت تأثير بيان لغوي جميل آسر اعتمده الدكتور محمود علي في مختلف مراحل هذا العمل وفي مختلف مستوياته.

ولذلك وجدنا أنّ الدكتور محمود علي لم يغفل في هذا الكتاب أي قضية تتعلق بهذا الفيروس اللعين الذي انتشر علي كوكب الأرض في عام  2020م، فلم يميز بين جنس، أو لون، أو نوع أو سن، ولا يقف عند حدود دولة أو قارة، أو عند باب مسؤول أو مواطن عادي، ولا يفرق بين مشهور ومغمور، ولا شريف ووضيع، بل يتحيّن الفرص ليتسلل إلى أي منزل في أي مكان وفي أي وقت، ليفتك بأفراده وبمن حولهم، وبات هذا الفيروس كابوسًا مزعجًا لدى جميع الناس، صار كل شخص يتخوّف على نفسه وأهل بيته ويتحسس نفسه مفزوعا لمجرد إحساسه بأعراض نزلة برد عادية أو أي إرهاق، كل فرد يشعر في كل لحظة أنّ المرض قريب منه جداً، وأن دوره قد حان، وقد يصل الحد ببعض الناس إلى توهم أعراضه رغم سلامتهم(6).

وفي دائرة التّبصر والتحليل الحكيم العميق لتداعيات جائحة كورونا على  العالم يطلق الدكتور محمود علي التنبيهات والتحذيرات ويقرع نواقيس الخطر، فيقول :” إنّ فيروس كورونا أجبر العالم في المرحلة الراهنة  أن يعيش حالة من الطوارئ ، لم تتوقف على حملات رفعت شعار “البقاء في المنزل”، وإنّما امتدت إلى إجراءات لفرض حظر التّجول، ومنع المواطنين بالقوة من الخروج، وذلك بعد ارتفاع عدد حالات الإصابات والوفيات، في العديد من الدول، من مشارق الشمس إلى مغاربها، لتتساوى أمام الفيروس القاتل دول العالم المتقدم والنّامي”(7).

وهو لا يكتفي بذلك، بل يحدد السبل والوسائل والحلول الذكية التي تعتمد في مواجهة جائحة كورونا، وذلك حين يتساءل هذا السؤال الذي أذهلنا: كيف تفشي وباء كورونا؟  وهل هو من فعل الطبيعة أم مؤامرة؟

وهنا يجيبنا الدكتور محمود علي قائلاً بأنّ ظهور فيروس كورونا في الصين أثار ضجة بين مصدق ومكذب، بين نظرية المؤامرة والحرب البيولوجية، وتبادل التهم باعتبار أنّ فيروس كورونا هو صناعة جهات معينة، تخدم مصالح معينة، وتحقق أهدافاً سياسية، بحيث أصبح واقع اللاثقة المتبادلة بين الدول واقعاً مستجداً يحمل في طياته بوادر الحرب العالمية الثالثة، والخوف من الإبادة الإنسانية، الناتجة عن صراع من سيقود العالم ويتحكم به، كل هذا سيجعل مصير الإنسانية رهين سياسية: تستر الصين على مدى خطورة الفيروس لأسابيع طويلة، وإصرار رئيس الولايات المتحدة الأمريكية على أنّ هناك مبالغة في الحديث عن الفيروس، وهو ما يثير الشكوك، إذ أصبحت هذه الآراء حديث الساعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مما خلق تجاذباً بين “الخطاب الشعبوي” و”الخطاب العقلاني”، فالفضاء الرقمي فضاء تواصل شبكي، وهو ككل الشبكات نسيج إلا أنّه نسيج مبعثر، أو على الأقل كثير الخيوط، وتشعبها يعود لطبيعته، وبالأخص لانفتاحه اللامتناهي(8).

ولم يكتف بذلك بل نرى  الدكتور محمود علي يبرز لنا في مقدمة كتابه الأبعاد الحقيقية لظهور هذا الفيروس اللعين من خلال مدينة ووهان الصينية، وبعد أكثر من شهر من انتشار الفيروس، خرج -كما يقول المؤلف- تقرير لصحيفة واشنطن تايمز الأمريكية، جاء فيه أنّ تفشي الوباء متعمد، وأنّ معهد ووهان لعلم الفيروسات هو من طور ذلك السلاح الحيوي الجديد، لمهاجمة أهداف في العالم، وفق ما قالته معلومات سرية سربها ضابط سابق في الاستخبارات العسكرية الصينية في المقابل ذكر تقرير لصحيفة “ديلي ميل” البريطانية كما يقول المؤلف، أنّ مصادر وتقارير روسية أشارت أخيرا إلى مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية عن انتشار الوباء وتفشيه في الصين على هذا النحو الكبير، وأشارت تلك المصادر، حسب ما ذهب إليه المؤلّف،  إلى أنّ “الأهداف الحقيقية لذلك تكمن في سعي واشنطن لاستخدام الفيروس كسلاح بيولوجي واقتصادي ضد الصين(9).

ثم يوضح الدكتور محمود علي أنّه حسب نظرية المؤامرة يرى البعض أنّ وباء كورونا ينقسم إلى عدة مدارس، الأولى ترى أنّ الوباء الذي كان يتم تخليقه في معمل “ووهان” بالصين حدث فيه تسرب وإصابات أدّت إلى انتقال الفيروس إلى سكان المنطقة هناك، وأنّ الخطأ الصيني الأعظم هو عدم شفافية السلطات في الإعلان عن الحادثة وعدم إخطار منظمة الصحة العالمية للولايات المتحدة الأمريكية بالتفاصيل الأوّلية وإحاطة العالم، مما أضاع فرصة الإنذار المبكر للتعامل مع الجائحة العارمة، وتخفيض نسبة الإصابات والوفيات (10). المدرسة الثانية من التفكير تقول إنّ الفيروس عمل شرير مدبَّر من جهة أمنية في الصين بهدف التأثير على أسعار الشركات الدولية المساهمة في الصين وبورصات العالم، ممّا يعطى صندوق الاستثمار الصيني الذي تملكه الدولة فرصة الاستحواذ على مليارات الأسهم بسعر شديد التّدنّي. المدرسة الثالثة من التفكير أنّ الإصابة كانت بسبب قيام مواطنين صينيين فى”ووهان” بتناول حساء ولحم الخفافيش الحاملة للفيروس، وساعد على ذلك الصمت المتعمد من السلطات الصينية لإخفاء الوقائع في حينها (11). أما المدرسة الرابعة فترى أنّ هناك تجمعاً عالمياً دولياً من شركات الأدوية والأمصال واللقاحات الغربية التي زرعت الفيروس في الصين وتعاونت مع قوى محلية في عدة دول من العالم لنشر الفيروس الوبائي عالمياً، بحيث يصبح اللقاح شرطاً أساسياً مسبقاً لأيّ اندماج بشرى، ولأيّ تجمع وضرورة لا بديل عنها للانتقال الداخلي أو السفر الدّوليّ من نقطة إلى أخرى (12).

ثم أكد الكاتب على حقيقة هامة وهي أنّ الرئيس الأمريكي ” دونالد ترامب” قلّل من أهميّة الفيروس في بدايات انتشاره، بل وسخر منه، واعتبره مجرد «نزلة برد عادية»، وعندما اكتشف أنّه خطير ووصل إلى بلاده وبدأ يتفشى، وصفه «بالفيروس الصيني». وقال إنّه اطلع على أدلة تثبت أنّ فيروس كورونا نشأ في مختبر معهد ووهان للفيروسات، وأنّه على منظمة الصحة العالمية أن تخجل من نفسها لأنّها مثلت وكالة العلاقات العامة للصين (13).

لكن الضربة القاضية جاءت من مدير مكتب الاستخبارات الوطنية الأمريكية كما يذهب إلى ذلك المؤلف في قوله:  »إنهم ما يزالون يحققون في  كيفية نشأة الفيروس لكن ما هو واضح أمامهم أنه «ليس من صنع الإنسان وليس معدلا وراثيا»، هذا التحرك من قبل المكتب جاء بناء على طلب من ترامب الكشف عن أيّ تعتيم محتمل من قبل السلطات الصينية أو منظمة الصحة العالمية بشأن انتشار الفيروس في  بدايته خصوصا بعد أن قال وزير الخارجية الأمريكية “مايك بومبيو” إنّ الصين حاولت حجب جزء من المعلومات الخاصة بتفشّي  الفيروس وأنّها ستتحمل مسؤوليّة ذلك، ثم قال لاحقا إنّ الحزب الشيوعي  الصينى يجب أن يدفع الثّمن دون أن يوضح ماذا يقصد بالضبط  (14).

وفى ذروة الهلع والمواجهة المشتتة لفيروس كورونا يؤكد المؤلف على  تصاعد الصراع السياسى بين الدول على خلفية مَن المسؤول عن وجود وتفشى الفيروس؛ وتضخمت معارضة الأحزاب وجماعات الضغط داخل الدول الديمقراطية وكلٌ يحاول أن يكسب نقاط قوة أمام الناخبين منتقداً ما اتخذته الحكومة من إجراءات في التعامل مع الفيروس المدمر، بادر “هنرى كيسنجر” (أستاذ السياسة ووزير خارجية أمريكا الأسبق)، كما يقول المؤلف، بنشر روشته لإدارة العالم فيما بعد كورونا على صفحات وول استريت جورنال تهدف إلى: استمرار آليات وقوى النظام الدولي القديم وحماية النظام الليبرالي مع تطوير البحث العلمي وقدرات العالم لمواجهة الأمراض المعدية ومواجهة جماعية للأضرار التي لحقت بالاقتصاد العالمي.. وفى أمريكا ودول أوروبا المكلومة تصاعدت دعوات رؤساء ووزراء للتحلل من المؤسسات الدولية الحامية للسلام والتعايش السلمي، منتقدين دور الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلنطي والاتحاد الأوروبي ومنظمة الصحة العالمية والجميع يتوعد بالثأر والمحاسبة وربما الانسحاب بعيداً عن العمل الدولي المشترك. أما في الشرق كما يقول المؤلف فقد تصاعد شعار “عالم ما بعد كورونا يختلف تماماً عما قبلها” وتشاركت روسيا والصين والهند واليابان والكوريتان في تأكيد هذا الشعار دون إفصاح عن بدائل أيضاً!! (15).

4- الفكرة الأساسية للكتاب:

يتساءل الدكتور محمود علي في هذا الكتاب ويصر في الإجابة عنه فيقول: هل هناك مؤامرة وراء انتشار الفيروس؟!

وهو يرى أنّه ربما تكون هناك مؤامرة، لكن لا أحد يملك أن يبرهن على وجودها، حتى هذه اللحظة، وبالتالي ليس أمام العالم سوى أن يصدق النظرية القائلة بأنّ الفيروس تحور وتطور وانتقل من الحيوان إلى الإنسان. ورغم كل ذلك، فإن مواطنين كثرا في العديد من بلدان العالم سوف يواصلون التصديق بأنّ هناك مؤامرة في مكان ما كانت وراء انتشار كورونا، والخطر الحقيقي كما يقول المؤلف أن يكون ترامب يستخدم اتهام الصين بأنّها وراء انتشار الفيروس كي يحصل منها على تعويضات ضخمة. وقد سمعنا في الأيام الأخيرة -وهو ما يؤكّده المؤلّف-إلحاحاً أمريكياً متواتراً ومنسقاً في هذا الصدد يعززه دعم دبلوماسي من دول أوروبية. وبعضهم على حدّ تعبير محمود علي، يعتقد أنّ “ترامب” يستخدم الفزاعة الصينية لهدفين أساسيين: الأول انتخابي بحت خصوصاً أن منافسه الديمقراطي جو بايدن بدأ يتقدم عليه في استطلاعات الرأي، والثاني استمرار ضغوطه على الصين لمنع انطلاقها وتقدمها اقتصادياً وسياسياً، وتلك قصة معقدة كما يقول المؤلف قد ينتج عنها صدام أمريكي صيني غير مسبوق (16).

ومن هنا، يؤكد المؤلف أنّ عام 2020م شهد موجة تراشق تلميحاتي وتصريحاتي بين مسئولين أمريكيين كبار ونظراء لهم في دولة الصين حول “فيروس” كورونا. ترامب وبومبيو ألمحا إلى احتمال أن يكون فيروس كورونا قد خرج خطأ من أحد المختبرات الصينية، وفى عدة تصريحات صريحة لا تحتمل التأويل اتهم “ترامب” الصين كما يقول المؤلف بإخفاء معلومات حول الفيروس عن العالم، واتجاهها إلى التستر على انتشاره خلال الأسابيع الأولى لظهوره، وهي التصريحات التي ترجمها “ترامب” عملياً بوقف التمويل الأمريكي لمنظمة الصحة العالمية بذريعة مساندتها الواضحة للصين. من جهتهم بادر العديد من المسؤولين الصينيين كما يقول المؤلف إلى السخرية من كلام “ترامب” وطالبته منظمة الصحة العالمية بأن يأتي بدليل واحد على ادعائه. أما منافسه الديمقراطي في الانتخابات الأمريكية “جو بايدن” كما يقول المؤلف فقد أنشأ يعيّر “ترامب” بالتقاعس عن محاسبة الصين على فيروس كورونا! (17).

من الواضح أن “التراشق الكورونى” تتداخل فيه المنافسات الانتخابية مع الصراعات الاقتصادية مع المكايدات السياسية، ويفسره -في تقدير المؤلف-أمران قد يكونان أكثر أهمية من المنافسات والصراعات والمكايدات. أولهما عدم الوصول إلى لحظة حسم في مواجهة الفيروس، وثانيهما الحيرة في تقديم إجابة حاسمة عن السؤال: أيهما أخطر. الخسائر البشرية (الإصابات والضحايا) الناتجة عن فيروس كورونا أم الخسائر الاقتصادية الساحقة الماحقة التي ضربت دول العالم المختلفة نتيجة ما اتخذته من إجراءات احترازية؟ (18).

وهنا يرى المؤلف بأنّ الصين رفضت بشدة الاتهامات الأمريكية بمحاولة تحميلها المسؤولية العالمية والأخلاقية عن انتشار وباء الكورونا، وكأنها فعل متعمد، وتستر ضار، تسبب في هذه الجائحة التي أدت إلى أسوأ كارثة وبائية في العصر الحديث. وفهمت “بكين”، بما لا يدع مجالاً للشك، أنّ «ترامب» يعدّ إلى تصعيد العقوبات على الصين إلى حد قد يصل إلى مطالبته بفرض عقوبات وغرامات دولية للتعويض عن خسائر العالم المباشرة وغير المباشرة كفاتورة للعالم بسبب وباء الكورونا. ولو حدث ذلك لوجدت الصين نفسها مطالبة مالياً وأخلاقياً بفاتورة تعويض لا تقل عن عشرة تريليونات من الدولارات حتى تاريخ هذه السطور (19).

ويؤكّد المؤلف أنّ البعض كان يعتقد بأنّ الرئيس الأمريكيّ «دونالد ترامب”، هو أكثر من يحارب العولمة، ثم اكتشفنا الآن أنّ فيروس كورونا أو “كوفيد 19” هو الذي وجّه الضربة الأسوأ للعولمة منذ عرفها العالم. سوف يذكر التاريخ أنّ هذا الفيروس لم يفرض العزلة بين البلدان فقط، ولكن فرضها ربما بين غرف البيت الواحد!  لقد فعل كورونا ما لم يتمكن منه كلّ أعداء العولمة حتى هذه اللحظة.

ثم يعلن المؤلف بأنّه سواء اتّفقت مع منظمة الصحة العالمية في أنّ فيروس كورونا المستحدث تحول إلى وباء عالمي، أو انضممت إلى أصحاب “نظرية المؤامرة” التي تشير إلى أنّ الدّول الكبرى تمارس علينا “مؤامرة الرّعب” مرة بفيروس أنفلونزا الطيور، ثم الخنازير، والسارس، وزيكا، والإيبولا، ثم فيروس كورونا المستحدث لتحقيق مكاسب بالمليارات أو بالترليونات، فهناك حدّ أدنى يمكن أن نتفق عليه، وهو أنّنا نواجه فيروس القرن، وهو شيء حقيقي وليس وهما مثل صفقة القرن، بدليل أنّه أجلس الملايين في بيوتهم وهم يندبون حظهما.(20).

صحيح أنّ وباء كورونا العالمي مثلما وصفته منظمة الصحة العالمية، يعدّ من أخطر الأوبئة وأكثرها انتشاراً وفتكاً قياساً بالأوبئة التي ظهرت في فترات تاريخية سابقة كما يقول المؤلف، وهذا ما يلاحظ من حجم الحذر والحيطة التي عملت بها عدد من البلدان، ومنها البلدان المتقدمة في مجال البيئة والصحة، كالولايات المتحدة، وبريطانيا، وإيطاليا، وفرنسا، وإسبانيا، وبلدان الاتحاد الأوروبي، وصلت الحالة لغاية الآن إلى إعلان حالة الطوارئ في أغلب دول العالم وغلق الأجواء والمنافذ الحدودية، وتعطيل حركة التجارة، وحركة العالم اليومية في المدارس والجامعات، وغلق الجوامع ودور العبادة حتى التاريخية منها كالكعبة، والمسجد النبوي في المدينة، ومراقد أهل البيت الشيعة في مدن: النجف، وكربلاء، ومشهد الإيرانية وكذلك أغلب الكنائس في أوربا، ثم إلغاء الشعائر والطقوس الدينية ذات التماس البشري الكبير، بل أطال حركة السياسيين وتنقلاتهم واجتماعاتهم بعد اصابة العديد من الساسة البارزين في العالم(21).

ومن عجائب ما نُشر، كما يقول المؤلّف، ذلك الذي روّجه الإسلامويون بقولهم إنّ الفيروس لا يصيب المسلمين، بل هو انتقام إلهي من الصين، على ما زعموا أنّه قمع للمسلمين الإيغور في مقاطعة تركستان الصينية، لكن المضحك أنّ هؤلاء قد عادوا بعد انتشار الفيروس في الدول العربية والإسلامية ومنع بعض الدول، ومنها السعودية، العمرة وصلوات الجماعة إلى تغيير أقوالهم إلى النقيض، وادعوا أنّها مؤامرة على الإسلام والمسلمين بغرض إبطال فرضي الصلاة والحج (22).

لكن ما يدحض هذه النّظريات أو الفرضيات رغم وجاهة الأفكار والشكوك التي تراود الناس كما يقول المؤلف، هو أنّ الفيروس انتشر شرقاً وغرباً ولم يوفر أحداً من الدول والأجناس، فهو لا يصيب العرق الأصفر فقط كما أُشيع، ولا يستثني الأبيض أو الأسود، بل يضرب في كل مكان في الصين، وروسيا، وإيران، والولايات المتحدة، فالفيروس ليس عنصرياً، إنّه يستوطن أينما وجد بيئة صالحة لتكاثره، وتتصدر اليوم أمريكا وإيطاليا، وإسبانيا مع إيران والصين قائمة الدول الأكثر استهدفاً للفيروس، فقد انتشر فيها بسرعة كبيرة فاقت التّوقعات (23).

وفي خضمّ موضوعية الأحداث وجب علينا أن نعرف أنّ الإيمان بنظرية المؤامرة كما يقول المؤلف يختلف عن الإيمان بوجود استراتيجيات سياسية وخطط تتبعها كلّ الأمم والمجتمعات منذ فجر التاريخ لتحقيق مكاسبها ولتعزيز قدراتها، الفرق بينهم أنّ الأول يقودك إلى إغلاق عقلك وترجيح نظرية المؤامرة على كلّ المواقف الخارجة عن المألوف وعدم التفكير بأي تفسير للأحداث وعدم الاطلاع على أي نوع من المعرفة وعدم بذل أي جهد في التقدم للأمام، لأن كلّ جهد هو لصالح المؤامرة وقد يمنح كورونا فرصا أعظم للبقاء والتمدد، أما الثاني يختلف لكونه يحثكّ على فهم حقيقة أنّ المواجهة تتم بالإعداد والتخطيط والتطوير، حسب اعتقاد محمود علي، وأنّ هذه الأمم لم تصل  إلى ما وصلت إليه إلا لأنّها بذلت جهدها في مجابهة أعدائها والتقدم عليهم وتحقيق مكاسبها على كل الأصعدة، وهذا التفريق هو ما يجعلك قادراً على أن تكون جادَّا في عملك لتحقيق التغيير، وبالتالي نحن أمام ظرف زمني مفصلي يستدعي منّا يقظة العقل والابتعاد عن الانفعالات الضّارة التي ترى في بعض من الدول عدوّا مطلقا وفي الآخر صديقا وفيّا، ذلك أنّ كورونا تعادي الجميع وتلغي بقاء العضوية الإنسانية صالحة للعيش والعطاء (24).

إنّ مدى التّفاعل مع فيروس كورونا الذي ضرب العالم كلّه. يتوقف على درجة الوعي الذي يتمتع به مجتمع دون آخر، إذ يلاحظ المؤلف أنّ هنالك بعض المجتمعات تعاملت مع الوباء بحذر كبير وأدركت مدى الخطورة التي من الممكن أن تنتج عنه وتفاديا لذلك وضعت مجموعة من الإجراءات الاحترازية، فكان أن تمكّنت من منع تفشّيه. وهنا تأتي الحاجة الماسة لزرع الثّقافة المجتمعية الرّصينة والقادرة على السّير بالمجتمع نحو بر الأمان، إذ مع افتقار هذه الثّقافة سيكون المجتمع غارقا في دوامة لا يستطيع الخروج منها مالم تتظافر الجهود وبجدية للخلاص منه (25).

إنّ فيروس كورونا كما يقول المؤلف هو اختبار ليس فقط للصحة الفردية في مقارعتها لهذا الفيروس، بل إنّه اختبار للوعي المجتمعي في ظل صراع العالم المتعدد المصالح والتوجهات السياسية والاقتصادية، بل ويعبر عن الإدراك المجتمعي لصيرورة البقاء والابتعاد عمّا يفسّر الأحداث بغير مسبّباتها الحقيقية.

ومع انتشار فيروس كورونا الذي اجتاح العالم منذ ديسمبر 2019، وخلق حالة من الرعب وعدم الاستقرار النفسي والاقتصادي المتصاعد، انتشرت أيضاً نظرية المؤامرة وتصاعدت حدّة الاتهامات بين بعض الدول كما  يذهب إلى ذلك المؤلف، فهناك من قال أنّ هذا الفيروس هو سلاح بيولوجي اصطناعي، واتهموا دولاَ بالمساهمة في نشره من أجل السيطرة وإسقاط الخصوم، حيث تواصلت الحرب الكلامية، والاتهامات المتبادلة بين واشنطن وبكين ودول أخرى، حول كورونا المستجد، وقد اتهم مسؤول صيني الجيش الأمريكي كما يقول المؤلف بأنّه قد يكون وراء انتشار فيروس كورونا في الصين، بينما ترى الولايات المتحدة بأن بكين تتعمد الدعاية لنظرية المؤامرة ضدها واستهدافها (26).

وهنا يخلص المؤلف إلى أنّ كلّ النّظم السياسية في العالم اليوم أمام اختبار وامتحان عسير بغضّ النّظر عن توجّهاتها السياسية والاقتصادية، فهي مطالبة اليوم بإيقاف الحروب والتّسلح الباطل لمحاربة عدو مفتعل لا يعني شيئًا  أمام بقاء الإنسان والإنسانية جمعاء، واليوم تقف الإنسانية ونظم العالم كافّة أمام مفترق طرق، فإمّا البقاء أو الفناء، وبالتالي على أمريكا، والصين، وروسيا، أن تدرك أنّ الغرق في بحر التفكير المؤامراتي لا يجلب للإنسانية إلا الفناء، وأنّ المدخل السّليم لإنقاذ الإنسانية هو المصالحة مع الذات أولاً ومع الآخر المختلف ثانياً، وإلاّ فإنّ كلّ دعوات إسعاد الإنسان هي كذب ورياء إذا لم يجر التّضامن والتّحالف الدولي وغير المشروط للنضال من  أجل وضع حد لكورونا وتداعياتها الاجتماعية والسيكولوجية (28).

6- في مضامين الكتاب:

في هذا الكتاب المميّز الموسوم بعنوان” جائحة كورونا بين نظرية المؤامرة وعفوية الطبيعة: يرسم الدكتور محمود علي الصراع السياسي والطبّي بين نظرية المؤامرة وعفوية الطبيعة تجاه جائحة كورونا، ويقف محللاً لكل المخاطر التي تشكّلها جائحة كورونا على الأنساق السياسية والأخلاقية والإنسانية.

يقع كتاب محمود علي في 420 صفحة من القطع الكبير، وهو من إصدارات دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر 2021م، وفي هذه الصفحات العريضة يستعرض محمود علي خلاصة تجربته الفلسفية في مجال الفكر الفلسفي الناقد لجائحة كورونا وتداعياتها ومخاطرها وجنونها وتوحشها، ولا ريب أنّ محمود علي يجمع في هذا الكتاب خلاصة حكمته الفلسفية التي امتدت في الزمن على مدى العقد الأول من قرننا الحالي.

والكتاب ليس رواية من نسج الخيال، ولا سردا لأحداث تاريخية، وإنّما هو عبارة عن مراجعة لمئات المراجع والدراسات التي أخذت تبرز أنّ العالم أخذ يتغيّر بسبب جائحة كورونا، وتتغيّر كلّ ملامحه الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والتعليمية وليس هذا فقط، فالجائحة أعادت إلى الواجهة سؤالاً فلسفياً مهماً يتمحور حول حقيقة الإنسان وماهيته الانطولوجية وعلاقته بالطبيعة، بعدما اكتشف ضعف سيادته المزعومة وتهافت الأطروحة الفلسفية الديكارتية القاضية بمركزيّة الإنسان وسيطرته المطلقة على العالم.

كورونا لم يكن فقط فيروساً قاتلاً، بل هو، كما يرى المؤلف، امتحان طبيعي – كوني ليستعيد الإنسان علاقته الصحيحة والسليمة مع الوجود ومكوناته، وليدرك كذلك أنّه ” كائن طارئ” زائل ” يتحتّم عليه أن يلتقط الرّسالة جيداً، وأن يعرف موقعه في العالم، ومعنى وجوده، ووظيفته الاستخلافية وغايته الوجودية.

وعلاوة على ما تقدّم، فإنّ قوانين ” الحتمية العلمية” كما بشّرت بها الفلسفة الوضعيّة منذ زمن، وهو ما يؤكّده المؤلّف، لا تكفي لتفسير الطبيعي والاجتماعي وتحليل قوانينه والتنبؤ بأسبابه بيقين عليم مطلق، طالما تتجاهل “نسبية العلم ” وأفقه المحدود ومساراته المتغيرة. وبالتالي فإنّ تأسيس العلاقة بين الإنسان والطبيعة على أرضيّة علميّة يستوجب كذلك إدراك قوانين العالم التي تخضع لإرادة مطلقة، لا لإرادة إنسانيّة نسبيّة ومحدودة، ومن ثمّ يظلّ العلم تبعاً لحقيقة ثابتة ومطلقة يجب على الإنسان أن يسير في اتجاهها، لا أن يجافي منطقها بدعوى الانتصار للعقل العلمي وعقلنة أي علاقة وأي فعل إنساني أو طبيعي.

لقد كشفت جائحة كورونا للعالم، على حدّ تعبير محمود علي أنّ أقصى ما يمكن أن ينتجه التّفكير الوضعيّ لا يتجاوز حدود “النسبية”، وتبقي بالتالي استقراءاته واستدلالاته مجرد افتراضات وتخمينات، لأن التّعميمات الناموسية التي يجب أن تكون صادقة كونياً وغير مقيدة مكانيا وزمانيا، يمكن أن تخرج عن سلطة العالم فتصير تنبؤاته المؤسسة على التعميم غير دقيقة لأنه يقوم على مغالطات معرفية تبين في مجملها “نسبية الاختيار الوضعاني” ومحدوديّة قيمته التّفسيريّة.

وثمّة نقطة أخرى جديرة بالإشارة وهي أنّ مؤلّف هذا الكتاب قد حاول أن يتناول قضيّة “جائحة كورونا بين نظريّة المؤامرة وعفويّة الطبيعة” من منطلق ميله الشّخصي والقويّ للبحث والاستقصاء في جائحة كورونا، وبالأساس فيما يختصّ بالتغييرات التي أحدثها هذا الفيروس. فالتّغيير الأوّل الذي ظهّرته أزمة كورونا هو ذاك الذي طرأ على العلاقة بين الناس والسلطة من جهة الأهمية المتجددة التي استعادتها الحكومات لدى الشعوب. فالمجتمعات كافّة حتى الليبرالية منها لجأت إلى حكوماتها الوطنيّة لحمايتها، كما أدركت هذه الأخيرة أنّ مؤسّساتها بحاجة إلى خبراء لا مجرد سياسيين ليتّخذوا قرارات منطقيّة وسريعة مبنيّة على العلم والمعرفة. وأدركت أيضاً أنّ ثقة النّاس أمر بالغ الأهميّة، وأنّ هذه الثّقة تعتمد على قول الحقيقة والشّفافية. لا شك أنّ هذا التّغيير حميد إنْ بقي ضمن الأطر الديمقراطية، إذ يُخشى من أنّ الإجراءات الطارئة التي تبنّتها هذه الحكومات لإدارة الأزمة مَدَّتها بسلطات جديدة قد تكره التخلي عنها عند انتهاء الأزمة.

التّغيير الثاني وهو كما يقول المؤلف قديم جديد، ويتعلّق باستعادة الدّولة الوطنيّة زخمها في ظلّ التّراجع الذي نشهده عن العولمة المفرطة، وما يُتوقع من تراجع معظم الحكومات عن الالتزام بمعالجة المشكلات الإقليمية والعالمية والتّركيز على ما يجري داخل حدودها بدلاً من الاهتمام بما يجري خارجها، بالنظر إلى الحاجة لتكريس الموارد لإعادة بناء البيت الداخلي والتّعامل مع العواقب الاقتصادية والاجتماعية للجائحة. وفي محاولة للاستقلالية والتّحكم بالمصير قد تتدخّل الدّولة في تحديد أولويّات إنتاج الماكينة الصناعيّة، لا سيما ما تعدّها صناعات استراتيجية، فارضة على الشّركات خططاً لاستمرار توفر احتياطيات منها. سيؤشر أمر كهذا إلى مرحلة جديدة من الرأسمالية العالمية أبرز معالمها تحجيم حرية التجارة وفرض قيود على تصدير ما تعدّ إمدادات استراتيجية لتأمين مخزون وطني منها يسمح بمواجهة أي اضطراب مستقبلي.

النقطة الثالثة التي ظهرت هي أنّه على الرغم من التّقدم العلمي والتّقني الكبير الذي وصل إليه العالم، فإنّه بقي عاجزاً عن توقع مثل هذه الكارثة الصحيّة، والتي تمثل، على حدّ تعبير المؤلّف، جزءًا من الكوارث الطبيعية كالزلازل والأعاصير والجفاف وغيرها الكثير. ولا يمكن لوم العالم على وقوع هذه الكوارث، لكنّ العالم بعامة، وما يسمى الأوّل منه بخاصة، يتحمل قطعاً مسؤوليّة سوء إدارتها النّاتج عن سياسات أقلّ ما يقال فيها أنّها متعجرفة وضعيفة النّظر. فالتّنافس على قيادة العالم دفعها إلى الإفراط في موازنات التّسلح والتّفوق التّكنولوجي على حساب موازنات التّنمية والبحث العلمي، ولا يمكننا إغفال حقيقة رفض المجتمعات الغربيّة التّراجع قيد أنملة عن حياة الرّفاهية ومطالبها (تقليص ساعات العمل وسنوات الخدمة، إلى المطالبة بتعويضات صحيّة أكثر وضمانات نهاية الخدمة)، فاعتمدت حكوماتها سياسات تقشّف جاء معظمها على حساب الشّؤون الصحيّة أو الطبيّة أو العلميّة أو التربويّة.

هذه النّقاط الثلاث وغيرها، حسب تصوّر المؤلّف، قد دفعت بالعديد من المراقبين إلى التبشير ببداية فترة انعزال دولي تحاكي ما شهده العالم إثر الأزمة الاقتصادية عام 1929 وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية وإلى مرحلة انكماش اقتصادي عالمي، محمّلين العولمة وزر ما جرى وما ستؤول إليه الأمور. فهل معادلة فيروس قاتل وحوكمة غير رشيدة في التّعامل معه وقيادة غير كفؤة ستجعل البشرية تتجه إلى عالم أقلّ انفتاحاً وازدهاراً وحرية؟ (28).

ومن هذا المنطلق نجد المؤلف يقسم الكتاب إلى  ستّة فصول رئيسية، الفصل الأول وعنوانه جائحة كورونا ونظرية المؤامرة ، وهذا الفصل يشتمل على بعدين متنافرين، الأول سياسي يتعلق بنظرية المؤامرة، والثاني علمي وطبي في ذات الوقت حيث يدرس ويحلل جائحة كورونا كوباء من ضمن أوبئة الجوائح والطواعين التي غزت العالم من قبل بدءا من الطاعون الأسود الذي اجتاح الإمبراطورية الرومانية  وأدّى إلى سقوطها، وصولا  إلى جائحة كورونا التي غزت العالم منذ أواخر 2019م تحت مسّى  كوفيد 19، وهو نوع من الإنفلونزا العاديّة لكنّه غيّر من تركيبة الجين، فأصبح أكثر ضراوة من الإنفلونزا العادية بمئات المرات، كما أنّ مناعة الإنسان لا تستطيع التّعرف عليه، ومن ثمّ أصبح هذا الفيروس واسع الانتشار، ويصيب الإنسان بسرعة كبيرة، ويبدأ في الدخول إلى جسمه  عن طريق الهواء، أو لمس الأسطح الملوثة، “ويغزو خلايا الغشاء المخاطي  للفم والأنف والعينين، ثم الحلق، ثمّ الشّعب الهوائية ويقضى فترة حضانة تصل إلى عشرة أيام في  المتوسط”. أمّا الفصل الثاني فقد خصّصه لدراسة ” كورونا وعلاقتها بالجوائح الأخرى”، في حين أفرد الفصل الثالث لـ “إيجابيات كورونا”؛ ويتضمن الرابع بحثا في قضيّة ” كورونا والاقتصاد”، أما الفصل الخامس فقد كرس لقضايا ” كورونا والايديولوجيا”، ويتناول الفصل السادس والأخير ” فلسفة ما بعد كورونا”، ويمكن تحليل مضمون كلّ فصل وذلك على النحو التالي:

أ- تحليل مضمون الفصل الأول:

حاول المؤلّف في هذا الفصل أن يبيّن لنا أنّ العالم منذ أواخر 2019 بدأ يمرّ بظروف استثنائية غير مسبوقة، وإن كانت غير متوقّعة من الكثيرين.  وقد أكّد البعض، كما يقول الدّكتور محمود علي في هذا الفصل،  أنّ ما يحدث في العالم الآن هو أمر مدبر لأنّ الفيروس مخلوق، وبدأت أصابع الاتّهام توجّه إلى الصين، باعتبارها البلد الذي نشأ فيه وبدأ منها خروج الفيروس للعالم، بينما أشارت أصابع اتهام أخرى إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة بنشر الفيروس من خلال عملاء لها يعملون داخل معامل مدينة ” ووهان” الصينيّة التي كانت تجري تجارب داخلية على الفيروس، بينما يقرّ آخرون بوجود مؤامرة مدبّرة بين الصّين والولايات المتّحدة للسّيطرة على  اقتصاديات العالم، بدليل ظهور آراء لعلماء ومفكرين وسيناريوهات وأفلام سينمائية عُرضت منذ عدّة سنوات تمّ التنبّؤ فيها بما يحدث الآن على أرض الواقع، ولا شك أنّ الأيّام والسّنوات المقبلة سوف تظهر من كان المتسبّب في ظهور الفيروس وانتشاره (30).

وثمّة نقطة مهمّة ركّز عليها المؤلف في هذا الفصل وناقشها بإمعان، وهي أنّه منذ الوقت الذي أبلغت فيه الصّين منظّمة الصحّة العالميّة عن جائحة كورونا الجديدة في 31 ديسمبر 2019م، لم يستغرق الأمر سوى وقت قصير لتصبح وباءً عالمياً، مما أسفر عن مقتل مئات الآلاف، وماتزال الحصيلة في تزايد. ومن الواضح الآن أنّ هذا الفيروس كان منتشرا في ووهان الصينيّة لأسابيع قبل إبلاغ الصّين منظّمة الصّحة العالميّة، وأنّ السلطات هناك أخفت معلومات مهمّة منها أنّ الفيروس كان قابلاً للانتشار بسهولة بين البشر. وقد قامت منظّمة الصحة العالمية بنشر بيانات الصين ولكن دون التّحقق بشكل مستقلّ من دقّتها بعد ذلك ألقى الرّئيس الأمريكي السابق باللّوم على منظّمة الصحة العالمية في ردها البطيء والمتمركز حول الصين في 14 أبريل 2020 ثم أعلن تعليق التّبرعات الأمريكيّة للوكالة (31).

ميز كذلك المؤلف في هذا الفصل بين الجدل القائم حول تصنيع فيروس كورونا، ووجود أسلحة جرثوميّة. والتمييز هنا مهم وجوهري. لأن هدف تصنيع كورونا، ونشره في أرجاء المعمورة، لو صار واقعاً، هو فعل عدمي، لا تبدو ضمن ما هو منظور، إمكانية استفادة أي طرف منه، في حين أنّ وجود أسلحة جرثومية، هو جزء من حالة التّنافس بين دول الهيمنة، على اقتناء أسلحة دمار شامل، تشمل الأسلحة النووية والكيماوية والجرثومية، والعنقودية والتقليدية، والهدف هو استخدامها عند الضرورة، وفقاً لرؤية صناع القرار، في حالة الحرب (32).

وقد بيّنا في هذا الفصل بأنّه قد استخدمت مختلف أنواع تلك الأسلحة، بأشكال مختلفة في الحروب التي جرت، منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية. أمّا بالنسبة إلى كورونا، فإن انتشار هذا الفيروس، لم يتمّ بحالة حرب. وحتى إذا ما ثبت تصنيعه في مختبر ما، كما هو الاتهام الأمريكي للصين، أو اتهام بعض الأوساط السياسية لأمريكا بتصنيعه، فإن ذلك لا يعني انعقاد النّية على وجود مخطط لتلويث العالم به، فذلك ما لم تتوفّر أية دلائل تؤكده، بل قد يحدث أحياناً، أن تنعقد النيّة على تصنيع نوع جديد من تلك الأسلحة، ويحدث انفلات غير مقصود، لبعضها، يصعب السيطرة عليه خارج المختبرات. وقد حدث ذلك حتى في بعض المفاعلات النووية في روسيا واليابان، لكن ذلك لا يمكن توصيفه ضمن فكرة المؤامرة (33).

ثم طرح المؤلف في هذا الفصل سؤالاً مهماً حاولنا الإجابة عنه، وهو من هو المستفيد من القوى الصناعية المهيمنة، من انتشار كورونا؟ سنجد أنّ معظم الأجوبة، لن تكون في صالح طرح السّؤال. إنّ أكثر المتضرّرين من انتشار وباء كورونا، هي الدّول الرّأسماليّة المتقدّمة. وقد نالت حصّة الأسد، من انتشاره. وفي هذا السّياق، نعني الولايات المتّحدة ودول أوروبا الغربيّة، والصّين الشعبيّة، وروسيا وخسائر هذه الدّول منذ انتشار الوباء تقدّر بالتريليونات (34).

وهنا بيّن المؤلف بوضوح فيما يخصّ هذه الجزئية كيف تعطّلت المصانع الكبرى، وتراجع استهلاك البشر للسيارات ووسائل النقل، والطاقة، والسياحة والرياضة ووسائل الترفيه. ومع هذا التراجع، تراجعت البنوك وأسواق المال. وامتنعت معظم المولات والأسواق الكبرى، والشركات، بمختلف أنشطتها، عن تقديم خدماتها للمستهلكين. والأنكى أنّ البشرية بأسرها، تعيش في مرحلة أطلقنا عليها مرحلة اللاأدرية، حيث لا يوجد حتى هذه اللحظة بصيص أمل، بإمكانية الخروج سريعاً، من هذه الجائحة(35).

ب- تحليل مضمون الفصل الثاني:

وفي الفصل الثاني يتناول المؤلّف قضيّة ” كورونا وعلاقتها بالجوائح الأخرى”، وفيه أبرز المؤلف علاقة جائحة كورونا بتاريخ الأوبئة والجوائح، حيث عقد المؤلف مقارنة بينها وبين ما يعرف بالطاعون الأنطواني والذي ظهر في عام 165ميلادية، والذي قال عنه المؤرخ الروماني “كاسيوس ديو “إنّ هذا الوباء تسبب في وفاة ما لا يقل عن ألفي شخص يوميا حينئذ، كما أبرزت بعض الدراسات الحديثة التي أكدت أنّ الطاعون الأنطوني لم يكن سوى مرض الجدري، وقد جاء تحديد هذا المرض بناء على وصف أعراضه التي دونها المؤرخ كاسيوس ديو. واستمر هذا الوباء في الانتشار إلى سنة 180 وأسفر عن سقوط العديد من الضحايا، بحسب دائرة معارف التاريخ القديم (36).

كما أبرز المؤلف أيضاً في هذا الفصل علاقة كورونا بـ” طاعون جستنيان” الذي ظهر أوّل مرة في مصر عام 541م، وانتشر في كافة أنحاء الإمبراطورية البيزنطية، في عهد الإمبراطور جستنيان، في آسيا وإفريقيا وأوروبا بين عامي 541 و 542 م، كما امتدّ الطاعون إلى الإمبراطورية الساسانية ومعظم المدن المطلة على البحر الأبيض المتوسط (37).

كذلك أبرز المؤلف في هذا الفصل علاقة كورونا بالطاعون الذي ظهر في أوربا في القرن الرابع عشر ميلادي خلال الفترة الممتدة من1347 إلى 1351 م، والذي سمي بـ” الموت الأسود”، حيث قال عنه الرّاهب الإنجليزي والمؤرخ “توماس وال سينجهام”، بعدما لاحظ الكثير من البؤس الذي أسفر عن مقتل نحو 20 مليون شخص. وأبرزنا أنّ دراسة حديثة صدرت عام 2018 ، ذكرت أنّ البشر كانوا المسؤولين عن العدوى في ذلك الوقت وليس الفئران. كنا عولنا على ما ذكره روبرت س جوتفريد، ذكر في كتابه “موت الأسود جائحة طبيعية وبشريّة في عالم العصور الوسطى”، أنّ الطاعون، والذي عرف بالموت الأسود أتى عن طريق التّجار الإيطاليين، وربما حل بالإسكندرية في نهاية خريف عام 1347م، زكام يفتك في الأسابيع الأولى بما يتراوح ما بين مائة إلى مائتين في اليوم الواحد، وكان يشتد فتكه عندما يشتدّ البرد، كما شرحنا كيف حكت الحوليات المعاصرة عن ضحايا كانوا يبصقون دما، ويعدّ ذلك مؤشراً على الطاعون الرئوي المميت. ولم يلبث أن ارتفعت نسبة الموت إلى سبعمائة وخمسين في اليوم الواحد، وما أن حل الربيع التالي حتى ارتفعت إلى مائة ألف، إلا أنّ الكاتب أكد أنّه لا توحد نسبة محددة بدقة لمن هلكوا جراء الطاعون(38).

وبين المؤلف أيضا في هذا الفصل كيف ضرب الطّاعون مناطق أخرى في الدلتا، حيث ضرب دمياط، بشدة، وسرعان ما حل الجفاف ببساتينها وأشجار فاكهتها، وظل الصيادون يلزمون الميناء لعدة أسابيع بلا انقطاع، وكان مستوى الموت بقرى الدلتا عالياً، لدرجة تعطلت المحاكم الشرعية، ولم يعد في الإمكان توثيق الوصايا في بلبيس، حيث صارت الجثث تتكدس في المساجد والحوانيت، وعطل ما كان متحللاً منها حركة المرور في الطرقات، فقد تراكم بعضها على جوانبها، وأفاد قطاع الطرق منها في نصب كمائن. ووصل الطاعون إلى مدينة القاهرة عام 1348، وربما كانت تضم بضواحيها نحو 500 ألف من السكان، وخلال ما تبقى من ذلك العام كان متوسط الموت فيها قد وصل إلى ثلاثمائة على الأقل في اليوم الواحد، ثم وافى الوباء ذروته في أواخر الرّبيع وأوائل الخريف، واقترب عدد ضحاياه من السبعة آلاف يوميا، بل إنّ أحد المصادر يرتفع به إلى عشرين ألفاً في أيام بعينها، وسادت حالة من الفوضى، إذ كان هناك نقص في التوابيت، فكان الموتى يحملون على ألواح خشبية، كما كان يطاف بالجنازات في طرقات المدينة على نحو دائم، واستمرت الفوضى في الخريف، ولم يعد هناك ما يكفى من أكفان، فكان الوعاظ وحفارو القبور قليلو الحيلة يقدمون على دفن تلك الأعداد الهائلة في خنادق جماعية كبيرة، ومثلما الحال في الدلتا، فقد غصت المساجد والحوانيت بجثث الموتى، وصاحب ذلك ارتفاع في الأسعار وانتشار المتسولين في طرقات المدينة، وبلغ عدد من ماتوا من أهل القاهرة  مائتي ألف، يمثلون ثلث إلى خمس  عدد  سكّانها، وهو عدد هائل يعادل سكان أيّة  مدينة أوروبية أخرى ربما باستثناء القسطنطينية والبندقية(39).

وعرض المؤلف كذلك إلى  علاقة كورونا بطاعون لندن العظيم، والذي شهدته العاصمة البريطانية عامي 1665 و 1666 م، فيما عرف باسم طاعون لندن العظيم والذي وصلها قادما من هولندا والذي تجاوز عدد ضحاياه الـ 100 ألف شخص، وهو ربع عدد سكان المدينة حينئذ، بحسب موقع  history.com  وفي عام 2011 ، تمكّن علماء من معرفة جينات جرثومة مرض “الموت الأسود”، أو الطاعون من خلال استخراج أجزاء دقيقة من الحامض النووي للبكتيريا من أسنان جثث من العصور الوسطى عثر عليها في لندن، وقالوا إنّ هذه الجرثومة هي أصل كل البكتيريا المسبّبة للطاعون حديثاً(40).

عرضنا في هذا الفصل مقارنة بين كورونا وطواعين أخرى، مثل الطاعون العظيم بمدينة مارسيليا الفرنسية، وطاعون عمواس، وطاعون الكوليرا، وطاعون منشوريا، والإنفلونزا الإسبانية، وإنفلونزا الخنازير…   إلخ  (41).

كما تبيّنّا أيضا كيف حصلت تناقضات محسوسة في سياسات الدّول إزاء التّصدي لفيروس كورونا، فتباينت الرؤى والأفكار، وتباينت معها الأفعال، والإجراءات، وتمخضت عنها النتائج والمعطيات المختلفة. حينما أعلنت الصين، وهي مسقط رأس هذا الفيروس الجديد عن اكتشافها للوباء الجديد انتقدها بعضهم، لأنّها تغاضت للوهلة الأولى عن حقيقة الوباء وتباطأت في الكشف عنه واحتوائه والسيطرة عليه حينما كان في مهده. غير أنّ الحقيقة كشفت لنا أنّ الأمر ربما كان غير ذلك، فحينما ظهر كوفيد 19 لأول مرة للوجود، كان يتّصف بصفات وأعراض وعلامات الإنفلونزا الموسمية الفصلية الكلاسيكية، وبقي هذا الفيروس ينتشر بين الناس في مدينة ووهان الصينية متخفياً بأعراض الإنفلونزا العادية، ومستغلاَ وقت الظهور المشابه لوقت ظهور الإنفلونزا الموسميّة أي في أشهر الشتاء. فكان من الصعب جداً التكهن بأنّ هذه الإنفلونزا ناشئة عن فيروس جديد غير الفيروسات المتوطنة المعروفة، بل إنّ تدارك الأمر بالسرعة المحسوبة والكشف عن حقيقة هذا الفيروس الجديد وحلّ لغز شفرته الجينيّة وتعريف العالم عليه، يعتبر خطوة متميزة حققها الصينيون في هذا المجال (42).

جـ- تحليل مضمون الفصل الثالث:

أما الفصل الثّالث الوارد تحت عنوان “إيجابيات كورونا”، فقد نوّه فيه المؤلّف إلى حقيقة مهمّة وهي أنّ البعض يظنّ أنّ هذا الفيروس بما له من آثار سلبيّة على الصّحة النّفسية والجسديّة وأيضاً على الاقتصاد المحليّ والدوليّ، لم يصنع عادات إيجابية في حياتنا ومجتمعنا. ونجد من أهمّ العوامل الإيجابية التي يركز عليها محمود علي هنا تلك التي ظهرت في الحجر الصحي العالمي الذي أعاد إلى البيئة الطبيعية بعض توازنها فتراجعت حدّة التلوث عبر العالم وانحسر حجم غاز الدفيئة في الغلاف الجوي. وقد أسهم تفشّي الفيروس إيجاباً في الكشف كما يرى المؤلف عن مساوئ النظام الاقتصادي العالمي الذي كان سارياً قبله، والذي جعل البشر أشباه آلات يمضون معظم وقتهم في إنجاز أعمالهم خوفاً من السقوط تحت خط الفقر أو عدم تمكّنهم من تأمين أدوات الرفاه التي جعلتها الميديا والبروباغندا أحد أهداف “العيش الكريم”. وعدا عن كشفه عن رداءة الأنظمة الصحية، وهذا ما يشكّل نقطة إيجابية لتحسينها، فإنّ بعض المستشرفين المستقبليين من باحثي علم الاجتماع يعتقدون أنّ السلطة الأقوى في المرحلة المقبلة ستكون بيد القطاعات الصحية، والتعليمية، وقطاع العدل، والشؤون الاجتماعية، بديلاً عن قطاعات المال والاقتصاد والبورصات والأسهم (44).

وأبرز المؤلف في هذا الفصل أن جائحة كورونا أسهمت في انكشاف مسائل حياتية تفصيلية كانت قد أضحت مهملة من قبل الجميع، فالعزل أو الحجر كما يقول محمود علي أعاد قيمة الحياة إلى نسق العيش البطيء، بعدما باتت الحياة اليومية للأفراد تسير بوتيرة سريعة تدخلهم في دوامات الكآبة. عدا عن تحوّل في معنى علاقتهم بالطبيعة والحياة، فقد أعاد العزل المنزلي إلى الطبيعة الخارجية بترابها وشجرها وسمائها وبحرها، قيمتها التي كاد إسمنت المدن وهوس العمل يخفيها نهائياً، ثم أعطى للحياة معنى أقوى لدى الأفراد (45).

والنقطة الإيجابية الأهم هي في نظر المؤلف عودة الأفراد إلى أنفسهم خلال انعزالهم، عبر الوجود مع الذات والتعرّف إليها، بعدما كادت ساعات العمل اليومية الطويلة أن تقطع علاقة الشخص بنفسه الداخلية. وكذلك أدّت إلى تقارب بين أفراد العائلة الصغيرة في المنزل، أي الأم والأب والأولاد، وانتشرت طرائف كثيرة، عن طلب الزوج الزواج من زوجته بعدما تعرّف إليها خلال الحجر، أو إعجاب الأم والأب بأولادهما وذكائهم وهواياتهم خلال الحجر، وكأنهم كانوا غرباء عنهما قبله (46).

وأكّد المؤلف في هذا الفصل أنه وخلافا للالتزامات التي تحددها الأمور المبدئيّة الثلاثة للتصدي للأمراض الوبائية والمعدية، والتي تعتمدها منظمة الصحة العالمية وتتلخص بـ “الكشف عن الوباء، منعه، ومعالجته”، فقد أصبح الكثير يهتم بالصحة والمأكولات المفيدة والتي تصنع جلها في المنازل ومحاولة الابتعاد عن عمل المطاعم «احترازياً» مما جعلها ممارسة مفيدة داخل المنازل. وأصبح هناك توجه كبير للأفراد الى صناعة قهوة مميزة في المنازل بطرق احترافية مبتكرة وأجهزة منزلية شخصية. كما أصبح هناك اجتماع أسريّ أكثر مما سبق تناغم معه التعرف على شخصيات أفراد الأسرة وترابط اجتماعي أكثر(47).

وقد انتهى المؤلف في هذا الفصل إلى طرح سؤال مهم وهو: هل ستبقى عاداتنا الحالية في ترشيد الإنفاق الاجتماعي وزيادة الترابط الأسري مستمرة بعد الانتهاء من هذه الجائحة وآثارها؟ أم ستعود كما كانت سابقاً؟

وهنا يجيبنا محمود علي بأنّه لا شك أنّ التّحديات تتولّد عنها إيجابيات منظورة وغير منظورة، وجميعها تصبّ في الصّالح التّنموي العام سواء على مستوى التنمية البشرية المستدامة أم على مستوى التنمية الوطنية بصفة عامة، فلنستفد من تلك الإيجابيات لتكون مصباحاً يضيء لنا بعضاً من الحقائق والوقائع التي تكاد تختفي وتتوارى عن الأنظار في العتمة وفي زحمة الحياة (48).

د.- تحليل مضمون الفصل الرابع:

يناقش هذا الفصل قضيّة ” كورونا والاقتصاد”، وفيه تناول المؤلف وقائع جائحة كورونا وانعكاساتها العالمية على العالم. إذ ركّز المؤلف بشكل خاص على الشّكل الذي سيكون عليه العالم ونظامه بعد التّغلب على الوباء، حيث أخذ يتساءل قائلاً: هل ستؤدّي انعكاسات الجائحة وطريقة تعامل الدول الكبرى معها إلى تغير في شكل النّظام العالمي وموازين القوى فيه؟ وهل يعاد الاعتبار إلى الدّور المركزيّ للدّول الوطنيّة؟ وهل نشهد تغيراً في السّلوك الإنساني بعامة؟  وهل يتغيّر العالم كلّه؟

وهنا نجد المؤلّف يتعامل عن هذا السّؤال انطلاقاً من أساس ثلاث فرضيّات (50):

الفرضيّة الأولي : تتحدّث كما يقول المؤلّف عن أنّ فشل الولايات المتحدة الأمريكية في التّعامل مع جائحة كورونا، وانكشاف ضعف النّظام الصّحي وغياب التّضامن المفترض، مقابل نجاح الصّين في احتواء الجائحة وعودة عجلتها الاقتصادية إلى  الدّوران بسرعة نسبية، وهي التي كانت أصلاً تملك اقتصادا في حال صعود قبل ظهور الفيروس، سوف يفرض تغيّرًا  كبيراً وعميقاً في النّظام الدولي وسيقود الصين إلى  أن تتولّى  قيادة النظام العالمي الجديد.

الفرضيّة الثّانية : وقد بناها المؤلف على التّشكيك في قدرة الصّين على  قيادة النّظام العالميّ وعلى  أنّ الغرب يملك اقتصاديات هائلة وقوية جدا، كما أنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة تملك أكبر قوّة عسكريّة عرفها التاريخ الإنساني، وتتحكّم في عملة الاقتصاد (الدولار)، وأنّ الحديث عن نجاح الصين في الاحتواء يتّصل بمعطيات مضلّلة وبلعبة إعلامية تروّج للنجاح الصيني، على  عكس ما هي الوقائع الفعلية، ومن المتصور أنّ النظام العالمي سيعود إلى  ما كان عليه بعد الانتصار على  الفيروس، مع تسجيل  زيادة في حدة الاستقطاب الدولي، وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين.

الفرضية الثالثة: التي يعوّل عليها المؤلف تقوم على  وجود مؤشرات عميقة تؤكّد أن شيئاً لن يعود مثلما كان، وأنّ الصين لن تتقدم  إلى قيادة العالم، لكنّ النظام الذي تتصدّر الولايات المتحدة قيادته لن يعود، ولن نرى  التّحالفات التقليديّة التي اعتدنا وجودها خلال العقود الماضية، وستُطرح الكثير من المفاهيم التي تم ترسيخها بوصفها حقائق منتهية للمناقشة، ومنها ما يتعلق بالعولمة، والليبرالية، ودور الدولة الوطنية، وكذلك دور الإعلام الذي برز بقوة مؤثرة، والسلوكيات الاجتماعية المعتادة عامة، وبكلمة سوف نكون أمام إرهاصات عالم جديد.

وهذا ما يؤيده أو يتبنّاه المؤلف، حيث نجده خلال مسيرته في هذا الفصل يسعى جاهداً إلى إبراز كيف زلزلت كورونا عرش الاتحاد الأوروبي، وضربت العولمة في مقتل، وأبرزت في النهاية فكرة عودة الدولة القومية، حيث أبرز المؤلّف أنّ أزمة كورونا جاءت في صالح أنصار السياسات القومية الوطنية، الذين يرغبون في الإسراع بفرض ضوابط لحماية الصناعات الوطنية وتقليص معدّلات الهجرة الخارجية باعتبار الأجانب خطراً. وسلّطت سرعة انتشار الفيروس الضوء على تعرّض الأشخاص لتهديدات من الخارج، فالوباء لم ينتشر فقط في مراكز متعدّدة الأعراق والجنسيات، مثل نيويورك ولندن وباريس، بل امتدّ إلى ضواحي مدينة سياتل في الغرب الأمريكي، وإلى رابع أكبر مدينة في كوريا الجنوبية، بل وصل إلى مدن صغيرة في إيطاليا لا يتجاوز عدد سكانها خمسة آلاف نسمة، ما اضطر الحكومة إلى عزلها مع بداية انتشار الفيروس…  فقد منحت أزمة الفيروس القوميين حول العالم هديّة ثمينة، وسادت التّصورات عند كثيرين بأنّ الأجانب يشكلون تهديداً، وبأنّ البلدان التي تعاني أزمات لا يمكنها دائماً الاعتماد على جيرانها وحلفائها المقرّبين لنيل المساعدة (51).

لقد بدت الدّولة القوميّة في سياق المواجهة مع الفيروس اللّعين، كما يقول المؤلّف طائر الموت المحلق، وكأنّها الحقيقة السياسية الصلبة في عالم يموج بالسّيولة، وحائط الصد في لحظة تموج بالخوف، وبرز دورها كفاعل أساسيّ سواء على  حساب الطائفة والقبيلة في مجتمعاتنا المتخلفة، أو حتى على  حساب الكيانات الفوقيّة والتكتّلات الإقليمية في أبرز نماذجها نجاحا كالاتحاد الأوروبي الذي بدا مشلولاً أما الجائحة، ولم تنهض مؤسساته الكبرى بإجراء جماعي يذكر، فيما كانت دولة القوميّة سيّدة الموقف في فرض القواعد وتطبيق القوانين والإشراف على  جميع إجراءات الوقاية والعلاج (52).

كما أنّ جائحةَ كورونا، كشفت، كما يقول المؤلف، عن زيفِ جدلِ التّكاملِ الإقليميِ والتّعاونِ الدّولي، في مقابلِ حقيقةَ وواقعَ فوضوية النّظام الدّولي، بتحكّم سلوكياتِ الصراعِ، لا مثالياتِ التكاملِ وقيمِ التعاون. تجربةُ التكاملِ الإقليميِ للاتحادِ الأوروبي، مهدّدة بالفشل وعودةُ حالةِ الصراعِ التاريخيةِ بين الخصومِ الألداءِ في أوروبا، من جديد. لم تتورّع دولٌ كبرى وغنيةٌ في الاتحادِ الأوروبي، عن الانزلاقِ إلى سلوكيّاتٍ بدائية، تعكسُ أنانيةَ النّفسِ البشريّة، عندما تورّطت فيما عُرف بحربِ الأقنعةِ الواقية. كما أنّ الأنانية بلغت بالأعضاء الغنيّة والقوية منها، أن تُغَلِّبَ خطيئةَ الأنانيةِ على نبلِ التكاملِ الإقليمي، عندما تنكّرت لاحتياجاتِ الدولِ الفقيرةِ في الاتحاد لأبسطِ أشكالِ المساعدةِ للتّغلبِ على مشكلة ِتفشّي الجائحةِ (53).

 أمّا على المستوى الإقليمي، فأظهرت هذه الجائحة الصحّية، كما يقول المؤلف، أهميّة الاستثمار في البنية الصحّية وفي تقوية النّظم الصحّية لتطوير الاستجابة للحاجات المستجدّة والتّعامل مع الأوبئة العالمية. وأثبتت أهميّة الوظيفة الاجتماعية للدّولة المتمثّلة في حماية الأمن الصّحي وكذلك الدّور المحوري للقطاع الصّحي العمومي نظرا لشموليّته وقلّة العراقيل الماليّة للحصول على خدماته مقارنة بالقطاع الخاص (54).

هـ- تحليل مضمون الفصل الخامس:

في هذا الفصل عرض المؤلّف لقضيّة ” كورونا والإيديولوجيا”، حيث حاول أن يطرح مجموعة من الأسئلة من أهمّها: هل يُعيد فيروس كورونا الصّراع الأيديولوجي من جديد؟ وهل المنظومة الليبرالية هي نهاية الأيديولوجيا أو أنّها هي نهاية التاريخ؟ وهل ستتغيّر موازين القوى الدّولية والعالمية، بحيث تتفكك تحالفات واتحادات وتتكوّن أخرى وفقاً لمعايير ومصالح مشتركة جديدة بعد أن أظهرت الجائحة النوايا الحقيقية لبعض التّكتلات المزيفة التي ما إن مرت بعض دول العالم – خاصة الغربي – بأزمة هذا الفيروس إلا وتخلّت عنها أقرب الدول إليها؟ وهل ستتحوّل القطبيّة الأحادية المهيمنة على العالم إلى أقطاب ثنائية أو متعددة أو أنّ مقرها فقط الذي سينتقل من الحضارة الغربية (حضارة الرأسمالية الليبرالية المتقدمة) المتمثّلة في الولايات المتحدة الأمريكية إلى حضارة شرقية كالصينية أو حتى الإسلامية إن أعادت الدّول العربية حساباتها من جديد؟ بعبارة أخرى هل سيكون هذا الفيروس بداية النّهاية للحضارة الغربية التي تكشف خواء قواها المزعومة وفراغها على حدّ تعبير بعضهم؟ وهل بذلك يثبت خطأ قول جورج أورويل: “إنّ من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل” (55).

وهنا يقدّم لنا  الدكتور محمود علي في هذا الفصل واقعتين: الواقعة الأولى: خطاب الرئيس الصيني ( شي جين بينغ ) إلى دول العالم حيث أوضح استعداد الصين “للمشاركة بخبراتها للوقاية من العدوى والسّيطرة عليها، وكذلك إمكانيّة وضع خطط التّشخيص والعلاج وتوفير المساعدة والدّعم في نطاق قدراتها”، بعدها قامت الصين بإرسال المساعدات، والفرق الطبيّة إلى كلّ الدّول التي طالبت الدّعم والمساندة، والواقعة الثانية: مقالة لوزير الخارجيّة الأمريكي الأسبق ( هنري كيسنجر) في صحيفة  “وول ستريت جورنال” ولذي توقع أنّ الفيروس كورونا سيُغيّر النّظام العالمي للأبد، وبيّن بأنّ تداعيات هذا الفيروس قد تستمرّ لأجيال عديدة، والأهمّ من كلّ ذلك طالب بأهميّة حماية مبادئ النّظام العالمي الليبرالي! وهذا يعني أهمّيّة المحافظة وحماية المنظومة الليبيرالية بما تُمثله من تصورات وأفكار واختيارات ومسارات وممارسات (56).

وهنا يؤكّد المؤلّف من خلال الواقعتين أنّ الخطاب والدعم والمساندة الصينيّة الموجهّة لدول العالم تحمل في طياتها الإطار المنظومي (الأيديولوجي) من التصوّرات والأفكار والاختيارات والمسارات والممارسات والقيم الصيّنيّة، كما تتضمن وظائف تعمل على تعظيم التصوّرات والاختيارات والمسارات والممارسات الصينية، بالمقابل تعمل على زحزحة وتفكيك تأثير المنظومات أي الأيديولوجيات الأخرى فكلاهما واحد. في حين أنّ مقالة (هنري كيسنجر) تُشكّل دعوة إلى الدّول الغربية المتبنّية الإطار المنظوميّ الليبرالي (الأيديولوجي) بشكل عامّ إلى ضرورة التّمسك بالأيديولوجيا الليبيرالية كإطار عام للتصوّرات والأفكار والاختيارات والمسارات والممارسات كنظام للمعالجة والحماية والدفاع، بالرّغم من عمليّات القصور في الإدراك والتّقدير والمعالجة والحماية (57).

كذلك أبرز الدكتور محمود علي في هذا الفصل أنه من المرجّح، طالما أنّنا إزاء الحالة الطبيعيّة في تتبّع وترقّب لمآلات “كورونا” اليومية، أن تتّجه مراكز الأبحاث والتّخطيط وصناعة الرّؤية المستقبلية باتجاه “ما بعد كورونا”، لا على طريقة التّفاؤل غير المسؤول، بل في محاولة لتجاوز اللحظة الآنية وتبعات اللحظة إلى ما بعدها، وهو ما يعرف بالدراسات الاستشرافية أو علم المستقبلياتFuturology  المختصّ بالبحث في الممكنات والاحتمالات القادمة ذات التّأثيرات البالغة على حياتنا. وعادة تهتمّ شركات الأعمال بهذا النّوع من الدّراسات، رغم عدم يقينيتها  Uncertainty، لكنّها تعطي مؤشّرات مهمّة جداً على مستوى ملفّات اقتصادية واجتماعية وديموغرافية، مثل معدّلات استهلاك الطاقة، والإنترنت، وانتشار البطالة (58).

وثمّة نقطة مهمّة أكّد عليها الدّكتور محمود علي في هذا الفصل وهي أنّه من المهمّ جداً في قراءة المستقبل بناء على معطيات معيّنة تجنب أيّ انحياز أيديولوجي، والانطلاق من المسلّمات والافتراضات المتّفق عليها من مختلف اتجاهات البحث العلمي والفكري والعقائدي والتكنولوجي، وعلى مستوى وباء “كورونا”، فالتّحدّيات ليست كما يتمّ الحديث عنها بشكل مباشر، هي تحدّيات الأزمة الصّحية والمؤسسات التي تكشفت عنها دول كانت ذات تصنيف عالٍ من حيث التّصور السائد، لكنها أبانت عن ارتباكات حادّة وعميقة ساهمت في تعطيلها مفاهيم شديدة الالتصاق بمفهوم وحدود الدّولة والسّلطة والحريّات العامة، لذا من الطبيعي كما يقول مؤلّفنا الخلوق بأن تكون تحدّيّات ما بعد “كورونا” تطال تلك المفاهيم خارج الخدمات الصحيّة، وأبرزها التّحدّيات السياسية الكبرى وأزمات التّكلس الاجتماعي وحالة الانحسار والتّراجع الاقتصادي وصعود مستويات حالة البطالة والفقر وتحوّلات السوق ونقصان الفرص، إضافة إلى أزمات الهوية والبطالة وتحديات الأمن (59).

و- تحليل مضمون الفصل السادس:

وفي هذا الفصل والذي عنوانه ” فلسفة ما بعد كورونا”، أبرز المؤلف أنّ جائحة “كورونا” أعطت العالم دروساً لا يمكن تجاهلها، وقد يكون الدّرس الأبرز أنّ العالم ما بعد كورونا غير ما قبله، فهل ستؤثر تلك الأزمة الناتجة عن تفشي الوباء على هيكل النّظام الدّولي؟

هذا السّؤال كما يرى المؤلف بات هاجس الخبراء الاستراتيجيين في العالم، بل هاجس كلّ من يراقب الأوضاع العالمية وتأثيراتها المستقبليّة على صعود القوى العالمية والإقليمية وهبوطها خاصة في الدّول والأمم التي لديها حلم الهيمنة والزّعامة العالميّة سواء كان بدافع التجبّر في الأرض أم بدافع كونها خير الأمم باعتبار أنّ الرسالة المنوطة بها هي تعبيد الناس لربهم وإقامة شرعه ومنهجه (60).

ولكن ثمّة أكثر من سؤال يطرحه المؤلف، وهو: إذا لم يؤثّر هذا الوباء مباشرة على تغيير النّظام الدولي، فهل سيكون شرارة لتغيير كان منتظرا وأتت كورونا لتسرّع هذه التغييرات؟ تُرى هل تدفع الكارثة العالم إلى إعادة تحديد أولويّاته، بوضع البيئة والصّحة وحياة البشر فوق التّفوق العسكري والاقتصادي؟ أم يعود العالم إلى عاداته القديمة مع زوال الجائحة، ويغوص من جديد في سبات عميق في انتظار فيروس آخر بعد سنوات؟

حاول المؤلف أن يجيب عن ذلك من خلال القول بأنّه قبل أزمة كورونا، كانت الحرب جليّة بين تيّارين، الأول منهما يدعو إلى تكامل اقتصادي عالمي، يمكن للعالم من خلاله تقليل التّكاليف الصناعية وتكامل سلاسل التّوريد العالمية واستفادة دول العالم من ميزات بعضها البعض لزيادة مستوى الرفاه المعيشي. وكان التّيار الآخر يدعو إلى استقلالية الدّول واكتفائها الذّاتي وتقوية اقتصادها المحلي باتباع سياسات الحماية الاقتصادية. التيار الأخير كان هو التّيار الذي انتقده الكثير من الاقتصاديين، وهو التّيار الذي يتبع الرئيس الأمريكي السابق “ترامب” بمقولته الشهيرة (جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى)، والتّيار الذي يتّبعه مناصرو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو ذات التّيار اليميني الذي اجتاح الحكومات الأوروبية وكثيرا من دول العالم، ذلك هو التّيار الشّعوبي الذي طالما استند مساندوه إلى ضرورة عدم الاعتماد على الدول الأخرى (61).

وهنا، يصل المؤلف في نهاية هذا الفصل إلى حقيقة مهمّة وهي أن العالم بعد كورونا لن يكون كما كان، وستكون هناك أولويّات مختلفة تماما عمّا كانت، لقد غيّر هذا الفيروس الخطير العالم بالفعل، وسيستمر في تغييره بشكل أعمق في المستقبل، وسيعيد ترتيب أولويّات العالم من جديد، سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا وغيرها من المجالات، وهو أمرٌ لا يمكن إنكاره وسيكون السّباق مستقبلًا وفق الأولويات الجديدة للعالم الجديد، عالم ما بعد «كورونا». بدأ في التشكل الآن… عالم مختلف عمّا نعرفه اقتصاديا وسياسيا. وباختصار بدأت تتضح معالم المستقبل ولا طريق للحاق به سوى بالتعليم وفقط التعليم الجيّد القيّم، مثل الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان التي لم تعد شؤونا داخلية للدّول بل أصبحت قيما عليا للمجتمعات الحديثة مثل حقّ المأكل والحياة… فالعالم لن يتقبّل ممارسات العصور الوسطى، الآن عالم جديد يولد يحتاج أدوات ومهارات جديدة وإبداعا، ومن المتوقّع تشغيل الإنترنت الفضائي المجاني للعالم كله في نهاية ٢٠٢٣.. لقد كانت ثورة التّغيير الإلكترونية تشقّ طريقها بصعوبة وتمهّل، ولكن بعد الكورونا وبسببها، اتخذت هذه الثّورة أبعاداً أشمل وحركة أسرع. من أجل ذلك يمكن القول في هذا الوباء: ربّ ضارّة نافعة. فكم من أزمة شديدة تحوّلت إلى فرصة جديدة؟! (62)

ختاما، إنّ هذه الدّراسة، بما حملته من موضوعات زاخرة، وثقافة واسعة، وفكر مستنير، وتحليل عميق، ومنهجيّة علميّة، قدّمت إجابات موضوعيّة حول جائحة كورونا بين نظريّة المؤامرة وعفويّة الطبيعة، حيث توصل المؤلف إلى  أنّ تلك الجائحة إذا كانت قد انطلقت من دول كبرى  تتمتّع مكانة دوليّة متصاعدة مثل الصين، ثم انتشرت منها إلى  كافة أنحاء العالم بسرعة مذهلة يصعب تتبّعها، ولما كانت تلك الجائحة عصيّة على  التشخيص والمتابعة والعلاج لقدرتها على  التّحول والتّحور المفاجئين في ظروف غامضة، ولمّا كانت تلك الجائحة قد حصدت من الأرواح على مستوى العالم ما لا يمكن مقارنته في الخسائر البشرية إلا بالكوارث البشرية في  تاريخ الإنسانية ونظمها الصّحية لمواجهة مثل هذا النّوع من الكوارث الوبائيّة الكاسحة، ولأن ما عكسته ظروف انتشار الجائحة على سياسات هذه الدول من رعونة في القرارات، وأنانية في احترام الالتزامات تجاه الحلفاء، فضلاً عمّا كشفته من منافسات غير صحيّة، ومحاولات لتسييس جهود مكافحة الوباء بين الدّول المختلفة سياساً وأيديولوجيا.

كما  أدّى انتشار الجائحة في نظر المؤلف من ناحية أخرى إلى تداعيات على اتجاهات العولمة نتيجة ما فرضته متطلّبات مواجهتها من مفاهيم تتعارض مع مبادئها، ومنها تصاعد دور الدّولة الإقليميّة في مواجهة الجائحة، وتحكّم السّلطة التّنفيذية في أساليب وأدوات هذه المواجهة، وغلبة السّيطرة الحكومية على نظم الرعاية الصحية، والاستعانة بقدرات القوات المسلحة التنظيمية والصحة في مكافحة الجائحة، هذا إضافة إلى  انعكاسات الجائحة على  نفسية المجتمعات ومعنويات الشعوب، نتيجة ما فرضته من عزل ذاتي، وحجر صحي، وتباعد اجتماعي، فضلا عن إجراءات التّباعد الدّولي بفرض الحظر على  السّفر بين الدول، وسحب المواطنين من الدول العالقين فيها، والحد من التّبادل التّجاري،  وتقييد تدفّق البضائع والسلع، واتّباع سياسات اقتصادية ومالية تعتمد على الإمكانات الذّاتيّة والجهود المحليّة أكثر من اعتمادها على التّعاون بين الدول وهي أمور قد يكون لها في مجموعها مضاعفات سياسية وتدهورات اقتصادية وتداعيات اجتماعية ونفسية داخلية وخارجية بعيدة المدى  إذا استمر تطبيق هذه الإجراءات لفترات طويلة (63).

أما بالنّسبة إلى  القول الشّائع بأنّ العالم ما بعد كورونا لن يكون كما كان قبلها، وهو، كما يرى المؤلّف، ما دفع ببعض الأوساط السّياسيّة والأكاديميّة النّافذة  إلى الوصول بتقديراتها  إلى آفاق تكاد تلمس حدود التّوظيف السّياسي، فقد يكون من المهمّ في نظر المؤلف الإشارة إلى  أنّ الجائحة ما زالت في مراحلها  الأولى، ويبدو أنّها ستستمرّ معنا لفترة طويلة قادمة، ومن المتوقّع أيضا أن يشهد العالم تطوّرات عديدة وجديدة يصعب تحديدها أو توقع مداها وآثارها في الوقت الحالي، الأمر الذي يفرض علينا البُعد ما أمكن عن محاولات التوصل إلى  استنتاجات قاطعة، أو سيناريوهات متكاملة، أو خلاصات نهائيّة لعالم ما بعد كورونا، سواء فيما يتعلق بالادّعاء بتفوّق نظام حكم  على آخر في مكافحة الوباء، أو التّوصل  إلى تقديرات وهميّة لتشكيل قيادة العالم من خلال عمليّة ” تبديل وإحلال” لدور الدّول المهيمنة على  السّاحة العالميّة، أو بتغيير مؤثّر في موازين  القوى  الدّوليّة، أو تبدّل التّحالفات الإقليميّة والدّوليّة بشكل جذريّ، أو إجراء تغييرات هيكليّة في تشكيل النّظام الدّولي القادم (64).

 ولا شك أنّ عالم ما قبل الجائحة لن يكون هو العالم نفسه بعدها. لقد تأكّد لدى الدّكتور محمود علي خلال مسيرته في هذا الكتاب أنّ النّظام الرّأسمالي الذي سعى من خلال العولمة إلى تفكيك الدول وتهميش دور الدّولة الوطنيّة والقوميّة وإلغاء الحدود الجغرافيّة لصالح الاقتصاد الحر، يتراجع الآن إلى عودة دور الدّولة الوطنية: الدولة الحامية والرّاعية لمواطنيها في مجال الصحة والتّعليم والإسكان. كذلك أدّى  انتشار الجائحة إلى  أزمات اقتصادية واجتماعية وحتّى  سياسية متعدّدة وتسبّبت حالة الإغلاق الكبير التي عمّت الأسواق، نتيجة انتشار هذا الوباء ورغبة الدّول بالحدّ من انتشاره والسّيطرة على الوضع الصّحي بالبلاد، بخسائر اقتصادية كبيرة وتراجع الإنتاج وتقلّص كبير للسيولة المتاحة، الأمر الذي استدعى  تدخلاً اقتصاديًّا للدول لمعالجة الآثار الناتجة عن هذه الجائحة، كما أدّى استشراء الوباء إلى تهيؤ ظروف عالمّية جديدة أخذت بالتّشكل لعولمة جديدة ذات طابع مختلف خاصة مع التّحولات الاقتصادية والاجتماعية التي نتجت عن هذا الوضع (65).

فقد فرض تفشّي جائحة كورونا كما توصّل الدكتور محمود علي في هذا الكتاب إلى  تبنّي إجراءات لوقف التّدفّقات الضخمة العابرة للحدود بصورة غير مسبوقة، وتفكيك شبكات الاتّصال العابر للقارّات للأقاليم حيث جذبت الانتباه إلى  الزوايا المظلمة للعولمة وارتباطها بتهديدات مثل تفشّي الأوبئة العابرة للحدود، والتّلوث البيئي ، والاحتباس الحراري، والجريمة المنظّمة، والتّهديدات السيبرانية التي تهدّد تدفّقات المعلومات الكثيفة، ولم تجد دول العالم سبيلاً لمواجهة انتشار جائحة كورونا سوى  إغلاق الحدود ووقف الطيران، وإعلان حالة الطوارئ، ووقف تصدير المنتجات الطبية اللازمة لمواجهة الأزمة وجميعها تناقض العولمة وتدفع بالتجارة المضادة (66).

 كذلك أثبتت أزمة كورونا كما يقول المؤلف أنّ الدّول التي لديها نظم حوكمة فاعلة هي  الأقدر على  مواجهة الأزمات والتّغلب عليها، ولا تستطيع دول العالم أجمع ، ولا يستطيع العالم العربي تحديداً، تجاهل دور نظم الحوكمة في بناء الأرضية المناسبة لمستقبل واعد، ولا يستطيع أحد أن يعزل تطوير نظم صحية فاعلة في باقي المجالات، فالحوكمة لا يمكن تجزئتها بعد اليوم، والأخطار المحدقة بالعالم تتطلّب معالجات كليّة تنال المجالات كاف، وإن أزمة كورونا يمكن أن تكون ً  حافزًا لبداية جديدة تبني نظم حوكمة مختلفة في المحالات كافة، قادرة  على التّعامل مع تحدّيات القرن الحادي والعشرين (67).

وفي النهاية أقول: إنّ كتاب محمود محمد علي “جائحة كورونا بين نظرية المؤامرة وعفوية الطبيعة” يشكل حقّا نقلة نوعيّة في تناول جديد لجائحة كورونا، وتتمثّل هذه النّقلة في رؤى فلسفيّة حداثيّة متجدّدة وأصيلة في الآن الواحد. فالكاتب كما قلنا، وهو غني عن التّعريف، يتجاوز في عمله هذا الطّروحات التّقليديّة في هذا الميدان، ويأخذنا ضمن مسارات جديدة في المنهج والرّؤية والقدرة على استشراف المستقبل بناء على معطيات الواقع ومآلات النّظريات الابستمولوجيّة والسوسيولوجيّة في هذا الميدان. فالكاتب، بمنهجيته ورصانة تناوله لهذه القضية، يحفر في أعماق الواقع وفي تضاريس النّظرية عن مختلف مداخل الجائحة، فينطلق من مؤشّرات الأزمة ليضع لنا تصورا تتّضح فيه مزيد من معالمها.

وإنّني إذ أتوجّه بالشّكر العميق إلى مؤلّف هذا الكتاب الدكتور محمود محمد علي الذي شرّفني بالاطلاع على هذا العمل وتقديمه، وأرجو له التّوفيق والنّجاح في مآلاته العلميّة، وفي مسارات حياته الأكاديمية، فإنّني أرى شخصيّا، أنّ هذا الكتاب يشكّل إضافة حقيقيّة إبداعيّة في عالم الإنتاج الفكريّ والعلميّ في الوطن العربي.

الهوامش

1-محمود محمد علي: جائحة كورونا بين نظرية المؤامرة وعفوية الطبيعة، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، 2021، ص 11.

2-علي أسعد وطفه: الهوية الإنسانية في زمن ” الكورونا”، مقال منشور ضمن مركز نقد وتنوير، بتاريخ 17 يناير، 2021.

3- المرجع نفسه  

4- المرجع نفسه

5- المرجع نفسه

6- محمود محمد علي: مرجع سابق، ص 8 .

7- المرجع نفسه ،  ص 8 .

8- المرجع نفسه ،  ص 9 .

9- المرجع نفسه ،  ص 13 .

10- المرجع نفسه ،  ص 14.

11- المرجع نفسه ،  ص 15 .

12- المرجع نفسه ،  ص 15 .

13- المرجع نفسه ،  ص 16 .

14- المرجع نفسه ،  ص 17 .

15- المرجع نفسه ،  ص 18 .

16- المرجع نفسه ،  ص 43.

17- المرجع نفسه ،  ص 43 .

18- المرجع نفسه ،  ص 45 .

19- المرجع نفسه ،  ص 46 .

20- المرجع نفسه ،  ص 47 .

21- المرجع نفسه ،  ص 166 .

22- المرجع نفسه ،  ص 212 .

23- المرجع نفسه ،  ص 49 .

24- المرجع نفسه ،  ص 99 .

25- المرجع نفسه ،  ص 75 .

26- المرجع نفسه ،  ص 84 .

27- المرجع نفسه ،  ص 54 .

28- المرجع نفسه ،  ص 57 .

29- المرجع نفسه ،  ص ص 78-79 .

30- المرجع نفسه ،  ص 80 .

31- المرجع نفسه ،  ص 84 .

32- المرجع نفسه ،  ص 85 .

33- المرجع نفسه ،  ص 86 .

34- المرجع نفسه ،  ص 87 .

35- المرجع نفسه ،  ص 89 .

36- المرجع نفسه ،  ص 109 .

37- المرجع نفسه ،  ص 110 .

38- المرجع نفسه ،  ص 112 .

39- المرجع نفسه ،  ص 118 .

40- المرجع نفسه ،  ص 122 .

42- المرجع نفسه ،  ص 142 .

43- المرجع نفسه ،  ص 167 .

44- المرجع نفسه ،  ص 174 .

45- المرجع نفسه ،  ص 186 .

46- المرجع نفسه ،  ص 198 .

47- المرجع نفسه ،  ص 201 .

48- المرجع نفسه ،  ص 221 .

49- المرجع نفسه ،  ص 225 .

50- المرجع نفسه ،  ص235 .

51- المرجع نفسه ،  ص 246 .

52- المرجع نفسه ،  ص 249 .

53- المرجع نفسه ،  ص 254 .

54- المرجع نفسه ،  ص 259 .

55- المرجع نفسه ،  ص 269 .

56- المرجع نفسه ،  ص 274 .

57- المرجع نفسه ،  ص 279 .

58- المرجع نفسه ،  ص 285 .

59- المرجع نفسه ،  ص 296 .

60- المرجع نفسه ،  ص 328.

61- المرجع نفسه ،  ص 346 .

62-  المرجع نفسه ،  ص 356 .

63-  المرجع نفسه،  ص 379 .

64- المرجع نفسه ،  ص 381 .

65- المرجع نفسه ،  ص 384 .

66- المرجع نفسه ،  ص 389.

67- المرجع نفسه ،  ص 392.

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقا

* باستخدام هذا النموذج ، فإنك توافق على تخزين ومعالجة بياناتك بواسطة هذا الموقع.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قراءة المزيد