الصراع الطبقي والأيديولوجي في المدرسة

علي أسعد وطفة
838 مشاهدات

” الحكومات لا تريد شعبا يملك روحا ناقدة، إنها تريد عمالا مطيعين، تريد أشخاصا أذكياء فقط بما يكفي لتحريك الآلات وأغبياء بما يكفي لقبول الوضع الذي يعيشونه ” جورج كارلين

 

ينظر كثير من الباحثين في مجال النقد التربوي، اليوم، إلى ثقافة المدرسة بوصفها انعكاسا لثقافة الطبقة التي تهيمن وتسود اجتماعيا. ويعد كل من بودلو Baudelot واستابليه Establet وبيير بوردديو Bourdieu Pierre وباسرون Passeron وبرنشتاين Bernstien من أبرز ممثلي ذلك الاتجاه في مجال علم الاجتماع التربوي المعاصر ([1]). ويذهب أصحاب هذا الاتجاه، في جملة ما يذهبون إليه، إلى أن الطبقة البرجوازية هي التي تقوم بتحديد معايير وسمات الثقافة المدرسية بما ينسجم مع ضرورات الهيمنة البرجوازية على المستوى الاجتماعي والثقافي.

فالطبقة البرجوازية، كما يعتقد إيفان إليتش، ترى في توسع وهيمنة الثقافة المدرسية نوعا من الاتساع في هيمنتها وسيطرتها. والمدرسة وفقا لرؤيته ليست سوى إحدى الأدوات الثقافية لسيطرة الطبقة التي تهيمن وتسود، وهي في نهاية الأمر، ليست سوى مؤسسة برجوازية تسعى لتكريس التباين الطبقي وتعزيزه. ويبن معظم الباحثين النقديين في مدرسة فرانكفورت أن التجانس والتبيان بين ثقافة الوسط، الذي ينتمي إليه الأطفال، وبين ثقافة المدرسة، يلعبان دورا كبيرا في تحديد مستوى نجاحهم وتفوقهم على صعيد الحياة المدرسية. وضمن هذه الرؤية فإن درجة التباين بين الثقافة المرجعية الأسرية للطالب وبين ثقافة المدرسية، من شأنها أن تلعب دورا كبيرا في درجة نجاح أو إخفاق التلامذة في المدارس.

ويعد كل من بودلو Baudelot واستابليه Estabelet في كتابهما المشهور المدرسة الرأسمالية في فرنسا L’école capitaliste en France من أبرز المفكرين الذين أكدوا على الدور الطبقي للمدرسة. إذ يعتقدان أن المدرسة ليست سوى آلة برجوازية توظف في خدمة الطبقة البرجوازية، وذلك لأن وظيفتها تكمن في دفع أطفال العمال إلى الإخفاق المدرسي، وإلى مواقعهم الاجتماعية المحددة لضمان عملية استغلالهم وتكريس وضعيتهم الدونية في المجتمع. وعلى هذا النحو تعمل المدرسة الرأسمالية على ترجمة التباين الاجتماعي القائم بين الأفراد في المجتمع إلى تباين مدرسي وتعليمي يتجلى في المستويات المختلفة للنتائج المدرسية، ووفقا لهذه الرؤية يصل الباحثان إلى نتيجة أساسية قوامها: أن المدرسة تعمل على إنتاج وإعادة إنتاج علاقات الإنتاج الرأسمالية وتعززها في المجتمعات الطبقية ([2]).

فالمدرسة، كما يرى المفكرون النقديون لا تمثل، في أي حال من الأحوال ذلك المكان الذي تتحقق فيه العدالة الاجتماعية والديمقراطية التربوية المزعومة، وذلك نظرا لبنيتها الطبقية ووظائفها الإيديولوجية. وهذا يعني أن المدرسة الواحدة ليست واحدة بالنسبة للأطفال الذي يرودونها بل ه متعددة بتعدد انتماءاتهم الطبقية ، فصورة المدرسة تتباين هنا وفقا لقدرة الأطفال على تحقيق التوافق مع معاييرها وثقافتها، وقد يبدو صحيحا أن المدرسة تخضع الأطفال حقا لمعايير واحدة وقوانين واحدة وهذا مؤكد ولكن هذه المدرسة لا تبدو واحدة بالنسبة لجميع الأطفال لأنهم يتباينون في قدراتهم الثقافية العائدة إلى طبقتهم الاجتماعية قبل الدخول إلى معترك الحياة المدرسية، على خوض التجربة المدرسية والنجاح فيها. وهذا يعني الجميع يدخل إلى المدرسة والأقوى هو الذي يفوز، وعلى الأغلب يسقط الضعفاء على مدارجها وفي جنباتها خلال رحلتهم المتعبة الطويلة في دروب المدرسة الطويلة.

وإذا كانت المدرسة تسعى إلى تحقيق التجانس الثقافي في إطار المجتمع في البداية فأنها، كما يبين دوركهايم، تسعى إلى تحقيق التباين والتفاوت، في مرحلة لاحقة، وخاصة في مراحل التعليم الجامعية والعليا. وتتجسد اللامساواة التربوية في أبعاد مختلفة أبرزها: تسرب عدد كبير من التلاميذ خارج النظام المدرسي، وإخفاق عدد آخر، وتوجه التلاميذ والطلاب نحو فروع علمية ودراسية متباينة الأهمية على المستوى الاجتماعي.

ويلاحظ النقاد أن سهام النقد بدأت توجه إلى المدرسة من كل حدب وصوب، وعلى مدى النصف الثاني من القرن العشرين، بوصفها جهازا إيديولوجيا يسعى إلى تكريس التفاوت بين التلاميذ وفقا لمعايير الانتماء الاجتماعي والطبقي السائد في المجتمع. فالمدرسة على حد تعبير بورديو Bourdieu» تترجم اللامساواة الاجتماعية إلى صيغتها المدرسية عبر صيرورة من العمليات والأوليات المختلفة «([3]) ومن ثم تقوم بترجمة هذا التفاوت التربوي في النهاية إلى تفاوت اجتماعي، وهذا يمثل نوعا من المخادعة البيداغوجية الخفية. ولا يختلف بودلوBoudelot  في نسق رؤيته هذه عن بيير بورديو في النظر إلى المدرسة بوصفها أداة في خدمة البرجوازية تعمل على دفع أطفال العمال إلى الإخفاق ووضعهم في مراكز الاستغلال الاجتماعي، وهي بالإضافة إلى ذلك كله تسهم في معاودة إنتاج العلاقات البرجوازية القائمة ([4]).

وقد أدى التنامي الكبير لهذه الانتقادات السوسيولوجية للمدرسة إلى مخاض ولادة اتجاه فكرى جديد ينادي بإلغاء المؤسسة المدرسية والمؤسسات التربوية الأخرى. ويعتبر المفكر التربوي إيفان ايليتش Ivan Illich من أبرز دعاة وممثلي ذلك الاتجاه. ينطلق ايليتش، وغيره من الداعين إلى إلغاء المؤسسات المدرسية في هجومهم على المدرسة، من الأطروحة التي تقول: إن الثقافة التي تبثها المدرسة ثقافة شكلية لا صلة لها بالحياة الاجتماعية والواقع الاجتماعي، الذي يعيشه أطفال المدارس، وهذا الأمر يمثل حالة انتهاك لعالم الأطفال وثقافتهم بل يمثل نوعا من التدمير المنهجي لوجودهم، ولهذا فإن المدرسة بلاء يضرب أحلام الأطفال الفقراء ويدمر كيانهم الذاتي ويدفع بهم إلى حالة اغترابية رهيبة. ولذا فإن ايليتش يذهب بعيدا في تصوراته ليعلن أن «المجتمع الذي يخلو من المدرسة سيخلو من العقبات التي تقف في وجه أبناء الفئات الاجتماعية المهيضة (….) ويرى أن الدعوة إلى مشروع تربوي متكافئ عادل ما هي إلا حماقة وهراء برجوازيين ([5]). وهو إذ يدعو إلى إلغائها فذلك لأنها تشكل جهازا منظما خطيرا يعمل على تكريس التباين بين بين الأطفال وتعزيز اللامساواة الاجتماعية بين رواد المدرسة، ويعبر عن ذلك بقوله: “» إن المدرسة الواحدة من أجل الجميع مجرد وهم خالص «([6]).

وضمن هذا التوجه الفلسفي في النظر إلى الوظيفة الطبقية للمدرسة يطالعنا الفرنسي جورج سنيدر بنظريته التي يرى  من خلالها : بأن المدرسة مسيرة ومسيسة ، وهي تُوظف ضمن آلية التسييس في خدمة الطبقات التي تهيمين وتسود ، ومن هذه الزاوية يرى سنيدر استحالة وجود المدرسة اللاسياسية ( غير المسيسة والمؤدلجة ) ويعني بها هذه المدرسة الحيادية التي لا ترتبط بمصالح طبقة اجتماعية محددة والتي تكرس لخدمة جميع الفئات الاجتماعية دون تمييز أو استثناء، أي المدرسة التي تسعى إلى تحقيق مبدأ الازدهار والتكامل في شخص الأطفال دون تمييز اجتماعي أو ثقافي ، وهذه المدرسة – كما يقول – ” ليست في نهاية الأمر سوى أكذوبة برجوازية هدفها خداع الجماهير «([7]).

 وتكمن وظائف المدارس، كما يرى كل من بودلـو واسـتابليه Baudelot – Establet ، فــي إعــادة إنتاج العلاقــات الاجتماعية الطبقية السائدة ، ومن هذه الزاوية ينظران، فـي -كتابهمـا المدرسة الرأسمالية في فرنسا L’école capitaliste en France-  إلى المؤسسة التربوية بوصفها أداة إعادة إنتاج العلاقـات الرأسـمالية فـي المجـتمع الرأسمالي ([8]). وما يطرحه هذان المفكران يشكل محورا أساسـيا لأطروحات بيـير بورديـو Pierres Bourdieu في كتابــه المعــروف إعادة الإنتــاجReproduction ([9])، وفي نظرية إليتش Ilitch Ivan التي تتجلى في كتابه مجتمع دون مدرسـه ([10])société sans école وكلاهمـا ينظـر إلى المدرسـة والمؤسســات التربوية بوصفها أدوات سياسـية اجتماعية تهـدف إلى تكـريس الأنظمـة الاجتماعيـة القائمـة والـى إعادة إنتاج العلاقــات الاجتماعية السائدة >

 لقد بينت هذه الأطروحات الفكرية والتربوية، كمـا يرى جورج سنيدير Snyders Georges في كتابه “المدرسة والطبقـة وصـراع الطبقـاتEcole Classes classe et Lutte des Classes ([11]) وجـود وظـائف متعـددة للمؤسسات التربوية لا تقف عند حدود نقل المعارف والعلوم إلى الناشئة والطلاب، بل تقوم علاوة على ذلك بعملية صوغ سياسي وأيديولوجي لعقول الطلاب على نحو يستجيبون فيه لمطالب المجتمع الرأسمالي الذي يعيشون فيه وعلى نحو طبقي. ويرى سنيدر أن هذه الطروحات كشف ت لنا أواليات صياغة الإنسـان أيديولوجيا وطبقيا فـي المؤسسات التربوية، وأوضحت ، من جهة أخرى، أن بناء الإنسان على نحو أيديولوجي ليس مرهونا بأي حال من الأحوال بالعملية التربوية في جانبها المعرفي، ولاسيما هذه التي تتعلق بنقل المعلومات والمعارف إلى الناشـئة. وهذا يعني أن عملية التشكيل الأيديولوجي للتلامذة يتم بفاعلية العلاقات التربوية السـائدة فـي إطار هذه المؤسسات التربوية، وبطبيعة التفاعل الذي تقتضيه معايير وأنمـاط العلاقات التربوي في المجتمع الرأسمالي.. فالمؤسسة التربوية/ كما يرى سنيدر ، لا تقـف عنـد حـدود نقـل أكـداس المعارف إلى ذاكرة التلميذ، بل تتعداها كثيرا إلى عملية التشكيل الذهني والإيديولوجي للأطفال المنتسبين إليها. وهذا يعني في النهاية أن وظائف المؤسسة التربوية متنوعة متعددة ومن أهمها الوظيفة الطبقية الأيديولوجية ، وهي إذ ذاك فإنهـا تشكل مجتمعا مصغرا يتميز بنظامه الخاص وفعالياته الخاصة وجملة هذا الفعاليات تشكل أنماطا مصغرة لفعاليات المجتمع الكبير ، وهذا يعني أن العلاقات السائدة في داخلها تتجانس جوهريا مع العلاقات القائمة في خارجها أي العلاقات الرأسمالية .

ويتألق كل من بورديو وباسرون Bourdieu Et Pasron (1970-1964)([12]) في تناول هذه القضية بمنهجية رصينة، فالمدرسة كما يريان ” تعمل على إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية الطبقية، وهي تعيد إنتاج اللامساواة في التوزيع الرأسمالي الثقافي بين الطبقات الاجتماعية، فالاصطفاء يجري تحت تأثير القيم والمعايير التي تحددها الطبقة السائدة في المجتمع، مع أن هذه المعايير اعتباطية إلا أنها مشروعة وشرعية بالفعل التربوي، وهذه الوظيفة الأيديولوجية الجوهرية –بناء مشروعية النظام الاجتماعي القائم –تكون أكثر فعالية كلما عملت المدرسة على نفي وجود علاقات القوة في نسقها، وكلما نجحت في أن يؤمن لهؤلاء الذين يمارسون أو يخضعون (لعنفها الرمزي) بشرعية عملها ووظيفتها([13]).

فالمجتمع ينتج ويعيد إنتاج بنيته الطبقية، كما يرى الكاتبان، ويتم ذلك بتوسط المدرسة والأنظمة التعليمة القائمة. وفي هذا الاتجاه تقوم الطبقة التي تسود وتهيمن بتوظف التعليم في خدمة مصالحها الطبقية، وهي ومن أجل تحقيق هذه الغاية تلجأ إلى العنف الرمزي وهو عنف عميق الأثر وشديد الفعالية في إعادة إنتاج المجتمع على نحو طبقي عبر المؤسسات التربوية. فالمدرسة أداة في يد الطبقة البرجوازية لإعادة إنتاج ثقافتها الخاصة وتحويلها إلى المتعلمين على أنها الثقافة المثلى ([14]). ويرى بورديو إلى الأهمية الكبيرة لتأصيل منهج فكري يساعدنا يمكننا من تفكيك الشيفرة الرمزية لمعالم وحدود واتجاهات هذه الثقافة البرجوازية.

 ويشدد بورديو في هذا النظرية ، أن أبناء الطبقات المسيطرة، وحدهم ، يمتلكون القدرة على التفاعل مع ثقافتهم البرجوازية، بينما يفشل أبناء الطبقات الدنيا في التعامل معها، نظراً لعدم امتلاكهم للشيفرة الرمزية التي تمكنهم من كشف أدواتها وأسرارها، ونظرا لغياب هذه القدرة والمهارة يتعرض أطفال الفئات المهيضة لعملية الإقصاء التربوي بطريقة تبدو لهم عفوية وطبيعية ومشروعة. وعلى هذا النحو تتخلى الطبقات الكادحة عن موقعها في السلم الاجتماعي طوعا لصالح الطبقات المسيطرة في المجتمع. وعلى النقيض من ذلك يستمر أبناء الطبقة المهيمنة على العمل بصورة مستمرة لزيادة رصيدهم الثقافي والاجتماعي، وتحويل رأس المال الثقافي إلى رأسمال اقتصادي ومن ثم توظيفه والاستفادة من قوته في مسارات الحياة الاجتماعية من أجل مزيد من السيادة والهيمنة والسيطرة. وهكذا وعلى هذه الصورة يتحول التعليم إلى أداة لإعادة الإنتاج الطبقي الثقافي بكل معانيه ودلالاته الرمزية والحسية ([15]).

 ولا يتردد الكتاب الماركسيون أبدا عن الإعلان بأن المدرسة تشكل مكانا للصراع الطبقي بين طبقتي البرجوازية والعمال، ومع أن ماركس لم يعمل على بناء نظرية تربوية في هذا السياق، لأن اهتمامه كان باديا في أعماله المختلفة لقضايا المجتمع والطبقات والاقتصاد. لقد درس ماركس الجوانب الاقتصادية بوصفها عناصر لقوة العمل المستغلة من قبل راس المال، ففي كتابه الصراع الطبقي في فرنساLes Luttes des Classes en France ([16]). يبحث ماركس في دور المدرسة كقوة روحية للإكراه، وهو في سياق ذلك يشير إلى حدود التطبيع الأيديولوجي، وذلك لأن المعلمين كانوا يعانون من ملاحقة الحكام، وكان هؤلاء يلعبون دورا طبقيا يتعلق بطبقة الفلاحين.

 لقد أهمل كل من ماركس Marx وأنجل Angels دراسة تأثير البناء الفوقي في البنية التحتية، ومن هذا المنطلق عمل غرامشي Antonio Gramsci (1891-1937) على بناء نظرية حول الفعالية الخاصة بالبنية الخاصة بالبنية الفوقية، فهو يولي الثقافة أهمية موازية لأهمية الاقتصاد والسياسة، هذا ويميز غرامشي([17]) بين مستويين في البنية الفوقية حيث يشير إلى المجتمع المدني وإلى المجتمع السياسي أو الدولة، فالدولة تمارس هيمنتها في الوقت نفسه وفقا لمدخلين هما ممارسة الإكراه والقهر بصورة مباشرة من جهة، وتوظيف الفعل الثقافية من جهة أخرى، وذلك عن طريق المؤسسة البنيوية التي تشكل مكنونات المجتمع المدني مثل الكنيسة، النقابات، الأحزاب، المدرسة، إذ لا يمكن لطبقة اجتماعية أن تسيطر وتحافظ على أمنها من خلال الفعل السياسي والاقتصادي فحسب، بل يترتب عليها أن تنفذ إلى الشعب بأيديولوجية محكمة بالنموذج الذي تعتمده في عملية الإنتاج وإعادته، وأن تضمن موافقة الشعب بالنموذج الذي تعتمده في مجال الحياة الاجتماعية، وهنا في هذا المجال يشار إلى المدرسة بوصفها المؤسسة الأكثر أهمية في بناء هذه الأيديولوجية وتحقيق هيمنتها.

 وفي هذا المضمار يميز التوسر (Althusser 1918-1990) بين الجهاز الأيديولوجي وبين القسر والإكراه الذي يتم من خلاله اللجوء إلى العنف (الجيش، الشرطة، العدالة). فالجهاز الأيديولوجي يتمثل في (المدرسة، العائلة، الثقافة، والمعلوماتية.. الخ).. وهذه المؤسسات مهيأة لإعادة إنتاج شروط الإنتاج (علاقات الإنتاج، القوى المنتجة) وذلك في نسق من الصيغ التي تعزز وجود الأيديولوجيا السائدة وهيمنتها ([18]).

ويجد هذا التصور صداه عند بودلو واستابليه ([19])(1971-1975) فالمدرسة ليست واحدة وليست موحدة فهي تنقسم إلى شبكتين: تضم الأولى أبناء الطبقات البرجوازية (التعليم الثانوي والجامعي) بينما تضم الثانية أبناء الطبقات الشعبية (المدارس المهنية)، وبالتالي فإن توزيع التلاميذ يبدأ من المرحلة الابتدائية حيث تعتمد لغة الطبقة البرجوازية اللغة السائدة في المدرسة، وبالتالي حيث يكون تعلم القراءة والكتابة لصالح أبناء الطبقة البرجوازية. وهنا يبين الكاتبان أن الأيديولوجيا البرجوازية توجه بطريقتين: إحداهما من أجل عمال المستقبل وهي تعتمد في هذا المستوى مفاهيم بسيطة في مجال الأخلاق. أما الأخرى فهي من أجل النخبة تقوم على أساس السيطرة على أفكار والتجريد.

 وتنطوي نظرية إعادة الإنتاج جانبا كبيرا من الحقيقة، وإنه لمن المعروف أن اللحظة التربوية هي أداة المجتمع التي يعتمدها في تحقيق استمراريته، ولكن الآثار التربوية الحقيقية لا تكون دائما كما تريدها الطبقة السائدة، فهناك شريحة من المعلمين والمتعلمين تستطيع أن تنفلت من أسار التطبيع الأيديولوجي السائد وتعمل على بناء ما يسمى بالأيديولوجيا المضادة، فالاتفاق لا يكون كليا دائما، وهذا ينطبق على مسالة إعادة الإنتاج الرمزي والتقسيم الاجتماعي من خلال المدرسة والحياة. فهناك دائما تناقضات بين مختلف المؤسسات المدرسية بين المدارس الخاصة والعامة بين التربية الرسمية والتربية غير الرسمية التي تعمدها العائلة في مجال وسائل الإعلام والعمل والنشاط العام والاجتماعي. فالنظريات السابقة تبين أن المدرسة تسهم في إنتاج جماعات جديدة وقيم جديدة، فعلى سبيل المثال في القرن التاسع عشر، وفي أوروبا تحديدا كان يتشكل الوعي الطبقي للطبقة العالمة إطار المدرسة.

 وقد درس كلود لوليفر Claud Leliver تطور وظيفة التعليم ما بعد الابتدائي في إحدى المقاطعات الأمريكية في الفترة الواقعة ما بين عامي 1850و 1914، وكانت المنطقة التي تم اختيارها La Somme من أكثر المناطق تقدما في المستوى المدرسي، وتم اختيار هذه الفترة الزمنية لأهمية هذه المرحلة في إطار أحداث العلمانية التي شهدتها أوروبا في هذه المرحلة. لقد بينت هذه الدراسة أن المؤسسات المدرسية كانت تشكل مجالا حيويا للصراع الأيديولوجي والسياسي، ومع ذلك فإن حقيقة هذه المؤسسات لا يمكن أن تختزل إلى مجرد الأبعاد السياسية والأيديولوجيا. لقد بينت الدراسة تطور هذه المؤسسات وولادتها كانا مرتبطين بالبنى والظروف التقنية والاقتصادية ومع ذلك لا توجد قطيعة نهائية بين النشاطات السياسية والأيديولوجية والاقتصادية. فالسيطرة تمارس من قبل الطبقة السائدة والدولة في مجال الدراسة بصورة آلية. وفي هذا المجال عمل كل من باولس Boueles وجنتس Gintis (المدرسة في إفريقيا الرأسمالية 1976) (School in Capitaliste America 1976) على دراسة المدرسة في قلب المجتمع الرأسمالي وتبين لهما بالنتيجة أن التربية تلعب دورين متكاملين، فهي تمكن الأفراد من الحصول على الكفاءة والقدرات الخاصة، وعلى رفع مستوى الإنتاجية عند العمال، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهي تبرز اللامساواة بواسطة أوالية التعزيز المستخدمة، والتي تمارس على المتعلمين داخل المدرسة. وهي في هذا السياق تعزز عملية توزيع الأدوار الاجتماعية وتبررها اجتماعيا وسيكولوجيا. ويبين الباحثان أن وظيفة المدرسة لا تقف عند حدود إعداد التلاميذ مهنيا بل تسعى إلى تكوين وعي سياسي متطور عند الآباء والمعلمين والطلاب، لقد أسهمت الجامعة في بناء حركة قوية راديكالية وتقدمية في المجتمع الرأسمالي.

فالتعليم والتربية يتحركان على عجلات قوى متناقضة، وهذه القوى تلعب دورا بالغ الأهمية في الحياة الاجتماعية والسياسية. فهناك عدد كبير من المشكلات المدرسية التي تنبع من خارج المدرسة وليس من داخلها، وهذا بدوره يعود إلى وظيفة الاقتصاد الرأسمالي عينه وآليات فعله. هذا ويمكن تفسير الإصلاحات الجوهرية في التربية من خلال نضال الطبقات، وأغلبها جاء ليعزز البنى الاجتماعية القائمة والتي تعزز مصالح الفئات الاجتماعية التي توجد في أعلى السلم الاجتماعي. وذلك كله على حسب التغير الاجتماعي.

وباختصار يركز المنظرون الاجتماعيون على أهمية البعد الطبقي وأولويته في بناء نظرياتهم التربوية. فالتربية في هذا المستوى تتجلى بأبعادها الاجتماعية، فهي قضية اجتماعية ويترتب عليها أن تلعب دورا جوهريا في صيرورة الحياة الاجتماعية والثقافية. فالتربية هي نتاج للتفاعل الاجتماعي وهي في النهاية تجسيد لطابع الحياة الاجتماعية وهي في الوقت الذي تستمد فيه وجودها من نسغ الحياة الاجتماعية فإنها تنتج وتعيد إنتاج هذه الحياة الاجتماعية بصورة مستمرة وفقا لصيرورة طبقية لا تنقطع عن الحركة أبدا. ومن هذا المنطلق فإن عددا من المربين والنظريات التربوية تؤكد على أهمية إعداد الإنسان للحياة الاجتماعية.

ولا بد لنا في نهاية هذه الرؤية الخاطفة لمفهوم الصراع الأيديولوجي والطبقي في المدرسة في أعمال كبار المفكرين النقديين الذي شكلوا الريادة في هذا الميدان أن نحث الباحثين العرب النقديين على دراسة هذه الظاهرة في مؤسساتنا التربوية والتعليمية وفق مناهج سوسيولوجية قد تكون أكثر تطورا. ومما لا شك فيه أن هذه الرؤية تشكل مقدمة فلسفية ومنهجية للتأسيس عليها في دراسة الواقع التربوي العريب في ضوء الطبقة وصراع الطبقات. وما كنا لندعو الكتاب الشباب إلا تناول هذه الظاهرة ونتقاعس أبدا، لأننا قد أدلينا بدلونا، وقدمنا كثيرا من الدراسات التي تتناول هذه الظاهرة، وقد سبق لنا تناول هذه المسألة بحذر في دراسة واسعة النطاق حول تكافؤ الفرص التعليمية في جامعة الكويت، وقمنا خلال ذلك بدراسة آثار التباين الاجتماعي في إنتاج التباين التربوي وإعادة إنتاجه، كما سبق لنا أن تناولنا هذه القضية في أبحاث متعددة ميدانية ونظرية، ومع ذلك فإن هذه القضية ستبقى قضية محورية وأساسية وخطيرة في العقود القادمة من السنين [20].

 

هوامش المقالة:

[1]-Snyders (G.), Ecole classe et lutte des classes, P.U.F., Paris, 1882.

[2]– Baudelot (C.) et Establet (R.), L’école capitaliste en France, Paris, Maspero, (1971).

[3] -Snyders (G.), Ecole classe et lutte des classes, P.U.F, Paris, 1982,112.

[4]– Voire Baudelot (C.) et Establet (R.), Ouvrage cité.

[5]– Illich Ivan, Une société sans école, Seuil, Paris, 1971 (P. 26)

[6] -Ivan Illich : ouvrage cité. P. 26.

[7] – Snyders (G.), Ecole classe et lutte des classes, P.U.F, Paris, 1982, pp (30-31).

[8] – Baudelot -C & Establet: L’ école capitaliste en France , P. U. F. , Paris , 1974.

[9]– Bourdieu Pierres & Passeron -J. C.,  La reproduction , P. U. F. , Paris , 1970.

[10]– Ilitch Ivan : Une société sans école, seuil, Paris, 1971.

-[11] Snyders Georges ,  Ecole Classe et Luttes des Classes , PUF. , Paris , 1982.

[12]– BOURDIEU & J.-C. PASSERON, Les Héritiers. Les étudiants et la culture, Paris, 1964, rééd. 1966.

[13] – P. BOURDIEU & J.-C. PASSERON, La Reproduction. Eléments pour une théorie du système d’enseignement, Minuit, 1970.

14- Bourdieu, P, & Passeron, J., Trans. By Nice, Reproduction in Education Society and Culture, op. Cité

15- Bourdieu, P, & Passeron, J., Trans. By Nice, Reproduction in Education Society and Culture, op. Cité

[16]– K. MARX, Les Luttes de classes en France (Die Klassenk mpfe in Frankreich , 1850)، trad. P. Meier et P. Angrand, ibid., rééd. 1967.

[17]– A. GRAMSCI, Œuvres choisies , trad. Et notes G. Moget et A. Monjo, Paris, 1959.

[18] – L. ALTHUSSER, « Idéologie et appareils idéologiques d’état », in La Pensée, Ed. Sociales, 1970.

[19] – C. BAUDELOT, R. BENOLIEL, H. CUKROWICZ & R. ESTABLET, Les étudiants, l’emploi, la crise, Paris., 1981

[20] – علي أسعد وطفة ، تكافؤ الفرص الأكاديمية في جامعة الكويت: تأثير متغيرات الوسط الاجتماعي، مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية، جامعة الكويت، العدد 29 يناير 2011.

 

اترك تعليقا

* باستخدام هذا النموذج ، فإنك توافق على تخزين ومعالجة بياناتك بواسطة هذا الموقع.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قراءة المزيد